رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
جرى العثور على (هدى شعراوي) داخل منزلها في ظروف غامضة

بقلم الكاتب السوري: عامر فؤاد عامر

لم يكن الخبر عاديّاً، ولم يمرّ مرور الكرام، حيث عُثر على الفنّانة السوريّة القديرة (هدى شعراوي) متوفاة داخل منزلها في حيّ باب السريجة الدمشقي، في واقعة وُصفت بالصادمة، وأعادت إلى الواجهة أسئلة موجعة عن مصير الفنّانين، وعن الذاكرة التي تُغتال بصمت.

الشارع الفنّي العربي، من دمشق إلى القاهرة، تلقّى الخبر بذهول ثقيل، فـ (هدى شعراوي) لم تكن ممثّلة شاركت في أعمال ناجحة وحسب، بل كانت وجهاً مألوفاً دخل البيوت العربيّة لعقود، وارتبطت صورتها بالأمّ، والداية، والمرأة الحكيمة التي تُشبه الناس وتُشبه البيوت القديمة.

بحسب المعلومات المتداولة، فقد جرى العثور على (هدى شعراوي) داخل منزلها في ظروف غامضة، ما استدعى فتح تحقيق رسمي لكشف ملابسات الوفاة.. وحتّى اللحظة لا تزال التفاصيل الدقيقة قيد البحث، وسط حالة من الترقب الشعبي والإعلامي لما ستؤول إليه التحقيقات.

وعلى الرغم من تداول روايات عديدة عبر مواقع التواصل، تبقى الحقيقة الكاملة مرهونة بما ستكشفه الجهات المختصّة، فيما يظلّ المؤكد أن النهاية جاءت قاسية وصادمة، ولا تليق بتاريخ فنّي وإنساني امتد لأكثر من ثمانية عقود.

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
وُلدت هدى شعراوي في مدينة دمشق العام 1938، في بيئة شعبيّة أصيلة

من دمشق 1938.. بداية الحكاية

وُلدت هدى شعراوي في مدينة دمشق العام 1938، في بيئة شعبيّة أصيلة، وكانت منذ طفولتها تمتلك صوتاً استثنائيّاً وموهبة مبكرة.. لم تكن تعلم أن هذا الصوت سيصنع لها تاريخاً، وأنها ستصبح لاحقاً واحدة من مؤسسي نقابة الفنّانين السوريين، وركناً من أركان الدراما العربيّة.

في حوار خاصّ أُجريته معها العام 2016، كشفت (هدى شعراوي) أنها دخلت الإذاعة وهي في التاسعة من عمرها، لتكون أصغر صوت نسائي عرفته إذاعة دمشق، في وقت كان الرجال يتولون تقليد أصوات النساء.

قالت يومها: (كنت أوّل صوت نسائي في الإذاعة بعمر التسع سنوات.. كان صوتي قويّاً، وأستطيع تأدية أعمار مختلفة، وهذا ما جعل المخرجين يعتمدون عليّ كثيراً، طفلة تؤدّي أدوار نساء.. وصوت يصنع تاريخاً).

منذ بداياتها في برنامج (حكم العدالة) الشهير، ثمّ في أعمال إذاعيّة بارزة مثل (صرخة بين الأطلال)، أثبتت (هدى شعراوي) أنها ليست موهبة عابرة.. كانت قادرة على أداء شخصيّة طفلة، ومراهقة، وامرأة ناضجة في العمل نفسه، بصوتٍ واحدٍ وإحساسٍ متقن.

هذه القدرة الاستثنائيّة جعلتها اسماً مطلوباً في الإذاعة، قبل الانتقال بثبات إلى المسرح، ثمّ السينما والتلفزيون، لتبني واحدة من أكثر المسيرات الفنّيّة تنوّعاً وثراءً في سوريا.

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
لم تحصر نفسها في قالب واحد، بل قدّمت الكوميديا، والتراجيديا، وأدوار البيئة الشاميّة، والأمّ، والمرأة القويّة

فنّانة شاملة.. لا تُحبّ التصنيفات

لم تحصر نفسها في قالب واحد، بل قدّمت الكوميديا، والتراجيديا، وأدوار البيئة الشاميّة، والأمّ، والمرأة القويّة، من دون أن تقبل أن تُصنّف.

وقالت في حوارها آنذاك: (لا أهتم للتصنيفات؛ والأهمّ أن أكون شموليّة، قادرة على أداء كلّ الأدوار).

شاركت الفنّانة القديرة (هدى شعراوي) في أفلام سينمائيّة مثل: (نساء للشتاء، ذكرى ليلة حب، حارة العناتر، شاطئ الحب، غابة الذئاب، غراميات خاصة) وغيرها، وأسّست أوّل فرقة مسرحية تحمل اسمها، وقدّمت من خلالها ثلاثة عروض، في خطوة جريئة لامرأة في زمن لم يكن سهلاً على الفنّانات.

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
التصق، في السنوات الأخيرة، اسم (هدى شعراوي) بشخصيّة الداية (أم زكي) في مسلسل (باب الحارة)

(أم زكي).. الدور الذي جعلها أيقونة

التصق، في السنوات الأخيرة، اسم (هدى شعراوي) بشخصيّة الداية (أم زكي) في مسلسل (باب الحارة)، العمل الذي دخل كلّ بيت عربي، خصوصاً في مصر، حيث حظي بمتابعة واسعة خلال مواسم رمضان.

تحوّلت (هدى شعراوي) إلى رمز، حتّى بات الجمهور يناديها باسم الشخصيّة، وصدّق كثيرون أنها داية حقيقيّة.

وذكرت ضاحكة في الحوار نفسه: (امرأة من أمريكا اتصلت بي تطلب استشارتي الطبيّة … ظنّت أنني أم زكي فعلاً).

لكن خلف هذه العفويّة، كان هناك عمل دقيق، إذ كشفت أنها استحضرت ذاكرة طفولتها في حيّ الشاغور، حين كانت ترافق والدتها وصديقتها الداية، وتراقب التفاصيل الصغيرة التي صنعت صدق الشخصيّة.

رغم تاريخها الطويل، عُرفت القديرة (هدى شعراوي) بأنها مقِلّة في الظهور الإعلامي، ورافضة للضجيج.. كانت صريحة في نقدها لواقع الفنّ، وتحدّثت بجرأة عن غياب العدالة، وهيمنة العلاقات، وتراجع معايير الموهبة.

وفي هذه النقطة أشارت: (اليوم العلاقات والشلليّة أصبحت قاعدة.. والموهبة لم تعد الشرط الأوّل)، كما كشفت أنها استُبعدت من أدوار عدّة بسبب الأجر أو العمر، لكنّها كانت تؤمن بأن الزمن سينصفها، ولو متأخراً.

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
مسيرة (هدى شعراوي)، يصعب فصلها عن مسيرة فنّانات مصريّات من جيل أصيل

(هدى شعراوي) وجيل الزمن الجميل

عند النظر إلى مسيرة (هدى شعراوي)، يصعب فصلها عن مسيرة فنّانات مصريّات من جيل أصيل صنعن فيه ملامح الزمن الجميل للفنّ العربي، مثل (أمينة رزق، فردوس محمد، علوية جميل، وزينب صدقي)، اللواتي قدّمن أدوار الأمّ والمرأة الشعبيّة بصدق جعلها خالدةً في الوجدان المصري.

مثل (أمينة رزق)، امتلكت (هدى شعراوي) ذلك الحضور الإنساني الذي لا يحتاج إلى بطولة مطلقة ليترك أثراً، ومثل (فردوس محمد)، جسّدت الأم والمرأة الحنونة من دون افتعال أو مبالغة، فيما اقترب أداؤها في بعض الأدوار الشعبيّة من بساطة (زينب صدقي) وصدقها الفطري.

لكن الفارق الجوهري، أن هؤلاء النجمات المصريّات حظين في نهاية المطاف بتكريم مؤسسي وإعلامي واسع، بينما عاشت (هدى شعراوي) سنواتها الأخيرة بعيداً عن الأضواء، مكتفية بمحبّة الناس، من دون أن تحظى بما يليق بتاريخها من احتفاء رسمي أو إنتاج يوازي مكانتها.

هذا التشابه بين التجارب يؤكد أن (هدى شعراوي) لم تكن فنّانة محلّيّة، بل جزءاً من ذاكرة عربيّة مشتركة، وأن غيابها اليوم يُشبه غياب واحدة من نجمات السينما المصريّة الكلاسيكيّات، ليس فقط لأن الأدوار متقاربة، بل لأن الصدق الفنّي لا يعرف جغرافيا.

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
(هدى شعراوي) تلقت عرضاً للمشاركة في السينما المصريّة في مرحلة مبكرة من حياتها

مصر في مسيرتها.. موقف لا يُنسى

للمفارقة، كشفت (هدى شعراوي) أنها تلقت عرضاً للمشاركة في السينما المصريّة في مرحلة مبكرة من حياتها، لكنها رفضته لأنه كان يتطلّب مشاهد تعرٍّ، مؤكدة احترامها للفنّ المصري، وتمسّكها بقناعاتها الشخصيّة.. هذا الموقف أعاد اليوم تسليط الضوء على فنّانة اختارت الطريق الأصعب، ودفعت ثمن اختياراتها بهدوء.

من أكثر ما يُستعاد اليوم من حديثها، موقفها من وطنها، إذ أقسمت ألا تغادر سوريا على الرغم من الظروف الصعبة، التي مرّت به البلاد، وقالت جملة باتت مؤلمة بعد رحيلها: (سوريا هى أمي، هى التي ربّتني وجعلتني نجمة، ولا يمكنني أن أتركها)، اختارت البقاء في بيتها القديم، في حيّ باب السريجة، متمسّكةً بالمكان والناس، قبل أن يكون هذا البيت ذاته شاهداً على نهايتها الصادمة.

لابدّ من التذكير بأن الفنّانة القديرة (هدى شعراوي) ستحضر في رمضان 2026 عبر مسلسل (عيلة الملك)، فيما رأيناها عبر عدّة أعمال سابقاً، وقد ارتبط اسمها مع المخرج محمد عبد العزيز في مسلسلات: (ليالي روكسي 2025، والنار بالنار 2023، وشارع شيكاغو 2020)، وغيرها.

وعلى الرغم من سيطرة شخصيّة (أم زكي – داية الحارة الشاميّة) في مسلسل (باب الحارة) على باقي الشخصيّات التي قدّمتها الراحلة، إلا أننا لن نغفل أهمّيّة حضورها ككوميديان سوري مميّز في العديد من الأعمال الكوميديّة السوريّة، ناهيك عن مشاركاتها التي تفوق عدداً المئة وخمسة عشرة عملاً تنوّعت بين المسرح والسينما والتلفزيون والإذاعة.

عامر فؤاد عامر يكتب: (هدى شعراوي).. خبر صادم يوقظ الذاكرة العربيّة على مأساة
رحيل (هدى شعراوي) بهذه الطريقة لا يُختصر في خبر وفاة، بل يُشبه اغتيال ذاكرة فنّيّة كاملة

نهاية لا تشبه المسيرة

رحيل (هدى شعراوي) بهذه الطريقة لا يُختصر في خبر وفاة، بل يُشبه اغتيال ذاكرة فنّيّة كاملة، فهنا لا نتحدّث عن ممثّلة فقط، بل عن صوت بدأ طفلاً، وامرأة صنعت وجدان الدراما الشاميّة، واسمٍ ترك أثراً في كلّ بيت عربي.

ويبقى السؤال مفتوحاً: (كيف تنتهي حياة فنّانة بهذا الحجم في عزلة وبهذا الغموض؟)..

السؤال مؤلم، والإجابة بيد العدالة، أمّا الإرث، فسيبقى حيّاً، مهما كانت النهاية قاسية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.