رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

الفضاء الرقمي الأزرق: الجبهة التي كسرت صورة (إسرائيل)!

الفضاء الرقمي الأزرق: الجبهة التي كسرت صورة (إسرائيل)!
الانتقادات لم تعد موجهة للحكومة الإسرائيلية وحدها، بل باتت تطال المجتمع الإسرائيلي ككل
الفضاء الرقمي الأزرق: الجبهة التي كسرت صورة (إسرائيل)!
أحمد الغريب

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب

لم يعد تراجع صورة (إسرائيل) عالميًا حدثًا عابرًا أو ظرفيًا، بل تحوّل إلى ظاهرة موثقة بالأرقام، تعكس تحوّلًا عميقًا في نظرة الرأي العام الدولي إليها، ولا سيما بين الأجيال الشابة. غير أن الخطاب الإسرائيلي السائد، بدل أن يتوقف أمام جذور هذا التراجع، يفضّل البحث عن شماعات جاهزة يعلّق عليها الفشل، كان أحدثها تحميل وسائل التواصل الاجتماعي مسؤولية (تشويه الحقيقة).

هذا المنحى يتجسد بوضوح في تقرير (كيف غيّرت وسائل التواصل الاجتماعي صورة (إسرائيل) عالميًا للباحثة الإسرائيلية (تيرزا شور)، ونشره معهد (jcfa) البحثي الإسرائيلي ينطلق من نتائج مؤشر Nation Brands Index لعام 2025).

حيث حلّت (إسرائيل) في المرتبة الأخيرة بين خمسين دولة للعام الثاني على التوالي، مسجّلة أكبر تراجع سنوي في تاريخ المؤشر.. ورغم جسامة هذه النتيجة، فإن التقرير لا يتعامل معها بوصفها حكمًا على سياسات إسرائيل وممارساتها، بل كأزمة سردية وإعلامية سببها تغيّر طبيعة الوسيط الاتصالي.

يعترف التقرير بأن الانتقادات لم تعد موجهة للحكومة الإسرائيلية وحدها، بل باتت تطال المجتمع الإسرائيلي ككل، وهو اعتراف بالغ الدلالة.. غير أن هذا التحول لا يُقرأ بوصفه نتيجة تراكم طويل من الحروب والاحتلال والحصار، بل كنتاج (سوء فهم) تغذّيه منصات رقمية تشجّع العاطفة وتختزل التاريخ في مقاطع قصيرة.

بهذا المنطق، يصبح ملايين الشباب حول العالم – خصوصًا الفئة العمرية بين 18 و24 عامًا – غير قادرين على التفكير النقدي، أسرى للانفعال، عاجزين عن استيعاب (التعقيد التاريخي) الذي تدّعي (إسرائيل) احتكاره.. وهكذا، تنتقل المسؤولية من السياسات إلى المتلقّي، ومن الفعل إلى ردّة الفعل.

لكن السؤال الذي يتجنبه التقرير يظل حاضرًا بقوة: كيف وصلت دولة ما إلى مرحلة لم تعد فيها تُنتقد فقط، بل تُرفض أخلاقيًا على نطاق واسع؟

الفضاء الرقمي الأزرق: الجبهة التي كسرت صورة (إسرائيل)!
مارشال ماكلوهان

منح الآخر دور المضلَّل

تستعين (تيرزا شور) بمقولات (مارشال ماكلوهان) و(نيل بوستمان) لتأكيد أن وسائل التواصل الاجتماعي أعادت تشكيل الوعي الجمعي، وأن الفيديو القصير العاطفي بات أكثر تأثيرًا من الشرح العقلاني الطويل. ووفق هذا الطرح، فإن رواية (إسرائيل) تخسر لأنها لا تتلاءم مع منطق المنصات، لا لأنها ضعيفة أو متناقضة.

غير أن هذا التفسير، رغم وجاهته النظرية، يتجاهل حقيقة بسيطة:

وسائل التواصل الاجتماعي لم تصنع مشاهد الدمار، ولا صور الضحايا، ولا بثوث الاستغاثة من تحت الأنقاض. هي لم تخترع الواقع، بل نقلته، وأتاحت له أن يُرى بلا وساطة رسمية.

المشكلة، إذن، ليست في أن الرسالة لا تصل، بل في أن ما يصل بات يتناقض جذريًا مع الخطاب الرسمي.

في أكثر فقرات التقرير حساسية، يشير إلى استطلاعات تفيد بأن نسبة معتبرة من الشباب الأمريكيين يصدقون روايات حركة حماس، ويقدّم ذلك كدليل على انهيار (الحقيقة) في العصر الرقمي.. لكن التقرير لا يناقش لماذا فقدت الرواية الإسرائيلية قدرتها على الإقناع، بل يفترض سلفًا أن كل سردية بديلة هي دعاية مضللة.

هذا المنطق يعكس ذهنية قديمة ترى أن الحقيقة واحدة، ومن يمتلك القوة يمتلك حق تعريفها.. غير أن العالم تغيّر، ولم يعد الجمهور مستعدًا لتلقّي الروايات الرسمية بوصفها حقائق مطلقة، خصوصًا حين تتناقض مع المشاهد الميدانية والشهادات الحية.

يوجّه التقرير اتهامات صريحة لوسائل إعلام غربية كبرى، متهمًا إياها بالتحيّز، وبالعمل تحت ضغط أو تأثير قوى معادية لإسرائيل.. لكن هذا الطرح يتجاهل أن هذه الوسائل نفسها كانت، لعقود، من أبرز منصات ترويج الرواية الإسرائيلية، وأن أي تحوّل نسبي في خطابها لا يعكس عداءً، بقدر ما يعكس انكشاف فجوة متزايدة بين الرواية والواقع.

كما يخلط التقرير بين النقد الإعلامي المشروع وبين (حرب معلومات) تقودها دول مثل إيران وروسيا، في محاولة لتجريد أي موقف ناقد من استقلاليته، ووصمه ضمنيًا بالعمالة أو التلاعب.

يتعامل التقرير مع تراجع الإقبال على المنتجات الإسرائيلية بوصفه نتيجة (صورة ذهنية سلبية)، لا كموقف أخلاقي واعٍ. هنا تتحول الدولة إلى (علامة تجارية)، وتتحول السياسات إلى مشكلة تسويق، ويُختزل الصراع الإنساني في معادلات علاقات عامة.

في هذا السياق، لا يكون المطلوب تغيير الواقع، بل تحسين طريقة عرضه.. لا مراجعة السلوك، بل إعادة تغليفه بصريًا ولغويًا بما يناسب منطق المنصات.

الفضاء الرقمي الأزرق: الجبهة التي كسرت صورة (إسرائيل)!
تفشل محاولات الرد عبر المؤثرين والخوارزميات في استعادة المصداقية

مؤثرون بلا محاسبة

الحل الذي تقترحه (تيرزا شور) لا يخرج عن هذا الإطار: تعبئة المؤثرين، إنتاج محتوى قصير، بناء فرق استجابة سريعة، والتكيّف مع الخوارزميات.. أي أن الرد على أزمة أخلاقية وسياسية عالمية هو المزيد من الأدوات الإعلامية، لا مراجعة الأسباب.

لكن التجربة أثبتت أن أقوى حملة رقمية لا تستطيع تلميع واقع مرفوض أخلاقيًا.. فالصورة، مهما قُصّت بعناية، لا تستطيع محو الحقيقة حين تتكرر يوميًا أمام أعين العالم.

يحاول التقرير إقناع القارئ بأن إسرائيل تخسر معركة صورتها لأنها لم تُحسن مخاطبة العصر الرقمي. غير أن الوقائع تشير إلى عكس ذلك تمامًا: إسرائيل تخسر لأن صورتها باتت أوضح، لا أكثر غموضًا.

لم تعد المشكلة في الوسيط، ولا في الجيل الجديد، ولا في سرعة المعلومة، بل في مضمون لا يصمد أمام الاختبار الأخلاقي. وما دام الواقع على الأرض لم يتغير، فلن تنقذه أي خوارزمية، مهما بلغت دقتها.

بناء على ما سبق، وبالاستناد إلى ما طرحته الباحثة الإسرائيلية، يمكن القول إن إسرائيل خسرت فعليًا معركة الصورة الرقمية، لا بسبب ضعف أدواتها التقنية أو قصور حضورها على المنصات، بل لأن الفضاء الرقمي كسر احتكارها التاريخي للسردية، وعرّى التناقض بين خطابها الرسمي والواقع الميداني.

فوسائل التواصل الاجتماعي لم تُنتج أزمة الصورة، بل كشفتها، وحوّلت ما كان يُدار خلف فلاتر الإعلام التقليدي إلى مشاهد يومية مباشرة تخضع لاختبار أخلاقي مفتوح أمام الرأي العام العالمي.

وعندما تتحول الانتقادات من سياسات حكومة إلى رفض أخلاقي واسع يمس صورة الدولة والمجتمع، وتفشل محاولات الرد عبر المؤثرين والخوارزميات في استعادة المصداقية، فإن ذلك لا يُقرأ كهزيمة إعلامية عابرة، بل كهزيمة في معركة الوعي نفسها.

بهذا المعنى، لم تخسر (إسرائيل) لأن خصومها كانوا أذكى رقميًا، بل لأنها وجدت نفسها، للمرة الأولى، في ساحة لا يمكن فيها التحكم بالحقيقة أو إعادة تسويقها دون تغيير الواقع الذي تنتج عنه.

الفضاء الرقمي الأزرق: الجبهة التي كسرت صورة (إسرائيل)!
تتحرّك (إسرائيل) خلال المرحلة المقبلة على مسارات متوازية لمحاولة ترميم صورتها الرقمية

تحرّك عاجل لعلاج الخلل

لكن وبطبيعة الحال، وكما جرت العادة، يُتوقّع أن تتحرّك (إسرائيل) خلال المرحلة المقبلة على مسارات متوازية لمحاولة ترميم صورتها الرقمية المتدهورة، مستندة إلى خبرتها الطويلة في حروب الوعي والتأثير.. وسيتركز الجهد، على الأرجح، على الاستثمار المكثف في صُنّاع محتوى مؤثرين، ولا سيما من غير الإسرائيليين، لتقديم روايتها بلهجة (إنسانية) وعاطفية تتلاءم مع منطق المنصات الرقمية السريعة.

وإلى جانب ذلك، يُرجّح أن توسّع تل أبيب استخدام أدوات الذكاء الاصطناعي، والحسابات المُدارة آليًا، وحملات الإعلانات المموّلة، بهدف تضخيم رسائل مختارة وبناء شبكات ضغط رقمية تستهدف خوارزميات المنصات نفسها عبر الإبلاغ المنسق، والتشكيك بالمحتوى المعارض، ووصمه بالتضليل أو خطاب الكراهية.

وفي السياق ذاته، ستسعى (إسرائيل) إلى إعادة صياغة خطابها الإعلامي، بالانتقال من الدفاع عن سياساتها إلى مهاجمة خصومها أخلاقيًا، من خلال التركيز على اتهامات (التطرف، والإرهاب، والتحريض)، في محاولة لنقل المعركة من ميدان الحقائق والوقائع إلى ميدان الشرعية الأخلاقية.

غير أن فاعلية هذه الاستراتيجية ستظل محدودة، ما دامت الفجوة تتسع بين الرواية الرقمية المصنوعة والواقع الميداني الذي تنقله الصور الحية وشهادات الضحايا، وهي فجوة بات من الصعب ردمها بالأدوات التقنية وحدها.

ومن هنا، فإن اعتراف التقرير الذي كتبته (تيرزا شور) – ولو ضمنيًا – بتآكل صورة (إسرائيل) تحت ضغط الفضاء الرقمي، لا يطرح سؤال أسباب التراجع بقدر ما يطرح سؤالًا أكثر إلحاحًا: من سيملأ هذا الفضاء بالرواية المضادة القائمة على الحقائق؟ فوسائل التواصل الاجتماعي لم تعد ساحة محايدة، بل ميدان صراع مفتوح على الوعي، ومن يتركه فارغًا يتركه لخصمه.

في هذا الإطار، تبرز مسؤولية الإعلام العربي، التقليدي والرقمي، في الانتقال من موقع ردّ الفعل إلى موقع الفعل، ومن مجرد نقل الخبر إلى تفكيك السردية الإسرائيلية، وكشف تناقضاتها، وفضح ممارساتها بلغة مهنية موثقة قادرة على مخاطبة الرأي العام العالمي.

وبالتوازي، تقع على عاتق مستخدمي وسائل التواصل العرب مسؤولية لا تقل أهمية، تتمثل في تحويل هذه المنصات إلى أدوات ضغط أخلاقي فعّال، عبر المحتوى القصير المؤثر، والشهادة الحية، والتفاعل الذكي الذي يكسر احتكار الرواية ويفضح الزيف، دون الوقوع في فخ التهويل أو التضليل.. وللحديث بقية..

رابط التقرير:

https://jcfa.org/how-social-media-has-transformed-israels-global-image/

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.