(علي الشريف).. بدأ تمثيله بأدوار النساء، وسجنه أوصله لـ (الأرض)، وأكد لزوجته موعد وفاته!

* نظرا لتفوقه الدراسي، حصل على مجموع عالي في الثانوية العامة، أهله لدخول كلية الهندسة
* أدخلته (الأرض) السينما، وأروع ادواره مع الزعيم، وكان يحلم بـ (أحدب نوتردام)
* اشترى مقبرة وقال انه اول واحد سيدفن فيها، وحدث ما توقعه
* قبل رحيله لم يكن يعاني من أي أمراض، ويوم الرحيل قرأ قصة سيدنا الحسين وبكى بشدة
* رغم مسيرته الفنيه القصيرة قدم حوالى 180 عمل للسينما، وعشرات الأعمال المسرحية والتلفزيونية

كتب: أحمد السماحي
(علي الشريف)، واحد من نجوم الفن الذين لم نقدر موهبتهم في حياتهم، مثله مثل كثير من الموهوبين الذين لا نشعر من فرط موهبتهم الشديدة بأهمية ما يقدمونه!.
ونشعر بحكم الأعتياد عليهم، أن غيرهم يمكن أن يؤدوا نفس الأداء، لكن مع مرور الوقت وبنظرة متأنية إلى ما قدمه هؤلاء نشعر أننا ظلمناهم، وظلمنا موهبتهم.
من يتأمل ملامح (علي الشريف) الخشنة، وتكوينه الهيكلي الضخم، الذي لا يتمتع بأي قدر من الوسامة، يأتي في ذهنه على الفور، رجال الأحياء الشعبية البسطاء من معلمين، وحرفيين، وقهوجية.
ويقرأ في هذه الملامح كل أوجاع الشعب المصري، ويرى فيها من (حب وماطالش)، بسبب حيائه، وشكله البسيط، ودخله المحدود، الذي منعه من المجاهرة بحبه لحبيبته، وتركها تتزوج غيره، وعاش وهو يحمل ملامح الألم والمعاناة في قلبه.
هذا هو (علي الشريف) صاحب الصوت الأجش، الذي لم يكن يوما يحلم بالتمثيل، أو الوقوف أمام الكاميرا، ولو جاء إليه إنسانا يوما وقال له قبل أن يراه المخرج (يوسف شاهين) بيوم واحد : (أنت سوف تصبح ممثلا!).
لقال له وهو يضحك ضحكته الشهيرة : (ابعد عني يا عم الله لا يسيئك، تمثيل ايه؟ بالذمة ده شكل ممثل زي عمر الشريف، ولا رشدي أباظة، ولا صلاح ذوالفقار، ولا شكري سرحان، خلينا يا عم نشوف شغلنا، ونرجع حسابات الزباين ليحصل فيها عجز، وأحنا ناس غلابة).

علي الشريف.. أدوار لا تنسى
لكن الحظ يتدخل، ويصبح (علي الشريف) واحدا من أهم نجومنا الذين لم نقدر موهبتهم، ويقدم لنا مجموعة من الأدوار التى لا تنسى من منا ينسى دور (دياب) الفلاح البسيط الذي يحسد أهل البندر على أنهم يأكلون طعمية وعيش بلدي سُخن.
ومن ينسى له مشهده الصامت وهو يتحرش بالفنانة (برلنتي عبدالحميد) في الأتوبيس في فيلم (العش الهادئ)، ومن لا يتذكر المعلم (كوع) السكير، قاسي القلب الذي يتحرش بإبنه زوجته في فيلم (دندش).
ومن منا لم يكره المعلم (الدرديري) الذي ضحك على (تهاني) وأوهمها بأنها زوجته في فيلم (هكذا الأيام)، وتكتشف مع مرور الأيام أنه نصاب محترف ولم يتزوجها شرعيا.
وهو أيضا (الحرامى حبشى) الذي يعلم الطفل جلال، التزوير في (ليلة القبض على فاطمة)، ويكون هذا التعليم بداية لإنحراف جلال الأنساني والأخلاقي.
وبعيدا عن هذه الأدوار الشريرة من منا لم يتعاطف مع عم (بكري) الصعيدي حارس المدرسة، الهارب من التار في فيلم (الإنسان يعيش مرة واحدة)، ويبكي معه عندما شاهد ابنه الشاب الذي تركه طفلا رضيعا وقت هروبه.
ومن منا لم يحب الفتوة (مصطفى البشتيلي) فتوة بولاق في عصر الثورة العرابية في مسلسل (النديم) الذي يساند (عبدالله النديم) ويقف بجواره ويدعمه، ومن منا لم يقف مبهورا بجدعنة وشهامة المعلم (برغوث) في فيلم (آخر الرجال المحترمين).

أدوار النساء
من يقرأ السيرة الذاتية للفنان (علي الشريف) يجد أنه نشأة في أسرة بسيطة مثل معظم الأسر المصرية، كانت تسكن في (ميت عقبة) ونظرا لتفوقه الدراسي، حصل على مجموع عالي في الثانوية العامة، أهله لدخول كلية الهندسة.
لكن نظرا لانخراطه فى العمل السياسي، وصفوف الحركة اليساريه المصرية، قرر ترك كلية الهندسه بعد أن قضى فيها عامين، لأنها تحتاج إلى وقت، ويجب عليه أن يلتزم بالجانب العملى بها.
وهذا ما يعوقه عن نضاله السياسى داخل وخارج الجامعة، فإختار الإنتقال إلى كلية التجارة، فى العام الثانى من الكلية وبالتحديد فى عام 1959 شهدت مصر حملة اعتقالات ضمت أعداد كبيرة من رموز اليسار الماركسي والمنتمين إليه وكان من بينهم الشاب (على الشريف).
وأثناء وجوده بالمعتقل في سجن (الواحات) لم تكن هناك وسائل ترفيه فبدء المعتقلون بعمل مسرحيات يسلون أنفسهم بها وبالفعل قاموا بعمل مسرحية لصلاح عبد الصبور مثل فيها (على الشريف) دورإمرأة.
ورغم أنه لم يمتهن مهنة التمثيل من قبل، لكن تمثيله نال إعجاب كثير من زملاء المعتقل مثل (محمود أمين العالم، ومحمود السعدني، وحسن فؤاد) وغيرهم.
وبعد 6 سنوات أنتهت رحلة السجن الصعبة، وخرج (على الشريف) إلى النور ليستأنف حياته العادية من جديد، وأنهى دراسته فى كلية التجارة.
والتحق بالعمل فى بنك (التسليف الزراعى) بقرية (وردان) بالجيزة، وأرتبط بواحدة من جيرانه التى أحبته لطيبة قلبه رغم رفض أسرتها له لممارسته العمل السياسي.
وفي هذه الفترة كان مهموما دائما بمشاكل الشعب وبفكرة الوحدة العربية، وكان هذا سببا في منعه من ممارسه حقوقه السياسية من قبل السلطة، فلم يستطع أن ينتخب أو أن ينتمي لأحزاب، وظل هذا في عصر (جمال عبدالناصر) وفيما بعد في عصر (محمد أنورالسادات).

أنتونى كوين الأرض
أثناء فترة زواج (علي الشريف) وانجابه، كان الفنان التشكيلي والسيناريست (حسن فؤاد) زميله في المعتقل قد انتهى من كتابة سيناريو فيلم (الأرض) عن الرواية الشهيرة للكاتب (عبد الرحمن الشرقاوى).
وبالفعل عقد عدة جلسات عمل مع المخرج (يوسف شاهين) الذى إستقر على كل فريق العمل بينما ظل يبحث عن ممثل مناسب لشخصية (دياب) فقال له (حسن فؤاد) إنه لديه وجه جديد مناسب إذا وافق على ذلك.
وبالفعل تحدد موعد بين (علي الشريف، ويوسف شاهين)، دون أن يعرف (الشريف) سبب هذا اللقاء، كما يذكر ابنه في لقاء تليفزيوني.
وبمجرد أن رأى (يوسف شاهين) الوجه الجديد (علي الشريف) قال له: (إزيك يا دياب) فإندهش (علي) ورد : (أنا مش دياب، أنا اسمي على) فضحك (شاهين، وفؤاد) وبدات مرحلة جديدة من حياة (على الشريف).
كانت شخصية (دياب) ميلادا لممثل كبير ظهرت قدراته فى أول عمل يشارك فيه، ويومها أطلقت عليه الصحافة الفنية (أنتوني كوين)، ويومها سألته الصحافة الفنية عن قدرته على تمثيل دور الفلاح وهو ابن المدينة الذي لم يذهب إلى القرية؟!.
ويومها قال : (مين اللي قال أنني لا أعرف شيئا عن الفلاحين، ده أنا لفيت قرى محافظة الجيزة بالكامل من خلال عملي كمحاسب في بنوك الأئتمان الزراعي، والصناعي، إلى جانب الرأسمالية الوطنية، والبنوك التجارية.
وعملي هذا أعطاني فرصة لا تعوض للإحتكاك والأختلاط بالفلاحين، أهالينا الطيبين جدا البسطاء الذين لا يهمهم في الدنيا سوى رضا الله والصحة والستر)
ونظرا لنجاح (علي الشريف) في دور (دياب) وإشادة الصحافة به، تبناه (يوسف شاهين) وقام بإشراكه في معظم أفلامه التى قدمها بعد ذلك مثل ( الإختيار، عودة الإبن الضال، العصفور، وداعا بونابرت).

النجم المفضل لكبار نجوم الإخراج
في نفس الفترة شارك في أفلام كبار نجوم الإخراج مثل (صلاح أبوسيف) الذي منحه أدوارا بسيطة لكنه ملفتة في فيلمي (فجر الإسلام)، و(الكداب)
كما منحه المخرج (محمد عبدالعزيز) دورا في فيلمه الأول (صور ممنوعة)، الجزء الخاص به في فيلم (ممنوع)، بعدها توالى التعاون بينهما من خلال أفلام (قاتل ما قتلش حد) و(خلي بالك من جيرانك) و(عصابة حماده وتوتو) و(لكن شيئا سيبقى) وغيرها.
كما تعاون مع المخرج (أشرف فهمي) في أفلامه الأولى من خلال (واحد في المليون) و(ليل وقضبان)، (أمواج بلا شاطئ)، و(رغبات ممنوعة) و(شوق) وغيرها.
وتعاون مع (سعيد مرزوق) في فيلم (أريد حلا)، ومع علي بدرخان في (الكرنك)، ومع كمال الشيخ في (على من نطلق الرصاص)، ومع نيازي مصطفى في (يوم الأحد الدامي).
ومع محمد راضي في (صانع النجوم) و(وراء الشمس) ومع بركات في (أفواه وأرانب)، ومع عاطف سالم في (العش الهادئ)، وغيرها من الأفلام التى تعاون فيها مع كبار نجوم الإخراج والتمثيل والتأليف.
ولم يكن (علي الشريف) نجما مفضلا عند كبار نجوم الإخراج فقط، ولكنه كان مقربا ومحببا للزعيم (عادل إمام) الذي أحب شخصيته الطيبة، وموهبته الكبيرة، فقام بإشراكه في عدد كبير من أفلامه مثل (شعبان تحت الصفر، الإنسان يعيش مرة واحدة، الأفوكاتو، المتسول، المشبوه، حب فى الزنزانه) وغيرها من الأعمال التى حققت نجاحا كبيرا.
رغم مسيرته الفنيه القصيرة نسبيا التى بدأها عام 1970، وانتهت عام 1987 برحيله يوم 11 فبراير، قدم (على الشريف) حوالى 180 عمل للسينما، وعشرات الأعمال المسرحية والتلفزيونية، وكان يحلم بتجسيد دور (أحدب نوتردام).
ويرجع البعض نهم (علي الشريف) الشديد للفن لاحساس بقصر العمر، وقرب الأجل.

الرحيل في رحاب الحسين
عن لحظات رحيله قالت السيدة (خضرة) زوجته في لقاء صحفي : (قبل رحيله بفترة اشترى مقبرة، وقال أنه أول من سيدفن بها، وحدث هذا بالفعل، ويوم وفاته كان آخر يوم في بروفات مسرحيه (علشان خاطر عيونك).
وبعد أن أنهى البروفة عاد للبيت، ومعه كتاب استشهاد سيدنا الحسين، وجلس يقرأ فيه حتى الفجر ثم صلى، وقال لي إنه متعب بسبب القولون لأنه انفعل مع الكتاب ومع أحداث مقتل الحسين.
وبعدها بدء يزداد تعبه وعرق كثيرا فقلت له لنذهب إلى الطبيب ونحن نستعد لذلك قال لي لن نذهب وخلى الولاد ميروحوش المدرسة النهارده، ولا انت تروحي الشغل لأني هموت بعد شوية.
وتتابع السيدة زوجته قائلة: استغربت جدا وكرر هو نفس الكلام ثم وصاني على الأولاد وطلب ألا أصرخ وقت وفاته وأعلمني بكل شيء ماله وما عليه.
ثم قام وردد الشهادتين وقال بعدها: (يا حسين مدد جايلكم يا آهل البيت ثم رقد على السرير وسندت رأسه وأحسست بثقلها فقال لي: خلاص أنا في البرزخ، ثم توفى رحمه الله عليه وسط ذهولي ولكن طريقه موته أذهبت عنى نصف حزني).