رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رضا العربي يكتب: بعيدا عن ما تصنعه (السينما).. رؤساء ولكن جبناء؟!

رضا العربي يكتب: بعيدا عن ما تصنعه (السينما).. رؤساء ولكن جبناء؟!
يعيش الحاكم محاصرًا باحتمالات لا تنتهي: انقلاب يُدبَّر في الظل، كلمة زلّت من فمٍ فصارت شرارة
رضا العربي يكتب: بعيدا عن ما تصنعه (السينما).. رؤساء ولكن جبناء؟!
رضا العربي

بقلم الناقد الفني: رضا العربي

في العادة، نتصوّر نحن العامة  الزعماء والرؤساء وقد صُنِعوا من معدنٍ أصلب من الخوف، وأن الكراسي العالية تمنح أصحابها مناعةً ضد الارتجاف الداخلي، غير أنّ الحقيقة، وليست صنعتها (السينما)، حين تُنزع عنها الأوسمة والخطب، تقول شيئًا آخر تمامًا: الخوف لا يختفي عند القمة، بل يبدّل شكله، ويتقن التخفي.

الخوف لدى الزعماء ليس خوفًا بدائيًا من العتمة أو المجهول، كما صورته (السينما)، في عدة أفلام في هذا الخصوص، بل فوبيا مركّبة، عقلية الطابع، تسكن مناطق القرار.. إنّه خوف الفقد: فقد السلطة، فقد السيطرة، فقد الصورة التي صُنعت بعناية أمام الشعوب والتاريخ. وكلما اتسعت دائرة النفوذ، ضاق الهامش الآمن في الداخل.

يعيش الحاكم محاصرًا باحتمالات لا تنتهي: انقلاب يُدبَّر في الظل، كلمة زلّت من فمٍ فصارت شرارة، توقيعٌ متأخر أشعل حربًا، أو توقيعٌ متسرّع صنع كارثة.. هنا، لا يعود الخوف انفعالًا عابرًا، بل يتحوّل إلى نظام تفكير، وإلى عدسة يرى بها العالم. ومن هذه العدسة تُتَّخذ القرارات الكبرى؛ قرارات قد تبدو شجاعة في ظاهرها، لكنها في عمقها صدى فزعٍ مؤجَّل.

رضا العربي يكتب: بعيدا عن ما تصنعه (السينما).. رؤساء ولكن جبناء؟!نيكسون (Nixon – 1995)

تاريخ السلطة مليء بأمثلة لزعماء أحاطوا أنفسهم بجدرانٍ أعلى كلما اشتدّ خوفهم مثل ما جاء في (السينما) على غرار فيلم نيكسون (Nixon – 1995): يتناول حياة ريتشارد نيكسون وصعوده السياسي. حيث تبدو علامات تضييق الحريات، صناعة الأعداء، تضخيم المؤامرات، وتمجيد القبضة الحديدية.

كلّها ليست دائمًا علامات قوة، بل في كثير من الأحيان أعراض فوبيا خفيّة: الخوف من الانكشاف، من أن يرى الناس الإنسان خلف اللقب.

الأخطر أنّ خوف القائد لا يبقى حبيس صدره.. إنّه خوف معدٍ، يتسرّب إلى المؤسسات، ثم إلى الشارع، ثم إلى لغة (السينما) والإعلام والخطاب العام.. حين يخاف الزعيم، يبدأ الوطن في التوجّس، وتتحوّل السياسة إلى إدارة للقلق، لا للرؤية.. ويغدو الأمن هاجسًا يبتلع العدالة، والاستقرار ذريعة تُؤجَّل باسمها الأسئلة الكبرى.

ومع ذلك، ليس كل خوف مذمومًا.. ثمة فرق شاسع بين خوفٍ واعٍ يوقظ الضمير، وخوفٍ مرضي يشلّ الحكمة.. الخوف الأول يجعل الحاكم أكثر إنصاتًا، أكثر تواضعًا أمام تعقيد البشر والتاريخ.. أمّا الثاني، فيدفعه إلى الهروب للأمام، إلى قرارات صاخبة تخفي هشاشة داخلية.

رضا العربي يكتب: بعيدا عن ما تصنعه (السينما).. رؤساء ولكن جبناء؟!اختطاف طائرة الرئيس

ربما كانت أعظم اختبارات القيادة هي القدرة على مصادقة الخوف لا إنكاره، والاعتراف به دون أن يُترك ليقود.. فالزعيم الحقيقي ليس من لا يخاف، بل من لا يسمح لخوفه أن يتحوّل إلى قدرٍ على رقاب الآخرين، كما جاء في فيلم (السينما) اختطاف طائرة الرئيس(Air Force One – 1997):، هاريسون فورد بدور رئيس يواجه إرهابيين.

في النهاية، تظلّ السلطة مرآة كاشفة.. من اقترب منها بلا وعي، رأى فيها أشباحه مكبّرة. ومن دخلها مسلّحًا بالحكمة، أدرك أن الخوف جزء من الطبيعة الإنسانية، لكنه لا يصلح أبدًا أن يكون مستشارًا أول على مائدة الحكم.

في حلقةٍ لافتة من برنامج شاهدته، تفتح الزميلة (هناء أبو العز) نافذةً إنسانية نادرة على عالم القادة، ذلك العالم الذي يبدو من الخارج مصفّحًا بالقوة والهيبة، بينما يختبئ في داخله كائنٌ هشّ، يعرف الخوف كما نعرفه نحن، وربما أكثر.. فالقائد، مهما بدا صلبًا، لا ينجو من فوبيا تتسلل إلى قراراته، وتترك أثرها الخفي على دبلوماسية الدول ومسارات التاريخ.

المهتم بالسياسة الدولية يدرك أن الخوف ليس شعورًا شخصيًا فقط، بل أداة يمكن توظيفها ببرودٍ قاتل.. هكذا فعل الرئيس الروسي فلاديمير بوتين حين اصطحب كلبًا ضخمًا إلى لقاء مع المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل، مدركًا إصابتها بفوبيا الكلاب. لم يكن المشهد عابرًا ولا بريئًا، بل رسالة نفسية مشحونة، تقول إن القوة لا تُمارس دائمًا بالسلاح، بل أحيانًا بنبش أعمق نقطة ضعف في روح الخصم.

وتشير تقارير نشرتها مجلة (فورين بوليسي) إلى سجل طويل من المخاوف المرضية والغريبة لدى زعماء وحكام العالم؛ فزعيم كوريا الشمالية، المرعب رغم ترسانته النووية، يهاب ركوب  الطائرات، ولا يسافر إلا بالقطار،  نتيجة لخوفٌ قديم وُلد من حادث تحطم مروحية في طفولته.

رضا العربي يكتب: بعيدا عن ما تصنعه (السينما).. رؤساء ولكن جبناء؟!دبليو  (W. 2008)

أما الرئيس الأمريكي الأسبق جورج بوش الابن، فكان يحمل في داخله فوبيا الخوف من ركوب الخيل، وكان عندما يدعي لركوبها يملكه التوتر ويهرب، وهو ما رصده فيلم (السينما) دبليو (W. 2008) الذي يسلط الضوء على حياته، بينما عاش زعيم بورما السابق (تان شوي) أسيرًا لهواجس السحر والتنجيم والعلوم الماورائية، كأن السلطة لم تمنحه يقينًا، بل زادته تعلقًا بالغيب، وكان لا يتخذ قرارا أبدا الا بعد استشارة النجوم والافلاك.

ولعل المثال الأشد دلالة هو وينستون تشرشل، أحد أقوى رؤساء وزراء بريطانيا في تاريخها، الذي كان يعاني فوبيا التحدث أمام الجمهور في شبابه، الرهاب الاجتماعي الذي جعله يقف أمام مجلس العموم متجمدًا لثلاث دقائق كاملة، عاجزًا عن النطق، قبل أن يعود إلى مقعده منكسر الرأس، وهو ما تجسد في (السينما) من خلال Churchill، وهو فيلم دراما تم إنتاجه في المملكة المتحدة وصدر في سنة 2017.

 لكن المفارقة أن هذا الخوف لم يهزمه؛ بل علّمه.. وواجهه بالتدريب، وبترتيب الأفكار، وبإعادة تشكيل صوته الداخلي، حتى صار خطيبًا تهتز لكلماته الجدران.ايضا روزفلت كان يخاف من النيران إذا اشتعلت أمامه ويملكه الهلع.. هتلر كان يخاف من زيارة طبيب الأسنان وإذا ذهب إليه مضطرا يرتعش امامه وتتجمد أنامله .

هكذا تكشف الحلقة أن الخوف ليس نقيض القوة، بل جزءٌ منها.. وأن التاريخ لا تصنعه فقط العقول الباردة، بل النفوس المرتعشة التي قررت، في لحظة ما، ألا تهرب.. ففي قلب كل زعيم أسطورة إنسان، وفي قلب كل سلطة خوفٌ يحاول أن يتخفى.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.