(يوسف شاهين): اعتزال محسن محيي الدين عذبني، وتمنيت أن يكون عبدالحليم بطل (الاختيار) (2/2)



إعداد الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
ومازلنا نستعيد حوار المخرج السينمائي الراحل (يوسف شاهين) الذي أجريناه معه في جريدة (الحياة) اللندنية عام 2001، ونستعيده حاليا بمناسبة مئويته التى نعيش في رحابها هذه الأيام.
في الجزء الأول توقفنا مع فيلمه (سكوت ح نصور) الذي كان السبب الرئيسي الذي جعلني أنا وصديقي الكاتب الصحفي (محمود موسى) نسعى إليه ونجري هذا الحوار، ومنه تفرعنا إلى أجزاء من مشواره السينمائي، فإليكم نص حوارنا معه.
* لماذا جعلت (أحمد وفيق) يلعب شخصية أكبر منه سناً، على رغم أن هناك ممثلين في مرحلة السن نفسها؟
** (يوسف شاهين): السينما المصرية فيها أزمة وهي اختفاء سنّ معين ولم يعد موجوداً، فعندما تقول محمود حميدة، مَن غيره؟ وعندما أقول يسرا مَن غيرها؟ اعطوني اسم فنانة أخرى.
ولهذا قلت: أقدم فناناً على الأقل لديه (شوية) سينما، (أحمد وفيق) تابعته منذ فترة وأعجبت به، واعطيته دوراً صغيراً في (الآخر) ووجدت أنه شاطر لأنه يلعب مسرحاً، والمسرح يحتاج ذكاء كبيراً.
* ما سر إختيارك المطربة (لطيفة) لبطولة الفيلم؟ وهل بالفعل تم ترشيح (أحمد زكي، وماجدة الرومي) قبلها؟
** بالفعل تم ترشيح أحمد زكي، وماجدة، لكن (أحمد) وجد الفيلم كله للمطربة، فرفض أن يلعب دور (لمعي)، أما (ماجدة) فرفضت أن تقوم بدور أم لفتاة شابة، والحقيقة أنني سعدت جدا باكتشاف (لطيفة) والقرب منها على المستوى الفني والإنساني، فهي ذات حضور رائع، ومجتهدة و(عايزة تعمل تاريخ فني) وهذه نقطة ذكاء تحسب لها، وأحببت فيها انصاتها، وتأدية المطلوب منها على أكمل وجه، وإلتزامها (معندهاش دلع) في الشغل.
*هناك جملة في (سكوت حنصور) تقول أي واحد عنده 70 سنة هو على حق؟
** يضحك، هل تعتقد أنني يمكن أن أخطئ مثلاً؟!
* أفلامك تقابل دائماً بحال من الجدال؟
** هذه هي الإشارة التي تؤكد لي أنني (ماشي) مع الحداثة، وأقصد أنني شيء جديد، الناس غير متعودة عليه، أنا أردت أن أعيد الموسيقى والكوميديا والدراما قبل أن تختفي من حياتنا.
وفي (سكوت) قدمت سياسة وكوميديا وغناء، و(من ده على ده)، و(مرة تاخذها هزاراً، ومرة بجد)، ومرة تعبر عن حبك للرئيس عبدالناصر، ثم مرة تتحدث عن رجال الأعمال.


صلاح الدين وجميلة
* هل من المهم أن ينتمي الفنان إلى حزب سياسي؟
** (يوسف شاهين): أنا لا أنتمي إلى أي حزب، لقد كتبت قبل سنوات تلغرافاً إلى السيد (خالد محيي الدين) رئيس حزب التجمع قلت له فيه: (انتم عاملين زي الحزب الوطني… ولهذا أنا ليس لي دخل بكم) وتركتهم، يضحك.
* في العام 1958 أخرجت (جميلة بو حريد)، و(باب الحديد) ورجعت في أعوام 1959 و1960 و1961 وقدمت السينما التقليدية؟
** هناك فترة أنا أطلق عليها اسم الفترة السوداء، قدمت فيها خمسة أفلام كل واحد أتى أسوأ من الثاني، إلى أن قدمت (صلاح الدين)، والفضل في إخراجي هذا الفيلم، يعود إلى المخرج (عز الدين ذو الفقار) الذي ساعدني، وأخرجني من تلك الأفلام.
ولهذا كنت ومازلت أحبه واحترمه، وسأظل مديناً له طوال حياتي، حيث جعلني أخرج (صلاح الدين الأيوبي).
* حالياً هناك نية من مخرج عربي يقول إنه سيقدم فيلماً عن صلاح الدين الايوبي نظرا للأخطاء الموجودة في فيلمك؟!
** يضحك هذا المخرج له 30 سنة يقول هذا الكلام، وعرفت أنه يهاجمني ولا أعرف لماذا؟ أقول له فقط: طيب قدم فيلمك وخلينا نشاهده بدل الكلام الكثير، والذي ليس له أي معنى!.
* اهتماماتك بالقضايا لم تكن في الأفلام فقط وإنما في الحياة أيضاً، وكان لك موقف مهم في قضية أهالي (جزيرة الدهب) الذين حاولت الحكومة إبعادهم منها لصالح مشاريع استثمارية؟
** أنا سأقف ضد من هم ضد الشعب والغلابة، خصوصاً أن هناك مسؤولين كذابين، وأقول لهم اتركوا الغلابة وعليكم التفكير في البطالة، والصناعة، لأن مصر لن تتقدم الا بالصناعة والتكنولوجيا الحديثة.


ليلى مراد وفيروز وشادية
* من أفلامك الغنائية الجميلة فيلم (بياع الخواتم) من بطولة فيروز ما مدى رضاك عنه؟
** راضٍ تماماً، وراضٍ جداً عن (فيروز) التي أسعدتني بصوتها، وتمثيلها، وأدبها الجم، والتزامها، وتنفيذها الدقيق لكل تعليماتي، لكني لم أكن راضياً عن زوجها المرحوم (عاصي الرحباني) الذي كان يتدخل في كل كبيرة وصغيرة!
* تعاملت مع المطربة ليلى مراد في فيلم (سيدة القطار) ما رأيك فيها ممثلة؟
** كانت نسمة وراقية جدا، كانت (كويسة اووي)، لكنها مطربة أكثر منها ممثلة.
*وشادية؟
** تعاملت معها في فيلمين هما (إنت حبيبي)، و(ودعت حبك)، و(شادية) ممثلة ومطربة خطيرة، منذ فترة قريبة كُرمت في نيويورك وعُرض لي خمسة عشر فيلماً من أفلامي، منها فيلم (انت حبيبي).
وفوجئت بسعادة الجمهور، وبعد رجوعي الى مصر شاهدته منفرداً ولم أكن شاهدته منذ 30 عاماً، فوجدت نفسي سعيداً وأضحك.
* بمناسبة حبك للمطربين وتقديمهم في السينما، هل فكرت في عبدالحليم حافظ بطلاً لأحد أفلامك؟
** طبعاً تمنيت أن يقوم ببطولة فيلم (الاختيار) وعرضته عليه، فهو ممثل خطير جداً، لكنه تردد فترة طويلة لأنه كان يريد أن يغني، وأنا كنت اريده ممثلاً فقط.
وكان سيجمعنا أيضاً فيلم (معبودة الجماهير) ولكن السيناريو لم يعجبني، وقبل رحيله فكرنا في فيلم يجمعنا وبالفعل اشتغلنا على السيناريو، لكنه رحل، عموماً أنا عاشق له ولأغانيه.
* (يوسف شاهين) هو المخرج العربي الوحيد الحاصل على أرفع الجوائز والأوسمة في أكبر المهرجانات الدولية، آخرها مهرجان فينيسيا الدولي، ما تفسيرك لهذا؟
** ضاحكاً لا يوجد لدي تفسير و(لا تضرب في نافوخي)، جميل أن أحصل على الكثير من الجوائز والأوسمة في الكثير من المهرجانات وأهمها (كان) و(برلين)، وأخيراً وسام مهرجان (فينيسيا) الذي يعرض لي من خلاله وخارج المسابقة الرسمية فيلم (سكوت ح نصور).


تحملت فوق ما يتحمله بشر
* لماذا رفضت مشاركة فيلمك (سكوت ح نصور) في المسابقة الرسمية في هذا المهرجان؟
** لأنني وبعد حصولي على جائزة مهرجان (كان) الكبرى والتي تعد (نوبل) الجوائز السينمائية اكتفيت بهذا، وأصبحت افضّل أن أشارك في كل المهرجانات الكبرى خارج المسابقة الرسمية حتى أعطي الفرصة لمخرجين آخرين للحصول على الجوائز.
وذلك لأن من الأشياء التي كانت تحزنني وتضايقني مشاركة مخرجين فازوا من قبل بجوائز في مهرجان (كان)، وهذا أوجد تفهماً وترحيباً وسعادة كبيرة من المسؤولين على المهرجانات العالمية.
فمثلاً منذ عامين وعندما شاركت في مهرجان (كان) بفيلم (الآخر) شرحت وجهة نظري هذه لمدير المهرجان فعمل لي معرضاً خصيصاً وتفهم موقفي، وكذلك رئيس مهرجان (فينيسيا) الذي طلب أن يكرمني ويعطيني وساماً.
انجاز
* قبل فترة قابلنا مخرجاً مصرياً يدرس الإخراج في بريطانيا وسألناه هل يعرف الأوروبيون السينما المصرية؟ فأجاب: لا يعرفون إلا مخرجاً واحداً فقط هو (يوسف شاهين)، كيف استطعت أن تحقق هذا الإنجاز؟
** هذا تحقق على مر السنين، ففي البداية خضت معارك كثيرة للمشاركة في المهرجانات العالمية الكبرى، ومن مهرجان لآخر بدأت ألفت الانظار إلى أفلامي.
وتحملت في هذا فوق ما يتحمله بشر، وكان مسؤولو المهرجانات في البداية يعرضون أفلامي في أوقات مميتة، في الثامنة صباحاً، وتحملت وأصريت أن أكمل المشوار.
على رغم أن المسؤولين في مصر كانوا يتهمونني بأنني أسيء إلى سمعة مصر، لأنني أعرض أفلاماً تتعرض لحياة الفلاحين – ابن النيل – أو أفلاماً تُعري عيوبنا من الخارج مثل (الاختيار – اسكندريه ليه – عودة الابن الضال) فلم ألتفت لهذا.
وبعد فترة بدأت المهرجانات تطلبني للمشاركة، لأن من بين مئات الأفلام التي تظهر في العالم كل عام لا يمكن أن نجد أكثر من عشرين فيلماً جيداً، والباقي لا يصلح للمهرجانات، ومن عام لآخر ومن فيلم لآخر حققت شهرة عالمية إلى أن فزت بجائزة (كان).


فوجئت بتصفيق حاد
* هل كنت تتوقع حصولك على الجائزة الكبرى في مهرجان (كان)؟
** (يوسف شاهين) صول مصر على هذه الجائزة معجزة بكل المقاييس لنا كمصريين وهذا وصل الى الجمهور العادي، فبكى الكثر منهم من الفرحة.
وقبل انتهاء المهرجان طلب مني المسؤولون عن المهرجان عدم السفر، لكنني خشيت أن يحدث لي مثلما حدث لفيلم (وداعاً يا بونابرت) عندما طلبوا مني عدم السفر ولم أحصل على أي جائزة.
وهذا تأكد لي لدقائق عندما بدأت الجوائز تذهب لأشخاص آخرين، ولم يتبق إلا الجوائز الثلاث الكبرى فقلت بالاسكندراني في سري كلمة (قبيحة)، وفجأة ووسط ذهولي نطق رئيس المهرجان اسمي فلم أصدق أذني، وفوجئت بتصفيق حاد من كل الحاضرين وكأنه تأييد تام للجائزة.
* ما هو شعورك لحظة إعلان اسمك وحصولك على الجائزة الكبرى؟
** ضاحكاً… كان قلبي سيتوقف!
* مَن أكثر ممثل أحببته في أفلامك؟
** قديما محمود المليجي، كان مرعبا، وحديثا (محسن محيي الدين)، وعندما اختفى وابتعد تعذبت جداً ـ كررها ثلاث مرات ـ، خصوصاً أنني لم أكن فاهم (اللي حصل) وبعد فترة عرفت أنه (تدين) كان ممثلاً خطيراً، ومن النجمات (فاتن حمامه، ومحسنة توفيق، وسعاد حسني، ويسرا).
* أحد النقاد قال: على رغم اختلاف أفلام (يوسف شاهين) منذ بداياته إلا أن هناك عنصراً مشتركاً دائماً وهو الحب، وأقصد الحب بكل أشكاله، ما رأيك؟
** يضحك إذا لم أعش حالة حب مستديمة لا أكون سعيداً، فدائماً لازم تكون أمامي (خلقة) أعيش معها الحب، والأنواع كثيرة قوي ـ ضحك ـ أنا دائماً في حالة حب وعندما تكون في حالة حب تعطي لمن أمامك كل ما هو أفضل وأجمل وتعطي ثقة للناس، وأنا اعيش لكي أحب.


