(ده صوت إيه ده؟).. فكرة فلسفية جريئة خارج الصندوق قدمها بجرأة (أشرف عبدالباقي)


بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
(شوية جنان عشان نعرف نعيش) في هذه الحياة الصاخبة المليئة بالضغوطات، هذا كان لسان حالي بعد أن شاهدت الفيلم القصير جدا والممتع جدا، والغنائي جدا (ده صوت إيه ده؟) الذي شاهدته خلال الأيام القليلة الماضية، تأليف وبطولة محمود ماجد، وإخراج محمد ربيع، وإنتاج محمد وعادل أبوالنصر.
وبطولة النجم (أشرف عبدالباقي)، ولأول مرة الملحن الشهير (إيهاب عبد الواحد) الذي حمل على عاتقه مهمة وضع الألحان، والغناء والإخراج الموسيقي، ولعب دور الرواي غنائيا.
فيلم (ده صوت إيه ده؟) مدته حوالي 18 دقيقة، ويعرض فقط على موقع الفيديوهات الشهير اليوتيوب على قناة (إنه)، وتدور أحداثه فى إطار فلسفي غنائى موسيقى حول فكرة الإختيارات.
وسعي الإنسان وراء المجهول الغامض الذي يمكن أن يأخذ منه استقراره وهدوئه وراحة باله، والتى لخصها متعدد المواهب الشاعر الكبير (صلاح جاهين) في رباعية يقول فيها:
لا تجبر الإنسان ولا تخيّره
يكفيه ما فيه من عقل بيحيّره
اللي النهارده بيطلبه ويشتهيه
هو اللي بكره ح يشتهي يغيّره.
قصة ده صوت إيه ده
مع بداية فيلم (ده صوت إيه ده) نجد شاب ـ محمود ماجد ـ تتعطل سيارته فى طريق صحراوى، فيعثر على بيتٍ معزول يقطنه شخص غريب الأطوار ـ أشرف عبد الباقي ـ فيضطر للمبيت عنده، وهناك يسمع صوتًا غريبًا طوال الوقت، ويصر على معرفة مصدره.
إلا أن الشخص يخبره أن عليه خوض تجربتين أصعب من بعض لمعرفة مصدر الصوت، وبالفعل ينجز هذه المهام على مدار عدد من السنوات، وعندما يحين وقت اكتشافه مصدر الصوت، تكمن المفاجأة.

تجربة خارج الصندوق
لا أريد حرق فيلم (ده صوت إيه ده؟) حتى يدخل عليه أكبر عدد ممكن من القراء لأنه تجربة خارج الصندوق تستحق الدعم والمساندة، حتى نشجع أصحابها على تقديم المزيد من هذه التجارب الجريئة المجنونة التى تسبح بنا بعيدا عن الملل والتكرار اللذين نعاني منهما في الساحة السينمائية.
فيلم (ده صوت أيه ده؟)، تجربة جريئة تحسب للمنتج (محمد أبوالنصر) وشقيقه (عادل) اللذين انساقا وراء رغبة في الحلم، وفي الحرية، وفي الثورة على تقليدية السينما المصرية التى أصبحت رهينة أفلام الأكشن والحركة والكوميديا فقط.
ويتضافر في تجربة فيلم (ده صوت إيه ده؟) التقدم التقني بكافة عناصره وأبعاده من جهة، مع الأستخدام الرفيع للأدوات الفنية التقليدية من جهة ثانية.
ومواهب الأفراد المتميزة الجريئة وقبولهم لهذا النوع من الفن، ثم أخيرا هذه الحزمة بالغة الثراء من المشاعر الإنسانية الحارة الدافقة، بعبارة آخرى أنتج عناق الصناعة مع الموهبة.

جرأة أشرف عبد الباقي
هنا لابد أن نشيد بجرأة نجم كبير مثل (أشرف عبد الباقي) الذي وافق على خوض بطولة هذا الفيلم غير التجاري، الجديد والمختلف من حيث الفكرة والطرح، وأدى شخصية الرجل غريب الأطوار بإتقان لافت جدا، بل أنه استحدث عليها بضعة أنساق حركية تدعم المعنى وتؤكد الفكرة.
ومثل هذه الأنساق أو الأفعال التى قدمها (أشرف عبد الباقي) لا تأتي من فراغ ولا تستهدف مخاطبة غدد الضحك عند المتفرج فحسب، ولكنها تقوم بالتفعيل على نغمة واحدة، وإستخراج كل ممكناتها وفقا لآليات ما يعرف بإسم كوميديا الموقف.

إيهاب مفاجأة الفيلم
كان مفاجأة الفيلم والذي أخذ على عاتقة المسئولية كاملة هو الملحن الموهوب بقوة (إيهاب عبد الواحد) الذي جسد دور الراوي، وقدم كل الموسيقى والألحان في الفيلم وكان موفقا جدا كمطرب، وفي تلحينه لنجوم التمثيل في الفيلم سواء (محمود ماجد) أو (أشرف عبدالباقي).
كان (محمود ماجد) كمؤلف، صاحب رؤية، وقدم قصة فلسفية في إطار غنائي ممتع، وبذلا مجهودا كبيرا كممثل، وننتظر منه الكثير خلال الفترة القادمة.
أما مخرج الفيلم (محمد ربيع) فهو وثيقة إثبات جديدة تقول :(أن مصر ولادة) وأنها بلد قادرة على تخريج أفواج لا تنتهي من المبدعين الموهوبين الذين يحملون أركان ثقافتها وفنها إلى أفق جديد.. حيث هضم الموضوع جيدا وبإيقاع سريع ومتلاحق قدم نغمته الإخراجية الساحرة.
فيلم (ده صوت من ده؟) روعته في أنه يؤكد أن من شيم الفن العظيم أن تتعدد مستويات استقبال معانيه واستيعاب دلالاته، كل شخص يرى في العمل الفني شيئا جميلا خاص به حسب مستوى تفكيره وثقافته.
وفي النهاية نحن أمام حالة إبداعية خاصة جدا وجديدة تستحق أن نحتفل بها ونفرح بنجومها وصناعها.