
بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
الموهبة وحدها لا تكفي لاعتلاء القمة، يلزمها الذكاء الذي يصونها ويديرها بشكل سليم ويأخذ كل الاحتياطات اللازمة لصد أي محاولات أو هفوات يمكن أن تنال منها، ومن يتأمل ضياع (شيرين عبد الوهاب) وفشل موهبتها في إنقاذها من وساوس نفسها وشرور المحيطين بها، وحال (أم كلثوم) التي ما زالت تحيا في وجدان ملايين المحبين لها.
والذين انبروا دفاعاً عنها عندما حاولوا تشويهها من خلال الفيلم الأردأ (الست)، يدرك أن الموهبة بلا ذكاء يديرها ويخطط لاستغلالها بشكل مثالي يمكن أن تسقط في بئر الضياع .
(ما طار طير وارتفع إلا كما طار وقع) قول عربي مأثور، وبصرف النظر عن هوية قائله فإنه قول يحتمل الصواب ويحتمل الخطأ، فليس كل طير طار وحلق ووصل إلى قمة القمم وقع أو سقط في الهاوية، وليس كل طير طار وارتفع استطاع الحفاظ على مكانته وصون مكتسباته المعنوية.
تذكرت هذا القول المختلف على قائله، وأنا أفكر في حال المغنية (شيرين عبد الوهاب)، وفي ذات الوقت دفعتني السموم الخبيثة التي حملها فيلم (الست) للعودة لمشاهدة مسلسل (أم كلثوم) للمخلص الأمين كتابة وإبداعاً الراحل (محفوظ عبد الرحمن) ولصاحبة الرؤية الحكيمة والواعية في اختيار ما تخرجه وشخوص أبطاله (إنعام محمد علي) أطال الله في عمرها.
لا وجه للمقارنة بين (أم كلثوم)، و(شيرين عبد الوهاب)، ولكن تأمل الحالتين حق لمن يريد أن يعرف ويعي أن الموهبة بدون ذكاء ووعي وحكمة وثقافة وفهم واستيعاب وحنكة يمكن أن ترفع صاحبها لبعض الوقت ثم تهوى به إلى بئر الضياع والهلاك.

ضحية محدودية الذكاء
الموهبة تجلب الفلوس والشهرة ورفقاء السوء والمعجبين، وتصيب غير الواثقين بأمراض مختلفة ومجموعة من الاضطرابات النفسية والسلوكية، التي يمكن أن تقود إلى الإدمان والاكتئاب وجنون العظمة، وهى أمراض كفيلة بالسقوط بأصحابها إلى قاع القاع.
الحامي من أمراض الشهرة بعد الايمان هو الذكاء، الذي يساعد صاحبه على تجنب الوقوع في براثن الاهتزازات النفسية، ويساعد على اتخاذ القرارات السليمة التي تحلق بصاحبها إلى المزيد والمزيد من العلا.
(شيرين عبد الوهاب) ضحية محدودية الذكاء وضيق الأفق ورفقاء السوء من المحيطين بها، والذين تركت نفسها لهم ليعبثوا بموهبتها، ورغم أن الكثيرين من محبي صوتها ساندوها ونصحوها بالسبل المتاحة لهم سواء بشكل غير مباشر أو عبر السوشيال ميديا، ولكنها استمرأت الحالة التي وصلت إليها ولم تكن لها إرادة الخروج والتحدي والتمييز بين أهل الشر وأهل الخير المحيطين بها.
ووصل الأمر بها إلى اختصام الحريصين عليها لصالح المتربصين بها وبموهبتها، انحازت لمن يريدون لها شراً وسلمت لهم نفسها حتى وصل حالها إلى ماهي عليه الآن.
وبالتالي فإنها هي المسؤول الأول سقوطها المريع الذي كاد أن يفقدها حياتها بعد أن افقدها احترام قطاع عريض من الناس لها ولموهبتها رغم الإجماع على أن صوتها لايشبه سواه وأن ما أنعم الله به عليها من قبول جماهيري، ورغم زلات لسانها التي تعكس فقدانها الثقافة والوعي بما تقول وبما تفعل.

الموهبة الخارقة والذكاء الحاد
(أم كلثوم)، الفلاحة القادمة من الريف المصري، كانت تمتلك الموهبة الخارقة والذكاء الحاد وهو ما أوصلها إلى مكانة لم يسبقها إليها لا الأسبقون ولا اللاحقون، علمت نفسها وقرأت الشعر والفلسفة وتابعت المواقف السياسية والحرب العالمية الثانية والنزاعات الدولية، تعلمت الفرنسي والإنجليزي، جلست وتحدثت في مجالس الرؤساء والملوك والساسة.
ذكاؤها أدار موهبتها وكان الحارس لها، اختارت كلمات أغانيها واختارت من يلحنونها، واستوعبت التغيرات السياسية والاجتماعية والفنية على مدار عمرها، لم تترك أي فرصة للعابثين ليعبثوا بها ولذا فقد حلقت فوق السحاب ولا تزال رغم مرور 51 عاماً على وفاتها والدليل أنهم عندما حاولوا النيل منها والتشكيك في شخصيتها اجتماع الذكاء والموهبة
تصدى لهم الملايين من معجبيها وفضحوهم لترتد إليهم مؤامرتهم وتسقطهم.
وترفع أم كلثوم وتحيي فنها وترفع نسب المستمعين إليها والمشاهدين لمسلسل (أم كلثوم)، والمرتادين لمسرحية (أم كلثوم .. دايبين في صوت الست)، وترفع معها مكانة صناع هذه الأعمال المنصفين لها في وجدان ملايين الملايين على الجغرافية العربية.
(شيرين عبد الوهاب) حالة من حالات كثيرة هدمت نفسها وأهدرت موهبتها، وأم كلثوم أم الحالات التي فرضتها موهبتها وصانها ذكاؤها لترتفع فوق الكثيرين، وبين هاتين الحالتين الكثير من الحالات التي تؤكد دور الذكاء في حراسة المواهب والارتقاء بها، ودور انعدامه في إسقاطها وإهدارها.
من أهم النجوم التي تلألأت في السماء العربية بفضل اجتماع الذكاء والموهبة، الموسيقار (محمد عبد الوهاب، وسيدة الشاشة العربية فاتن حمامة، وسعاد حسني، والزعيم عادل إمام)، ومن النجوم الذين تفوق ذكاؤهم على موهبتهم ورغم ذلك رفعهم إلى العلا (عبد الحليم حافظ وعمرو دياب وتامر حسني).
وهو بالمناسبة النجم الذي بدأ رحلته مع شيرين عبد الوهاب) من خلال ديو (لو كنت نسيت) عام 2002، وفيه تألقت (شيرين عبد الوهاب) ورآها كثيرين أكثر موهبة من (تامر)، واليوم يتألق تامر غنائياً وسينمائياً وتنام (شيرين عبد الوهاب) في المستشفيات أو عند صديقة لها بحثاً عن علاج، ولعلمها خير تجسيد لدور الموهبة الفاقدة للذكاء والموهبة المحروسة به.