
بقلم الدكتور: إبراهيم بوذكري *
بعد الانتهاء من التحضيرات الأولى لمسلسل (دعاء الكروان) قصة عميد الأدب العربي حتي الآن، كان الاتفاق واضحًا منذ البداية على تنفيذ موسيقى تصويرية تليق بثقل العمل الدرامي.. تم التعاقد مع الموسيقار محمد علي سليمان، وجمعتنا جلسة عمل مطولة ضمتني بصفتي المنتج إبراهيم أبو ذكري، والمخرج أحمد بدر الدين، إلى جانب محمد علي سليمان واضع الموسيقى التصويرية والألحان.
في تلك الجلسة، وضعنا معًا الخطوط العريضة للشكل الموسيقي العام لمسلسل (دعاء الكروان)، وتناقشنا في طبيعة الأغاني التي يمكن أن تتخلل بعض المواقف الدرامية، بحيث تكون جزءًا عضويًا من السرد لا مجرد إضافة شكلية.
وقع الاختيار على الشاعر عزت الجندي لكتابة الأغاني، وتم تسليمه نسخة كاملة من النص الدرامي ليحدد بنفسه المواضع التي يمكن أن تحتمل وجود أغنية في السياق الدرامي. كما كُلف بكتابة تتر البداية وتتر النهاية، إلى جانب أغاني المسلسل كافة.
كنا قد حددنا بالفعل موعد بدء التصوير، على أن تكون الموسيقى التصويرية قد انتهت أو على الأقل وُضعت ملامحها الأساسية.. تم حجز استوديوهات الصوت، وكذلك التعاقد مع الفرقة الماسية بقيادة الموسيقار أحمد فؤاد حسن. كل شيء كان يسير وفق الخطة.
ومع أول يوم تصويرفي (دعاء الكروان)، بدأنا في مطالبة محمد علي سليمان بالموسيقى التصويرية اللازمة لاستخدامها أثناء التصوير، تلك الموسيقى التي لا تُستخدم فقط لاحقًا في المونتاج، بل تُعد دليلًا حيويًا لحركة الكاميرا، وتساعد المخرج في ضبط الإيقاع الدرامي للمشاهد، خاصة تلك التي يتم تصويرها في مواقعها الطبيعية وتحتاج إلى إحساس موسيقي مسبق.
وضعتُ المخرج أحمد بدر الدين والموسيقار محمد علي سليمان أمام مسؤولياتهما الكاملة تجاه العمل، خصوصًا بعد الانتهاء من جميع الاتفاقات المالية، وكنت حريصًا على أن تكون الأمور واضحة، وأن توضع النقاط فوق الحروف منذ البداية.. فمع انطلاق التصوير الفعلي، كان من المفترض أن تكون الموسيقى التصويرية جاهزة أو على الأقل أن تتوافر التيمات الأساسية التي يُبنى عليها التصوير.

تيمة موسيقية أساسية
في هذه الأثناء، كان الشاعر عزت الجندي قد سلّم نصوص الأغاني كاملة إلى الملحن بعد اعتمادها رسميًا مني ومن المخرج.. وقد تم الاتفاق معه، وهو أحد أبرز كتّاب الأغنية في تلك الفترة، على أن تكون الأغاني محدودة العدد، وموجودة فقط في المناطق الدرامية التي اتفق عليها المخرج مع الملحن، وبالتنسيق معي.
كان الاتفاق النهائي واضحًا وصارمًا: لن يبدأ تصوير مسلسل (دعاء الكروان) لا بعد حصول المخرج على تيمة موسيقية أساسية من محمد علي سليمان، تكون بمثابة العمود الفقري الذي يُعاد على أساسه صياغة المشاهد بصريًا ودراميًا.
كان أحمد بدر الدين، مخرج (دعاء الكروان)، مستعجلًا بطبيعته، لا يشغله سوى أن يعاين أماكن التصوير ويبدأ التنفيذ فورًا. وبالفعل قام بمعاينة المواقع، بينما كان مدير الإنتاج قد أنهى اتفاقه مع كامل طاقم التمثيل؛ من عفاف شعيب وحاتم ذو الفقار ومريم فخر الدين، إلى جانب مجموعة كبيرة من الممثلين المشاركين في المسلسل.
ومع انطلاق العمل، بدأ السؤال اليومي يتكرر: خلصت؟ فين المزيكا؟، وكان الرد في كل مرة واحدًا: مافيش مزيكا… لسه ما خلصتش.
لم تكن هناك موسيقى مكتملة، ولا حتى تيمة صغيرة يمكن أن يبدأ بها أحمد بدر الدين التصوير على أساسها، رغم أن الاتفاق كان واضحًا بأن يقدم الملحن مادة موسيقية إرشادية تُبنى عليها حركة الكاميرا وإيقاع المشاهد.
وبرغم هذا التأخير، انتظرنا طويلًا على أمل الحصول على الموسيقى أو حتى تيمة واحدة أو أغنية واحدة. لكن الوقت كان يمر، وضغط التصوير يزداد، فاضطررنا إلى بدء التصوير دون موسيقى.
توالت الأيام، وانتهينا من تصوير عدد كبير من المشاهد الدرامية في مواقعها الطبيعية، بينما مشاهد الأغاني لم تُصوَّر بعد، رغم أن الأصل أن تُصوَّر الأغاني داخل نفس مواقع الأحداث الدرامية.

انتظرنا أكثر.. لكن دون جدوى
عندها ثار أحمد بدر الدين، وشاركه الغضب مدير الإنتاج، فالتأخير لم يعد مسألة فنية فقط، بل تحول إلى كارثة إنتاجية.. فعدم تصوير الأغاني في نفس مواقع المشاهد يعني العودة مرة أخرى إلى هذه الأماكن لاحقًا، وهو ما كان سيؤدي حتمًا إلى مضاعفة الميزانية وتحميل العمل أعباء مالية غير محسوبة.
وهنا بدأت الأزمة الحقيقية اقترح عليّ أحمد بدر الدين، المخرج، حلًا سريعًا للأزمة. قال لي إن لديه مرشحًا، ملحنًا مبتدئًا، يمكن أن نتعامل معه، وأضاف بثقة: وأنا أعوضك عن الخسائر والتأخير.
نظرت إليه وقلت بحسم: لا يمكن.
كيف لي أن أغيّر موسيقار بحجم محمد علي سليمان، وأستبدله بملحن غير معروف في السوق، وذلك في أول عمل إنتاجي لي في مصر؟
كنت حديث العهد بالسوق المصري، وكان اسمي ما زال يتشكل.. من غير المعقول أن يكون أول إنتاج لي بالقاهرة حيث أن كامل انتاجي بالبلاد العربية والاوربية – كان مسلسل دعاء الكروان، قصة عميد الأدب العربي طه حسين، وسيناريو وحوار الأستاذ الكبير علي الزرقاني – على أرض مصر بعد الإنتاج الضخم الذي انتجته باليونان وابوظبي ولندن والبحرين وأغامر فيه بملحن مبتدئ.
كيف سيُفسَّر ذلك في السوق المصري؟
هل أسمح للمنافسين أن يقولوا إن إنتاج (إبراهيم أبو ذكري) إنتاج غير منضبط؟
أن تهتز الثقة في عملي من أول خطوة في مصر وبعد عودتي من ابوظبي بعد مده طويله انتج خارج البلاد ؟
كان هذا أمرًا غير وارد تمامًا.
بدأنا نفكر في أسماء كبيرة من مشاهير الموسيقيين والألحان في ذلك الوقت.. وبين الأسماء اللامعة، استقر بصري على اسم واحد: هو الموجي وكان في قمة الملحنين فيد مصر ويهمني الاتفاق معه مهما كلف ومهما طلب فبإسم محمد الموجي يكتمل عظمة التتر .
كان الموجي في عز مجده، جالسًا على جبل من الألحان، يوقّع موسيقاه لكبار المطربين والمطربات. وكان من حسن حظي أنني ذهبت إليه بنفسي، لا عن طريق مدير إنتاج ولا وسيط.
اتفقت مع محمد الموجي على أن يتولى الموسيقى التصويرية لمسلسل (دعاء الكروان)، وكان في ذلك الوقت مرتبطًا ومتزوجًا بالمطربة أميرة سالم. وافق الموجي، لكنه وضع شرطًا واضحًا:
أن تكون أميرة سالم هي من تغني تتر المسلسل.
وافقت… لكنني وضعت شرطي أنا أيضًا.
قلت له: إذا كانت أميرة ستغني التتر والأغاني الداخلية، فأنت ستغني معها.
يكون التتر ديو بين الملحن محمد الموجي والمطربة أميرة سالم.

محمد الموجي وأميرة سالم
في ذلك الوقت، لم تكن أميرة سالم نجمة معروفة، لكن صوتها كان رائعًا.. ومع وجود
اسم محمد الموجي إلى جوارها، تحولت الفكرة إلى ضربة إنتاجية ذكية.
المهم أن يقوم الموجي بتلحين الأغاني، وتنفيذ الموسيقى التصويرية كاملة.
مرت الأيام.. والتصوير مستمر.. لكن المعاناة عادت من جديد.
بدأ أحمد بدر الدين يشكو مرة أخرى من التأخير.
نفس الأزمة.. نفس القلق.. ونفس الضغط.
كنت أزور محمد الموجي بانتظام، كل يومين تقريبًا. نجلس ثلاثتنا: أنا، وهو، وأميرة. أتابع الألحان، وأطمئن، وأنتظر. لكن المشكلة كانت أكبر هذه المرة؛ لم يعد ممكنًا التراجع.
تغيير محمد علي سليمان ثم تغيير محمد الموجي؟
هذا كان سيقضي على سمعة العمل بالكامل.
بعد أسبوع أو عشرة أيام من بدء التصوير، ذهبت لزيارة أحمد بدر الدين في الصعيد. قضيت معه يومًا جميلًا في موقع التصوير الخارجي.
كان المكان مدهشًا: إبل، خراف، خيام، معدات تصوير، إضاءة، سيارات إنتاج… مشهد سينمائي حقيقي، يبعث على الفخر.
انتهيت مبكرًا من الزيارة، وتركتهم يكملون التصوير، وقلت لنفسي:
أمرّ على محمد الموجي وأطمئن.

سألته عن الألحان
ذهبت إليه في الجيزة.. كان جالسًا مع أميرة سالم. جلسنا نتحدث، وسألته عن الألحان، فقال لي بصراحة:
والله يا إبراهيم.. الموضوع محتاج شوية وقت.
وخلال الحديث، جاءت سيرة التصوير.. فقلت له بحماس: النهارده والله يا محمد كان في مشهد رهي..
وبدأت أصف له المشهد كما رأيته، كما شعرت به.
مشهد الجماا..
الجمل في نقطة الصفر..
ثم يتقدم ببطء نحو الكاميرا..
الرمل..
الخطوات..
الإيقاع…
وأنا أشرح، لاحظت شيئًا غريبًا.
عيون محمد الموجي لم تعد معي.
كانت تذهب بعيدًا..
إلى موقع التصوير.
كنت أراه وكأنه يعمل زووم بعينيه:
رجلي الجمل..
الحركة..
الإيقاع..
الصورة تتكوّن في رأسه.
فجأة، قال لي: دقيقة واحدة.
دخل الحمام..
ثم عاد..
أمسك بالعود..
وجلس.
كانت سهرة من أجمل السهرات التي مرت في حياتي.
في أقل من أربع ساعات، وُلدت الموسيقى التصويرية كاملة.
الألحان..
الأغاني..
التترات..
كل شيء.
كأن المشهد الذي وصفته له فجّر الموسيقى بداخله.
خرجت الألحان قوية، صادقة، وعميقة.
وجاءت الأغاني أجمل مما كنا نحلم.
اكتمل تصوير مسلسل، وتم المونتاج، وسافرت لتوزيع (دعاء الكروان) وتحقيق عائده.
والحمد لله..
كنت في الطريق..
أما ما تبقى..
فكانت قصة أخرى.. إنسانية
(قصة بيني وبين أميرة سالم: رحمها الله بعد طلقها محمد الموجي بناء علي ضغط من زوجته الأولي بالحلقة القادمة)
* رئيس اتحاد المنجين العرب