

بقلم المستشار: محمود عطية *
في وقت اختلطت فيه الادعاءات بالحقائق وصار الادعاء بالمعرفة أسهل من تحصيلها، خرج علينا نموذج متكرر لمثقف مزعوم يدعي (نفخوا) أحيانا و(حمالات) أحيانا أخرى، يتحدث بثقة مفرطة عن التاريخ والسياسة والدين والرياضة والكيمياء والطبيعة (فشر الدكتور زويل)، بينما اختبار بسيط للوقائع يكشف فراغا معرفيا لا تخطئه عين ولا يحتاج إلى مجهود كبير لفضحه مثل وجود (خط بارليف).
من أخطر مظاهر هذا الفراغ أن يتصدى شخص للحديث عن تاريخ الصراع العربي الصهيوني، وهو لا يملك الحد الأدنى من الدقة ولا يتحرج من إنكار وقائع ثابتة موثقة، ثم يقدم هذا الإنكار في صورة يقين قاطع لا يقبل النقاش ولا المراجعة، وكأن التاريخ رأي شخصي أو منشور عابر على منصة صاخبة.
من بين هذه الوقائع التي لا تقبل الجدل أن (خط بارليف) كان قائما فعليا في آواخر عهد الرئيس جمال عبد الناصر، وبدأت إسرائيل في إنشائه بعد هزيمة يونيو سبعة وستين على الضفة الشرقية لقناة السويس، في محاولة لتحويل الهزيمة العسكرية إلى واقع جغرافي دائم.
وهو ما واجهه عبد الناصر بحرب الاستنزاف التي لم تكن مجرد مناوشات كما يحاول الجهلة تصويرها، بل كانت سياسة عسكرية واعية استهدفت استنزاف العدو وكسر أسطورة تحصيناته وفرض تكلفة مستمرة على احتلاله.
إنكار وجود (خط بارليف) في تلك المرحلة ليس مجرد خطا عابر بل كاشف خطير عن جهل بالتسلسل الزمني للأحداث، وعن قراءة مبتورة للتاريخ تفصل الوقائع عن سياقها وتعيد تركيبها بما يخدم خطابا دعائيا مفضوحا، الهدف منه ليس الفهم بل التشويه.
والأكثر مدعاة للسخرية أن من ينكر وجود (خط بارليف) في آواخر عهد عبد الناصر هو نفسه من يدعي الثقافة الواسعة والاطلاع العميق، ويمنح نفسه صكوك التنوير والعقلانية ثم يتعامل مع التاريخ بمنطق الهبد الإعلامي لا بمنهج البحث ولا بأمانة الباحث ولا حتى بتواضع المتعلم.


سلوك دعائي رخيص
فالتاريخ لا يكتب بالصوت العالي ولا بالتهكم الأجوف ولا بالثقة الزائفة بل بالوقائع الموثقة، وبالربط المنطقي وبالاعتراف بالتعقيد، أما تحويله إلى أداة لتصفية حسابات أيديولوجية فهو سلوك دعائي رخيص مهما ارتدى من أقنعة النخبوية.
ولا يتوقف الخلل عند حدود التاريخ بل يمتد ليشمل خطابا متكررا من التطاول على الدين الإسلامي في خروج سافر عن الأدب والاخلاق تحت لافتة حرية الفكر، بينما هو في حقيقته افتقار فاضح إلى الحس الأخلاقي والعمق الفكري، فالنقد الحقيقي لا يحتاج إلى سخرية مبتذلة، ولا الى تلميحات رخيصة، ولا إلى تعميمات كسلانة، بل إلى معرفة واحترام لعقول المخالفين قبل أي شيء.
العجيب أن هذا الخطاب المتعالي على الدين والمتطاول على ثوابته يتجاور بسلاسة مريبة مع بكائيات فجائية على زعيم صهيوني رحل منذ أيام قليلة، فتفيض المشاعر وتكتب المراثي وتستدعى الإنسانية، وتغيب فجأة كل معايير النقد الصارم التي لم تبق من الإسلام شيئا إلا وهاجمته.
هنا لا يعود الأمر اختلافا فكريا بل يتحول إلى ازدواجية أخلاقية صريحة، فالدين عندهم مادة للسخرية، أما الصهيوني فشخصية تستحق التعاطف والتفهم والدموع، والتاريخ العربي مادة للتهكم أما تاريخ العدو فيغلف بالنعومة والاعذار.
ومن المفارقات التي لا تخطئها السخرية أن من ينكر وجود (خط بارليف) في آواخر عهد عبد الناصر ويتهم غيره بالجهل هو نفسه من يبتلع الرواية الصهيونية كاملة دون تمحيص، ويعيد إنتاجها بلسان عربي مبين، وكأن المشكلة لم تكن يوما في الاحتلال بل في الضحية، ولم تكن في العدوان بل في المقاومة، ولم تكن في التزوير بل في الذاكرة العربية ذاتها.
هذا النوع من الخطاب لا يخطئ فقط بل يضلل ولا يجهل فقط بل يصر على جهله ولا يسيء فقط بل يهاجم كل من يحاول التصحيح، ويتهمه بالعاطفية والتقديس بينما الحقيقة أن القداسة الوحيدة هنا هى لقداسة الذات المتضخمة التي لا تخطئ ولا تعتذر ولا تتعلم.
إن حرب الاستنزاف التي دارت في آواخر عهد عبد الناصر كانت الدليل العملي على وجود (خط بارليف)، وعلى أن هذا الخط لم يكن أسطورة لا تقهر بل هدفا عسكريا مباشرا أنهك العدو ومهد لاحقا لعبور أكتوبر، وكل من ينكر ذلك إما جاهل بالتاريخ أو متعمد لتشويههـ وكلاهما لا يليق بادعاء الثقافة ولا بمنصات التأثير العام.
السخرية من هذا النموذج ليست ترفا بل ضرورة، لأن الجهل حين يرتدي بدلة المثقف يصبح أكثر خطرا من الجهل الصريح، وحين يتحول الإنكار إلى يقين يصبح التصحيح فعلا مقاوما بحد ذاته.


الصوت العالي بديلا للمعرفة
المشكلة ليست في شخص بعينه، بل في ظاهرة كاملة ترى في الصوت العالي بديلا عن المعرفة وفي الاستفزاز بديلا عن الفكر، وفي إنكار الوقائع وسيلة لإثبات التفوق الوهمي، وهذه الظاهرة لا تواجه بالصمت، ولا بالمجاملات، بل بالكشف المستمر وبالتذكير المتكرر وبالإصرار على أن التاريخ ليس لعبة لغوية ولا مادة للسخرية العابرة.
وفي النهاية يبقى السؤال معلقا: هل الثقافة ادعاء أم مسؤولية؟، وهل التاريخ مادة للتلاعب أم ذاكرة أمة؟، وهل النقد تحرر أم سقوط أخلاقي الفرق بين الاثنين لا يحتاج إلى عبقرية بل إلى صدق فقط؟
هذا مقال في عقلية تنكر الثابت وتقدس الوهم وتبكي في الاتجاه الخطا، وتهاجم في الاتجاه الأسهل عقلية تستحق أن تواجه لا بالسباب بل بكشف عريها الفكري الكامل، لأن من ينكر ما ثبت ويهاجم ما صمد ويبكي على من قتل لا يمكن =أن يكون مرشدا للوعي مهما علا صوته أو كثرت منصاته.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع