رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل
يطل علينا مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) كعمل يختار طريقا آخر، يفرض حضوره بثقة عبر صدق التفاصيل
(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

جاء مسلسل (لاترد ولا تستبدل) قويا في تأثيره الاجتماعي، من خلال نص متقن قادر على إبراز المشاعر الإنسانية بلا تزييف أو دراما مفرطة، وقد اعتمد بالأساس على تطورات متدرجة وشخصيات متعددة الأبعاد، رغم ميله في بعض الأحيان إلى التمهيد الطويل قبل الوصول للحظات الذروة، ما قد يشعر بعض المشاهدين بالإطالة في الحلقات الأولى مقارنة بالإيقاع الذي يتطلبه الجمهور الحالي على مستوى السرعة وحركة الأحداث.

وسط سياق باتت فيه الدراما السائدة أسيرة الصخب والضجيج والعشوائية والعنف، يطل علينا مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) كعمل يختار طريقا آخر، يفرض حضوره بثقة عبر صدق التفاصيل واحترامه لعقل ومشاعر المشاهد معا؛ إذ لا يلوح برسائله ليفهم، بل ينساب بهدوء، كما تفعل الحياة نفسها حين تروى بصدق يستند للواقعية.

ظني أن مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) يأتي بوصفه عملا دراميا إنسانيا بالضرورة، يدور في مساحة حساسة ووعرة في منطقة (المرض) باعتباره تجربة وجودية لا طبية فحسب.. فلا يكتفي العمل بإعادة تقديم قصة الألم الجسدي بقدر ما يحولها إلى سؤال فلسفي حول الحب والكرامة والحق في الاختيار، ليصبح المشاهد شريكا في التجربة من الداخل لا مجرد متفرج عليها من الخارج.

ينطلق مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) من مرض (الفشل الكلوي) بوصفه نقطة تحول محورية في حياة الأبطال، لكنه لا يغرق في خطاب العطف أو الميلودراما المباشرة، بل يجعل المرض مسببا لانكشاف العلاقات وتعرية المشاعرالإنسانية، ومن هنا تبدو الشخصيات في مواجهة أسئلة كبرى منها:

إلى أي مدى نستطيع التضحية من أجل من نحب؟ – حالة (طه) – متى يتحول الحب إلى عبء؟، وما حدود الكرامة الإنسانية أمام المرض؟ – حالة (ريم) – لذا يتحرك السرد بإيقاع متدرج؛ قد يبدو بطيئا أحيانا، لكنه يخدم التراكم الشعوري وبناء الشخصيات، خاصة في حالتي (طه وريم) لا الإثارة السطحية المعتادة في دراما هذه الأيام.

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل
تبدو لنا (ريم/ دينا الشربيني) ليست مجرد مريضة، بل حالة نفسية مركبة

حالة نفسية مركبة

تبدو لنا (ريم/ دينا الشربيني) ليست مجرد مريضة، بل حالة نفسية مركبة، تعيش صراعا بين رغبتها في الحياة وخوفها من أن تكون عبئا على الآخرين، تبدو شخصية متحفظة ظاهريا، لكنها مشتعلة داخليا، وتتحرك من حالة الإنكار إلى القبول تدريجيا، ولعل أهم ما يميزها أنها ترفض أن تعامل كـ (ملف طبي)، وتتمسك بكرامتها واستقلالها العاطفي حتى في أشد لحظات ضعفها أمام كل من حولها.

على الجانب الآخر يقف (طه/ أحمد صلاح السعدني) في الجهة المقابلة من المعادلة، إنسان شهم وعزيز النفس، يحمل حسا عاليا بالمسؤولية، مستعد لأن يدفع ثمن الحب من جسده وحياته، ومن ثم تتحرك شخصيته بين الواجب الأخلاقي، والرغبة العاطفية من خلال تصرفات تفضح حبه لريم.

وذلك على الرغم من أن (طه) يمثل نموذجا للشاب الذي يضغطه الواقع، لكنه لا يتخلى عن إنسانيته في حنوه على أهله (ابنته مكة، أخيه بعوضة، وأخته حنان)، وعلى الطرف الآخر (ريم)، ولعل وجوده في الدراما ليس دعما لريم فقط، بل مرآة تكشف هشاشتها وقوتها معا، ومحرك رئيسي للأحداث في تفاعلاتها الدرامية التي تتأرجح بين القوة والضعف.

أبرز ما لاحظته في مسلسل (لاترد ولا تستبدل) أن الصورة في كثير من الأحيان تقول ما لا يمكن قوله عبر الحوار، وهو مايشير إلى أن الرؤية البصرية للمسلسل تعتمد على الواقعية الهادئة والحزن المكثف غير الصاخب، عبر استخدام (ألوان باردة، إضاءة ناعمة، لقطات قريبة للوجوه، وكلها ذات إشارات ودلالات تشير إلى براعة واحترافية المخرجة (مريم أبو عوف).

لغة الصورة في المسلسل تعتمد على (كادرات واسعة تبرز العزلة، اقتصادات في الحركة، غلبة الألوان الباردة مع ومضات دفء محددة، استخدام الصمت بوصفه عنصرا سرديا لا فراغا واسعا، كما لا توجد بهرجة شكلية؛ بل اشتغال مقصود على البساطة القاسية.

وهذا كان كفيلا أو من شأنه أن يسلم المشاهد مباشرة إلى الداخل النفسي للشخصيات.. وليس ذلك  استعراض بصريا، بل صمت مصور يشتغل على التفاصيل الصغيرة من خلال (نظرة، تنفس، يد ترتجف)، والصورة هنا ليست زينة، بل لغة سردية موازية للحوار الذي بدا قويا جدا ومؤثرا في سير الأحداث.

يتجلى ذلك من خلال تصوير (المستشفى) الذي جاء بألوان باردة تميل إلى الأزرق والرمادي، مع إضاءة بيضاء قاسية مصدرها مصابيح علوية.. تتحرك الكاميرا ببطء، وتترك الشخصيات واقفة أمام فراغ واسع، وكأن الممرات أطول من الوقت نفسه.

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل
المسلسل يضع المشاهد داخل منطق (المستشفى)، قرارات مصيرية، انتظار لا ينتهي، شعور بالعزلة رغم الزحام

المشاهد داخل منطق المستشفى

هذا الاختيار ليس جماليا فقط؛ بل يضع المشاهد داخل منطق (المستشفى)، قرارات مصيرية، انتظار لا ينتهي، شعور بالعزلة رغم الزحام، ولهذا ربما تلحظ أن المستشفى في المسلسل مكان لا ينتمي لأحد لكنه يغير الجميع دون استئذان في أثناء جلسات الغسيل، حتى ولو كانت القرارت جزافية.

أما البيت الذي تسكنه (ريم) فتم تصويره بدرجات دافئة (البيج والبني والأصفر الخافت، والإضاءة الناعمة التي تأتي غالبًا من النوافذ والمصابيح الجانبية، وحركة الكاميرا أقرب إلى الوجوه والتفاصيل الصغيرة)، كما يتجسد ذلك  في صورة على الحائط، كوب على الطاولة، باب نصف مغلق.. إجمالا: (البيت يبدو آمنا ظاهريا، لكنه يحمل توترا متصاعدا بين (ريم ونادر)، لأن المرض يتسلل إلى أكثر الأماكن خصوصية.)

وهكذا يصنع المسلسل مفارقة دقيقة (المستشفى) مكان للقرارات، والبيت مكان للمواجهة النفسية، وفي كلا المكانين لا توجد راحة كاملة، في ظل التوتر الذي تعيشه (ريم) في لحظات الغسيل الكلوي، بل حياتها كلها.

وبنظرة متأنية يمكن تحليل شخصيتي (ريم وطه) على النحو التالي: (ريم) هى المرأة التي تحاول أن لا تنكسر علنا، وهى ليست ضحية تقليدية ولا بطلة مثالية.. هى امرأة تداري ضعفها وهشاشتها خلف قوة مصطنعة، وتجلى ذلك في اختيارات الأداء، حيث جاءت قائمة على (النظرات الطويلة، الصمت الذي يسبق الكلام، محاولة ضبط الانفعال أمام الآخرين، والانهيار في العزلة).

(ريم) عبر أحداث مسلسل (لاترد ولا تستبدل) – كما جسدتها ببراعة فطرية مذهلة تؤكد موهبتها الناضجة في التمثيل (دينا الشربيني) – تحارب في اتجاهين: (الخارج الذي يطالبها بالتماسك، والداخل الذي يريد الاعتراف بالانكسار والهزيمة أمام كل فرصة تضيع عليها في وجود متبرع.

إنها شخصية كتبها المؤلف بوصف إنساني لا بطولي، وفي هذا سر قوتها، حتى أنك تشعر برابط سري بينك وبينها لفرط تماهيها مع الشخصية التي تجسدها بإتقان غير معتاد منها، فأحيانا من فرط التأثر بأدائها العفوي تجد نفسك متلبسا بوضع يدك على جنبك لتتحسس كليتك تضمانا مع شعورها بالألم.

أما (طه) في مسلسل (لاترد ولاتستبدل) فهو رجل وضع بحكم تكوينه العائلي بين المسؤولية والخوف، وهو طوال الوقت يتحرك في مساحة رمادية بين (واجبات لا يمكن الهروب منها، وخوف عميق من الفقد وتبعات المرض)، وقد جسد (أحمد السعدني) هذا الشخصية باحترافية عالية على مستوى لغة الجسد، والوجه المعبر للغاية.

فتجده لا يقدم نفسه كجلاد ولا كمنقذ كامل؛ بل كرجل عادي يخطئ، يتردد ويعود، لكن قوته الدرامية تكمن في تناقضه الداخلي، وليس في خطابات كبيرة ربما ترد على ذهنه، لكن حياءه يمنعه من البوح بها.

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل

(لاترد ولا تستبدل).. دراما إنسانية تفرض حضورها بثقة عبر صدق التفاصيل
يحب الإنسان لا لأنه ضعيف، بل لأنه ناضج بما يكفي لتحمّل مسؤولية الحب المشتعل بين (طه وريم)، وبعوضة ومواهب

الوضوح بديلًا عن الالتفاف

الخلاصة أن شخصيتي (ريم وطه) لا تخرجان من الحكاية كعاشقين فقط، بل كإنسانين اختارا التوازن بديلًا عن الانكسار، والوضوح بديلًا عن الالتفاف، وبهذا المعنى لا ينتصر مسلسل (لا ترد ولا تستبدل) للحب بوصفه عاطفة فقط، بل كاختيار واعٍ، وانتصار للاتساق مع الذات والقيم، والقدرة على اتخاذ قرار متوازن في عالم يميل إلى الإفراط، ومن هنا لا يقدم المسلسل الرومانسية التي تحرض على الهروب من الواقع، بل التي تدعو إلى امتلاك القدرة على العيش داخله بكرامة وهدوء؛ رومانسية أن يحب الإنسان لا لأنه ضعيف، بل لأنه ناضج بما يكفي لتحمّل مسؤولية الحب المشتعل بين (طه وريم).

وفي النهاية: يمكنني القول بأن المخرجة (مريم أبو عوف) تأتي بمسلسل (لا ترد ولا تستبدل) بوصفه تجربة رومانسية متجددة – رغم مواطن الميلودراما التي خيمت على مجمل الأحداث – تواصل من خلالها ترسيخ ملامح مشروع فني جدير بالمشاهدة والقراءة المتأنية.

الأمر المؤكد أن مسلسل (لاترد ولا تستبدل) ينحاز إلى تفكيك الصيغ الناضجة للحب داخل مجتمع يتبدّل بإيقاع متسارع، ويصعب استيعاب مفرداته الجديدة مثلما يصعب تحمّل قسوته، لتثبت مريم من جديد حساسية عدستها وقدرتها على التقاط المشاعر الإنسانية في لحظاتها الأكثر طبيعة وتلقائية.

جاءت التفاصيل السردية في مسلسل (لاترد ولا تستبدل) غاية في الرقة والذكاء، واستطاعت ربط المشاهدين بالشخصيات، من خلال أسمائهم وأزيائهم، ووظائفهم وهواياتهم، وتجاربهم الإنسانية اليومية.. إذ نجد أسماء الشخصيات (ريم، طه، بعوضة، مواهب (أم أيمن)ـ حنان، مكة..) كلها تحمل دلالات خفيفة تعمل في الخلفية، وتكمل البناء النفسي للشخصيات من دون شرح أو مباشرة، وكأنها طبقة سردية صامتة.

مشهد النهاية: جاء على نحو جيد للغاية، فالصورة تقول ما لا يقوله الحوار ومن ثم ينجح (لاترد ولا تستبدل) في جمع كل ما بناه بصريا ودراميا، وما ساعد على ذلك أن الإضاءة تميل إلى الخفوت، لكنها ليست مظلمة تمامًا.. تُبقي الوجوه مرئية وحدود الأشياء ضبابية، كأن الشخصيات تعيش في منطقة بين (وضوح الواقع، ولا اكتمال الفهم، وهذا يعكس فكرة النهاية نفسها: لا جواب نهائي، بل استمرار الأسئلة الشائكة).

وتبقى النقطة الجوهرية في مسلسل (لاترد ولا تستبدل) تكمن في لفت الأنظار، ليس فقط بسبب فكرته الجريئة، وإنما أيضا لما يحمله من عناصر فنية متكاملة، بدءا من الاهتمام بالتفاصيل، مرورا بالأداء التمثيلي القوي من جانب فريق العمل وعلى رأسهم (أحمد السعدني، ودينا الشربيني، وصخر صدقي)، مرورا بـ (سارة خليل، وحسن مالك، وفدوى عابد)، وصولا إلى الإخراج المتقن والموسيقى التصويرية التي تنبض بالحياة وتعبر عن الواقعية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.