رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!
لا تسطيع أن تقول أن فيلم (السادة الأفاضل) يقودنا إلى فهم الآثار السلبية لتعاطي المخدرات والكحول أو تجارة الآثار
السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

نفهم جميعا أن صناعة السينما واحدة من أكثر القطاعات تأثيرا في المجتمع الحديث، فالأفلام والمسلسلات الكوميدية تجعلنا نضحك، وتساعدنا أفلام الإثارة النفسية على رؤية العالم من منظور مختلف، وتلعب الأفلام التاريخية دورا في فهم جذورنا.. وهكذا كل عمل سينمائ أو تلفزيوني يعكس جزءا من المجتمع ويغير بعض الآراء، ومن هنا يطرأ على ذهني سؤال: هل تنطبق تلك المعايير علي فيلم (السادة الأفاضل).

السينما يا سادة ليست مجرد شاشة وأضواء، بل هى أداة سحرية قادرة على صياغة الوعي، وتغيير القناعات، وربط الشعوب ببعضها البعض عبر لغة عالمية هى لغة (الصورة) في تجلياتها، وقد تم استغلال قوة صناعة السينما سياسيا واجتماعيا واقتصاديا عبر التاريخ.

لذا ظني أن فيلم (السادة الأفاضل) لايخضع للمنطق أو العقل الواعي بوظيفة السينما، فلا هو لايعد من نوعية أفلام التسلية والكوميديا التي يقتل بها المشاهد وقته، أو هو في حقيقة الأمر يعمل على تثقيف المشاهد ويجعله (يفكر، يتعاطف، يغضب، وتدفعه لفعل الخير أو الشر)، ومن هنا لم ألمح أية شخصية فاضلة في ثنايا الأحداث القاتمة والقاسية على المشاهد المصري، الذي يعاني ظروفا اقتصادية ضاغطة.

ولا تسطيع أن تقول أن فيلم (السادة الأفاضل) يقودنا إلى فهم الآثار السلبية لتعاطي المخدرات والكحول أو تجارة الآثار – موضوعه الرئيسي –  كي يساعد الناس على فهم أبعاد جرائم ماتزال تسكن ذاكرة المصريين في صعيد مصر، فتوقظ حواس الناس وتساعد على الشعور بالمسؤولية عن الذين يعيشون في البلدان التي مزقتها قضايا الميراث وتجارة الآثار.

تدور أحداث الفيلم في قرية مصرية حول مشكلة وفاة الأب (جلال/ بيومي فؤاد) الذي يتولى أبناه (طارق/ محمد ممدوح)، وحجازي/ محمد شاهين)، مسؤولية الأسرة بعد ذلك، لتتكشف أسرار ماضيه غير المتوقعة، من ديون إلى علاقات معقدة تتسبب في سلسلة من المواقف الكوميدية الساذجة والدرامية التي تتصاعد بشكل سريع.

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!
يبرز السيناريو الموقع من قبل ثلاثة كتاب، لكنه فشل في خلق حبكة متشابكة

فشل في خلق حبكة متشابكة

كان يفترض أن يبرز السيناريو الموقع من قبل ثلاثة كتاب، قدرة على خلق حبكة متشابكة، من خلال خيوط درامية مشوقة، بمعنى أن الأحداث لا تهدأ ولا تتوقف أمام المشاهد، بل تسعى إلى المحافظة على وتيرة تصاعدية من حدث إلى آخر، ولكن هذا البناء اعتمد على شخصيات مشوهة أو كريهة لاتبني بقدر ما تهم قيم المجتمع الذي تدور فيه الأحداث، فخرج الفيلم عن الكوميديا الخفيفة إلى عالم الجريمة العارمة.

فالفكاهة في ثنايا الأحداث تمارس بطريقة يمكن أن نقول عنها أنها جاءت بطريقة (مهندسة) أكثر من كونها عفوية، مما يقلل من وقع الضحك في بعض اللحظات، رغم محاولات النص في تقديم مواقف واعدة في تجنب الشر المطلق الذي حمله السيناريو السوداوي إلى حد القتامة، وصاحبه ديكور أكثر قتامة.

ولهذا تعاني كوميديا (السادة الأفاضل) من تناقض كبير، فعلى الورق، أي لو تخيلنا قراءة هذا السيناريو ستبدو المواقف والجمل فكاهية للغاية، غير أن التنفيذ افتقد هذه الفكاهة، ويرجع ذلك على الأغلب لكونها فكاهة وطرافة مهندسة بدقة، محسوبة بالدقائق والثواني لإحداث رد فعل معين من المتفرجين، فافتقرت إلى التلقائية بشكل عام الذس يمكن أن يسري على النفوس المتعبة.

وقد انعكس ذلك على أداء الممثلين الذي غلب على بعضهم الافتعال والصرخ والصوت العالي على عكس المعتاد منهم، مثل (محمد شاهين ومحمد ممدوح) على وجه الخصوص، بينما جاء وقع هذا الافتعال أخف على الثلاثي (طه دسوقي وعلي صبحي وميشيل ميلاد بشاي) إلى حد ما لكنه لايشبع حاجة المشاهد.

من الناحية التجارية، ربما حقق الفيلم نجاحا لافتا في شباك التذاكر المصري، حيث تصدر المركز الأول في بعض أسابيع عرضه، وحقق إيرادات تجاوزت 58  مليون جنيه بعد أكثر من 34 يوما من العرض، مما يدل على تجاوب الجمهور معه بشكل ملحوظ، رغم التباين في الآراء النقدية حوله.

عمد صناع فيلم (السادة الأفاضل) إلى جعل القرية في الفيلم ليست مجرد موقع للأحداث، بل رمز للمجتمع المصري التقليدي  البيوت، الشوارع الضيقة، والأسواق المحلية تعكس النمط الاجتماعي المتماسك والمشاكل اليومية التي يعيشها الناس فيما يشبه رصد الواقع على مرارته.

فضلا عن البيت العائلي الذي يتركه الأب بعد وفاته يمثل الاستقرار الذي ينهار مع انتقال المسؤولية إلى الجيل الجديد، ما يعكس صراع الأجيال بين التقاليد والحداثة، وبين الاعتماد على الأسرة والاعتماد على الذات، وهو صراع غير متكافئ بالمرة في ثنايا الأحداث المؤلمة.

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!
الفيلم يعد رمزا لفقدان القيادة والمرجعيات في المجتمع

رمز لفقدان القيادة والمرجعيات

وفاة الأب (جلال) ليست مجرد حدث درامي عابر، بل رمز لفقدان القيادة والمرجعيات في المجتمع، الأب يمثل النظام والقيم التي يعتمد عليها الجميع رغم فسادها، ومن ثم فموت الأب يجعل الشخصيات تواجه فجوة أخلاقية واجتماعية، ليكتشفوا أن كل واحد منهم يجب أن يتحمل مسؤولياته، وهذا يرمز أيضا إلى الانتقال من نموذج السلطة التقليدية إلى نموذج المسؤولية الفردية في المجتمع المصري الحديث.

الديون التي يتركها الأب تخلق صراعات كبيرة بين الشخصيات.. المال هنا ليس فقط وسيلة للبقاء، بل أداة للكشف عن طبائع الشخصيات، البعض يصبح أنانيا وطماعا، والبعض يحاول الحفاظ على المبادئ، بذلك المال في الفيلم يرمز إلى الضغوط الاقتصادية والاجتماعية التي تواجه الأسرة المصرية، والتي قد تؤدي إلى انهيار القيم إذا لم تتم إدارتها بحكمة وعقل ومنطق.

فيلم (السادة الأفاضل) يقدم طيفا من الشخصيات التي تعكس حالات اجتماعية ونفسية معقدة، معظمها مشوه داخليا أو منحرف أخلاقيًا.. هذه التشوهات لا تقتصر على مظهرهم الخارجي بل تمتد إلى دوافعهم، سلوكياتهم، وتفاعلاتهم مع المجتمع المحيط.

ومن خلال مقارنة أفعال الشخصيات الرئيسية، يظهر فيلم (السادة الأفاضل) في شكله الخارجي، كدراسة شاملة للبنية الاجتماعية والإنسانية داخل المجتمع المصري: (طارق أبو الفضل/ محمد ممدوح) يجسد النموذج الإيجابي للشاب المسؤول الذي يحاول الموازنة بين القيم والواقع، و(حجازي/ محمد شاهين)، والموظفون يظهرون جانب الفوضى والطمع والازدواجية الأخلاقية الكريهة.

المجتمع المحيط (الجيران والأصدقاء) يشكل عنصر الضغط والرصد الاجتماعي.. الأب المتوفى يمثل الماضي والنظام التقليدي الذي يختبر الجيل الجديد.. بهذا يستخدم فيلم (السادة الأفاضل) كل شخصية كرمز اجتماعي، ويخلق صورة متكاملة للصراعات الأسرية والاجتماعية، ويطرح رسائل حول المسؤولية الفردية، الصراع بين القديم والحديث، وتأثير الضغوط الاقتصادية والاجتماعية على القيم.

يبدو لي الجو العام لفيلم (السادة الأفاضل) قاتم ومتشوه، ولا يحمل أية رسائل إيجابية، ومن ثم جاءت الإضاءة غالبا باهتة أو قاتمة مع لمسات ضوء خافت، مما يعكس المشهد النفسي للشخصيات..الأماكن مكتظة أو مغلقة، أحيانا مزرية، لتجعل المشاهد يشعر بضيق وكأن الشخصيات محاصرة بطبيعتها أو بالمجتمع، وحتى الموسيقى التصويرية والنغمات المظللة تزيد من إحساس التشوه النفسي وتوتر الشخصيات.

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!
رسخ فيلم (السادة الأفاضل) للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي

الفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي

رسخ فيلم (السادة الأفاضل) للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي.. الشخصيات المشوهة تمثل انعكاسا مباشرا لبيئة محيطة مليئة باللامبالاة والقسوة، حيث يصبح التشوه الأخلاقي أمرا اعتياديا، بل إن الفيلم يضع الشخصيات في مواجهة مستمرة مع واقعهم الاجتماعي، وغالبا ما تنكسر هذه الشخصيات أو تتحول إلى أداة نقدية للطبقات العليا.

ومن هنا فإن: فيلم (السادة الأفاضل) يقدم شخصيات مشوهة وقاتمة ليس من أجل الصدمة البصرية أو الدرامية فقط، بل كمرآة دقيقة للمجتمع البشري وللأزمات الداخلية لكل فرد.. هذه الشخصيات القاتمة بفعل تشوهها هى قلب الفيلم وروحه النقدية، وتبرز أن التشوه الحقيقي ليس جسديًا، بل أخلاقي ونفسي يدفع للكراهية.

الشخصيات جميعها محاصرة اجتماعيا ونفسيا، كل تصرف يفضح ضعفها أو فسادها، وأيضا التفاعلات بين الشخصيات تخلق حلقة من التشوه النفسي المتبادل، فالسلطة تشوه الضعيف، والضعيف يفسد نفسه بالانصياع أو الانكسار، ولعل الإضاءة والديكور والموسيقى في كل مشهد تعكس هذا الجو السوداوي، فالظلال والضوء الباهت يرمز إلى القسوة والانعزال الداخلي لكل شخصية.

تشوه الشخصيات الثانوية يعكس حالات اجتماعية متعددة: (الطموح المفرط، الخوف من المواجهة، السخرية كآلية دفاعية، الانتهازية، والتفاعل بين الشخصيات يخلق بيئة قاتمة ومتوترة، حيث كل شخصية تساهم بشكل مباشر أو غير مباشر في استمرار الفساد الاجتماعي والنفسي.

الرمزية العامة لفيلم (السادة الأفاضل) تشير إلى أن: جميع الشخصيات، سواء رئيسية أو ثانوية، تشكل مرآة المجتمع المصري المعاصر، حيث تتشابك الضغوط الاجتماعية، الأخلاقية، والسلطوية لتشوه الأفراد وتحاصر الإنسانية، غير أن الجمالية البصرية حاول المخرج أن يظهرها بحيث تبدو في الظلال، الإضاءة الباهتة، المشاهد المغلقة، والموسيقى التصويرية السوداوية تعكس التشوه النفسي والجوي لكل شخصية.

وهذا يقودنا بالضرورة إلى أن البنية الاجتماعية والرمزية في الفيلم تعكس الفساد المستمر، فالفيلم يعرض كيفية تأثير السلطة العليا على الفئات الأدنى، محدثا دائرة متواصلة من الانحراف الأخلاقي، وهو ما يبدو في التباين الطبقي، فالطبقة الوسطى والأفراد الضعفاء يظهرون هشاشتهم أمام ضغوط السلطة، ما يخلق جوا قاتما من الانكسار النفسي.

السادة الأفاضل.. فيلم يرسخ للفساد الأخلاقي كموروث اجتماعي!
الشخصيات النسائية تعكس ضغوطا اجتماعية، وكفاحها الصامت يمثل محاولة البقاء ضمن مجتمع ذكوري مستبد

مجتمع ذكوري مستبد

كما أن الشخصيات النسائية أو الهامشية تعكس ضغوطا اجتماعية وسياسية، وكفاحها الصامت يمثل محاولة البقاء ضمن مجتمع ذكوري مستبد، لكن الرمزية الفردية والجماعية تظهر كل شخصية تمثل حالة اجتماعية محددة، وجميعها متشابكة لتكوين صورة كلية للمجتمع المصري (السلطة الفاسدة، الطبقات الوسطى المترددة، الفرد الطامح، والمراقب الصامت).

صناع فيلم (السادة الأفاضل) حاولوا – ولست أدري لماذا؟ – تقديم صورة حية لمجتمع متشابك بالفساد والضغوط النفسية، حيث تتحول الشخصيات إلى رموز للتشوه الاجتماعي والنفسي، وهو ما يبدو في كل مشهد، كل حوار، وكل ظل في الإضاءة يعكس هذا التشوه، ليصبح الفيلم دراسة نقدية متكاملة.

في دراسته الواسعة التأثير (الأدب كوسيلة للعيش)، يشير (كينيث بيرك) إلى أن الاستخدام المجازي للكلمات يمكنه أن يؤثر على الفعل الإنساني، كما في المثل: (الحجر المتدحرج لا تتراكم عليه الطحالب)، أو (كلما ارتفع القرد كشف عن جزء أطول من ذيله).

فتلك الأمثال بمثابة نصائح حول كيفية التصرف في موقف حياتي معين.. وبالنسبة إلى (بيرك)، تعد الأمثال أكثر الأشكال الأدبية اختصارا.. ومسرحيات شكسبير تؤثر هى أيضا على سلوكنا، وإن كان ذلك بطريقة أكثر تعقيدا وبلا حدود.. إن وظيفة الناقد، بحسب (بيرك)، هى استخلاص الفئات المتنوعة التي يمكن بواسطتها استخدام الأدب.

وظني أن فيلم (السادة الأفاضل) لم يقترب من أفكار أو أمثلة (بيرك)، لكنه أغلب الظن حاول محكاة المآسي الكبرى في مسرح شكسبير، ولكن دون وعي بوظيفة الدراما في جوهرها الحقيقي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.