رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(الإعلام الإسرائيلي).. على حافة الهاوية!

(الإعلام الإسرائيلي).. على حافة الهاوية!
خلف شعارات الحرية والتعددية، يتكشف مشهد (الإعلام الإسرائيلي)
(الإعلام الإسرائيلي).. على حافة الهاوية!
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

على مدى عقود، لم تتوقف إسرائيل عن تسويق نفسها بوصفها (واحة الديمقراطية) و(منارة الحرية) في محيط شرق أوسطي متهم دائمًا بالاستبداد عبر (الإعلام الإسرائيلي)، غير أن هذه الرواية المصقولة بعناية، والتي تحوّلت إلى لازمة ثابتة في الخطاب السياسي والإعلامي الغربي، تتهاوى من الداخل.

وبشهادة مؤسسات بحثية إسرائيلية نفسها، لتكشف أن (الديمقراطية الوحيدة في الشرق الأوسط) تخوض اليوم معركة شرسة ضد أحد أهم أعمدتها: حرية الصحافة وباقي وسائل (الإعلام الإسرائيلي).

فخلف شعارات الحرية والتعددية، يتكشف مشهد (الإعلام الإسرائيلي)، آخذ في الانحدار، تُخنق فيه الأصوات الناقدة، ويُعاد تشكيل المجال العام ليخدم السلطة السياسية وتحالفاتها الاقتصادية.

تقرير بحثي إسرائيلي شامل، أعدّه موقع (العين السابعة) بمشاركة باحثين من الجامعة الإسرائيلية المفتوحة ومعهد فان لير للدراسات الإستراتيجية، يزيح الستار عن هذا الواقع القاتم، محذرًا من أن حرية (الإعلام الإسرائيلي)، لم تعد مهددة نظريًا أو عرضيًا، بل تواجه خطرًا حقيقيًا ومتناميًا يمس جوهر الدور الرقابي للصحافة ويقوّض أسس النظام الديمقراطي نفسه.

(الإعلام الإسرائيلي).. على حافة الهاوية!
حرية (الإعلام الإسرائيلي)، لم تعد مهددة نظريًا أو عرضيًا

سياسة حكومية ممنهجة

التقرير، الذي جاء تحت عنوان دال هو (على حافة الهاوية)، لا يكتفي بوصف الأزمة، بل يضعها في سياق سياسي واضح، مشيرًا إلى أن الهجوم على الإعلام بات سياسة حكومية ممنهجة، تصاعدت خلال السنوات الأخيرة بهدف إضعاف الإعلام المستقل، وتحييد الأصوات الناقدة، وإعادة هندسة المشهد الإعلامي بما يتوافق مع مصالح السلطة الحاكمة.

ويخلص البحث إلى أن كتلة رئيس الحكومة (بنيامين نتنياهو) لعبت الدور المركزي في قيادة هذا المسار، سواء في فترات وجوده في المعارضة أو بعد عودته إلى الحكم على رأس ائتلاف يميني متطرف.

إذ تحوّل استهداف (الإعلام الإسرائيلي) إلى نهج ثابت، تُرجم عبر سيل من التشريعات والمبادرات الرامية إلى تقليص استقلالية وسائل الإعلام، وتشديد الرقابة عليها، وفتح المجال أمام الترهيب القانوني والمالي للصحفيين والمؤسسات الإعلامية.

وعلى مستوى البنية الاقتصادية، يكشف التقرير عن اختلال متزايد في خريطة ملكية (الإعلام الإسرائيلي).. فقد تراجعت مجموعات إعلامية تقليدية، مثل (يديعوت أحرونوت) ومنصاتها التابعة، مقابل صعود قوى إعلامية جديدة أكثر التصاقًا بمراكز المال والنفوذ.

وفي هذا السياق، تعزّز حضور مجموعة (كِشِت) المالكة للقناة 12، إلى جانب تمدد لافت لمجموعة (ذا بوست) التابعة لقطب الغاز والمقامرة (إيلي عازور)، التي باتت تهيمن على طيف واسع من الإذاعات والمواقع والصحف.

الأكثر خطورة، بحسب التقرير، هو صعود إعلام موالٍ للسلطة بشكل فجّ، تقوده مجموعة مملوكة (لإسحاق ميريلشفيلي)، وتضم القناة 14 المقرّبة من نتنياهو، ومنصات أخرى لعبت دورًا محوريًا في ترويج خطاب الحكومة ومهاجمة خصومها.

ويرى الباحثون أن هذا التحول يعكس انتقال (الإعلام الإسرائيلي)، من الهامش إلى قلب المشهد، في إطار إعادة تشكيل المجال الإعلامي بما يخدم السلطة ويضيّق الخناق على أي خطاب معارض.

(الإعلام الإسرائيلي).. على حافة الهاوية!

(الإعلام الإسرائيلي).. على حافة الهاوية!
ترسيخ (احتكار الطبقة الثرية)، حيث باتت السيطرة على وسائل الإعلام مركزة في أيدي عدد محدود من المليارديرات

المال الإعلامي يضرب التعددية

ويصف التقرير هذا الواقع بتوصيف بالغ الدلالة: ترسيخ (احتكار الطبقة الثرية للإعلام)، حيث باتت السيطرة على وسائل الإعلام الشعبية مركزة في أيدي عدد محدود من المليارديرات ذوي المصالح السياسية والاقتصادية المتشابكة.

أربعة مالكين فقط، وفق التقرير، يسيطرون اليوم على نحو ثلثي السوق الإعلامية الإسرائيلية، في مشهد ينسف مبدأ التعددية ويحوّل الإعلام من مساحة عامة إلى أداة نفوذ.

أما على الصعيد التشريعي، فيرصد التقرير قفزة خطيرة في عدد القوانين المقترحة لتقييد الإعلام. ففي حين قُدمت ثمانية مقترحات فقط في الكنيست الـ 24، قفز العدد في الكنيست الحالي إلى 38 مقترحًا، سعى نحو ثلاثة أرباعها إلى تقييد حرية الصحافة.

وقد دخل سبعة قوانين حيّز التنفيذ، جميعها صُنفت باعتبارها ضارة بالإعلام، وكان معظمها مبادرات حكومية مباشرة قادتها كتلة نتنياهو.

ولا تتوقف الأزمة عند حدود القوانين، إذ يوثق التقرير تصاعدًا مقلقًا في العنف ضد الصحفيين، ليصبح العمل الصحفي في إسرائيل، وفق توصيفه، أكثر خطورة من العديد من الدول الأوروبية.

وتشير البيانات إلى أن الاعتداءات غالبًا ما تأتي من إسرائيليين ضد صحفيين، وتشمل الضرب والركل والبصق والاعتداءات الجسدية المباشرة، فضلًا عن عنف الشرطة، لاسيما خلال التظاهرات.. ويبرز استهداف صحفيي (هآرتس) والصحفيين الأجانب بوصفه نمطًا انتقاميًا واضحًا ضد الإعلام غير المنسجم مع الخط الرسمي.

يخلص تقرير (على حافة الهاوية) إلى أن واقع الصحافة الإسرائيلية (سيئ للغاية لكنه لا يزال قابلًا للإصلاح)، لكنه يطلق في الوقت ذاته تحذيرًا صريحًا: إذا استمر تآكل الديمقراطية، ستتلاشى معها حرية الصحافة، وصولًا إلى اندثار الصحافة الحرة الحقيقية.

وربما هنا تكمن المفارقة الأبلغ: دولة لا تكف عن تلقين العالم دروسًا في الديمقراطية، تجد نفسها عاجزة عن حماية أبسط شروطها في الداخل. أما مقولة إن (إسرائيل هي الديمقراطية، والديمقراطية هى إسرائيل)، فتبدو، في ضوء هذا التقرير، أقرب إلى نكتة سياسية ثقيلة الظل، تزداد سخرية كلما اقترب الإعلام الإسرائيلي خطوة أخرى من الهاوية.. وللحديث بقية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.