رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)
مصر كانت أول رائدة لصناعة الرسوم المتحركة لـ (الطفل) في الوطن العربي

* أين الكرتون المصري؟ قصة غياب الشاشة الوطنية عن الطفل

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)
محمد جاب الله

بقلم الكاتب الصحفي: محمد جاب الله*

بدأ الأمر بخلاف وديّ طريف داخل بيتنا، ابنتاي تجلسان أمام الشاشة، وكل واحدة تمسك جهاز التحكم كأنه وثيقة سيادة لا تقبل التنازل؛ الأولى تريد متابعة برنامج كرتوني على قناة  MBC3 لـ (الطفل)، والثانية متحمسة لكرتون إماراتي على قناة (ماجد).

أراقب المشهد مبتسمًا، قبل أن يتسلل إلى رأسي سؤال بسيط، لكنه مربك: وأين الكرتون المصري لـ (الطفل)؟

سؤال لم يكن موجّهًا للبنتين، بقدر ما كان موجّهًا لذاكرتي أنا، وإلى تاريخ طويل نسيه كثيرون، أو لم يُحكَ من الأساس.

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)
من داخل ورشة والدهم بالإسكندرية، وبأدوات بسيطة، وُلدت شخصية (مشمش أفندي)

مشمش أفندي..

قليلون يعرفون أن مصر كانت أول رائدة لصناعة الرسوم المتحركة لـ (الطفل) في الوطن العربي، قبل مجيئه إلى مصر، عمل بيزاليل فرنكل مصورًا فوتوغرافيًا، وهو الشغف الذي ورثه أبناؤه الثلاثة شلومو ودافيد وهرتشل، الذين سيعرفهم المصريون لاحقًا باسم الإخوة فرنكل، روّاد الرسوم المتحركة في العالم العربي، والمُلقّبون بـ (والت ديزني مصر).

جاءت ريادتهم في سياق كانت فيه مصر أول دولة عربية تعرف صناعة السينما، مع ازدهار صالات العرض في القاهرة والإسكندرية منذ عشرينيات القرن الماضي، حين كانت المدينة الساحلية نافذة ثقافية مفتوحة على السينما العالمية.

في عام 1928، شاهد الإخوة فرنكل فيلم  Steamboat Willie، الذي قدّم شخصية ميكي ماوس لأول مرة، فأدركوا مبكرًا قوة فن التحريك في المزج بين الموسيقى والسرد والكوميديا، وقرروا ابتكار شخصية مصرية تعبّر عن المجتمع المحلي.

من داخل ورشة والدهم بالإسكندرية، وبأدوات بسيطة، وُلدت شخصية (مشمش أفندي)؛ الرجل المصري الطيب والمشاكس، لتتحول تلك الورشة إلى نواة أول استوديو عربي للرسوم المتحركة، وتبدأ من مصر قصة الريادة في هذا الفن.

لم تكن الرسوم المتحركة المصرية لـ (الطفل) وليدة الصدفة، بل مشروعًا وطنيًا وثقافيًا مبكرًا.

تطورت الصناعة على يد رواد حقيقيين، أبرزهم الأخوان (حسام وعلي مهيب)، اللذان أسسا (ستوديو مهيب)، وكان لهما دور محوري في تقديم الرسوم المتحركة التعليمية والوطنية، ثم إدخال هذا الفن إلى التلفزيون المصري في الستينيات.

وفي تلك الحقبة، ظهرت أعمال تجمع بين التثقيف والانتماء، وأسهم فيها أسماء مثل زكريا عجلان، حيث كانت الرسوم المتحركة أداة لبناء الوعي، لا مجرد وسيلة إلهاء.

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)
كانت أعمال حفرت مكانها في الوجدان، حتى وإن اختلفت أشكالها أبرزها مثلاً (بوجي وطمطم)

أعمال خالدة لاتنسى..

ثم جاءت آواخر الثمانينات والتسعينات، لتعيش الشاشة المصرية لحظة دفء حقيقية مع (الطفل).. هناك تعرّفنا على بكار، من إخراج منى أبو النصر، العمل الكرتوني الأشهر الذي جسّد النوبة والبيئة المصرية بصدق نادر، وصنع بطلًا يشبهنا، بلغتنا ولهجتنا وقيمنا.

وبجواره، كانت أعمال حفرت مكانها في الوجدان، حتى وإن اختلفت أشكالها أبرزها مثلاً (بوجي وطمطم)، عروض العرائس التي قدّمها المخرج الراحل (رحمي)، لم تكن مجرد تسلية رمضانية.

بل مرآة اجتماعية ذكية للأسرة المصرية، مروراً بـالمغامرون الخمسة، بسلسلتها البوليسية الشهيرة، غرست فينا حب التفكير والمغامرة والعمل الجماعي، وعالم الفواكه، بشخصياته اللطيفة مثل شوكي وموزي وكامبا، قدّم التعليم في قالب مرح وبسيط، إلى جانب أعمال مثل ظاظا وجرجير، عائلة الأستاذ أمين، وكراكيب، وهي محاولات كرتونية حملت روح المكان، رغم محدودية الإمكانات.

ولا يمكن إغفال قصص القرآن وقصص الأنبياء وقصص الحيوان في القرآن، وهى أعمال كرتونية دينية تعليمية، ارتبطت بشهر رمضان، وقدّمت القيم بهدوء واحترام لعقل (الطفل)، دون تخويف أو صخب.

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)

محمد جاب الله يكتب: مصر التي كانت رائدة.. كيف غابت عن شاشة (الطفل)؟ (1)
إذا كانت مصر رائدة، ومبدعة، ومؤهلة.. فلماذا غابت عن شاشة (الطفل)؟

الكوادر المصرية.. نعم نستطيع

المفارقة المؤلمة أن هذا التاريخ لم يتوقف عند حدود الإبداع فقط، بل امتد أيضًا إلى الدراسة الأكاديمية، فاليوم، تُدرّس الرسوم المتحركة في جامعات مصرية، وتوجد برامج متخصصة تجمع بين الرسم اليدوي والرقمي، وتقنيات المؤثرات البصرية، والحكي القصصي، ودراسة تأثير الصورة المتحركة على خيال الأطفال.

هناك دراسات نفسية واجتماعية – في جامعات مثل المنوفية – تقيس أثر الرسوم المتحركة المصرية والمدبلجة على خيال (الطفل) وسلوكه باستخدام مناهج علمية دقيقة، كما توجد برامج أكاديمية متخصصة، مثل برنامج الرسوم المتحركة والمؤثرات البصرية بكلية الفنون في جامعة حلوان الأهلية، إلى جانب ورش تدريبية مستقلة مثل Jesuit Cairo.

كل هذا موجود.. التاريخ موجود، الخبرة موجودة، الدراسة موجودة، لكن السؤال ما زال قائمًا:

إذا كانت مصر رائدة، ومبدعة، ومؤهلة.. فلماذا غابت عن شاشة (الطفل)؟

اليوم، يجلس (الطفل) وحيدًا أمام هاتف أو تابلت، يختار ما يُقترح عليه، لا ما صُنع له، وينشغل الأب أو الأم، بحسن نية أو بدافع الإرهاق، بدوام العمل، أو بدوام آخر اسمه (التيك توك)، فتغيب الشاشة الوطنية، وتغيب معها أول بذرة وعي.. وهنا لا نتحدث عن كرتون فقط.. بل عن هوية وطنية تُترك للصدفة.

في الحلقة المقبلة، سننتقل من السؤال إلى الوع.. من التاريخ إلى الحاضر، ومن شاشة غائبة إلى قناة وُلد لها تردد.. ولم تولد بعد.

* كاتب صحفي وروائي

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.