
بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول
يرتكز مفهوم الإبداع (المسرحي الشعبي) على إنتاج الأشكال المسرحية الشعبية، والتي ظهرت داخل الحياة الثقافية المصرية الشعبية، وكل شكل من تلك الأشكال متخصص في فن (المسرح الشعبي)، وتلك الأشكال جميعها نابعة من الثقافة الشعبية المصرية والعربية.
إذ جميع مصدرها الأدبية والأدائية التمثيلية مستمدة من تلك الثقافة، ومعتمدة على البناء الحسي للمجتمع الشعبي المصري، وتلك الأشكال متعددة ومؤسسة وفق نظرية فن التمثيل الشعبي المنبثقة من المعنى العام للتمثيل في الحياة الشعبية، كما وضحها الباحث في الفصل السابق.
وهذه الأشكال هي التطبيق العملي لفن التمثيل الشعبي في صورة عروض (المسرح الشعبي)، وتلك العروض هي الدالة على المسرح الشعبي، ونستعرضها كالتالي:

السيرة في اللغة
السيرة عند ابن منظور تعني (السيرة: الضرب من السَّيْر، والسِّيَرة: الكثير السير، والسِّيرة السُّنَّة، والسيرة الطريقة)، يقال سار بهم سيرة حسنة.. والسيرة الهيئة.. وفي التنزيل العزيز (سنعيدها سيرتَها الأولى).. وسيَّر سيرة: حدَّثَ أحاديث الأوائل، وسار الكلام و المثل في الناس: شاع. ويقال: هذا مثل سائر (شائع)؛ وقد سيَّر فلان أمثالا سائرة في الناس. وسائر الناس: جميعهم”.
ومن ذلك المعنى اللغوي نجد أن السيرة سرد تمثيلي للأبطال الشعبيين، إذ من دلالة الكلمة تناقل الحديث بين الناس من جيل إلى جيل عن شخصيات شعبية لها مُثُل وقيم وصارت مَثَلاً يُحتذَي به، وهذا يعني أن السيرة تصور الحياة الشخصية الشعبية تمثيلا.
وتلك الشخصية لها تأثير في حياة الشعب، وبذا أضحي لتلك الشخصية سيرة حسنة داخل الثقافة الشعبية، حيث إن تلك الشخصية قدمت عملا جليلا للشعب، ونتيجة لذلك العمل صارت مشهورة وذائعة الصييت، ولذلك تُنْتَج في صورة نص أدبي تمثيلي وفق الدلالات العامة لمعنى التمثيل في الحياة الشعبية، وهذا النص يطبق عمليا في صورة أدائية مسرحية في صورة عرض (المسرح الشعبي) الذي يخص فن السيرة.

أنواع فنانيي السير الشعبية
توجد سير متعددة للأبطال الشعبيين، وقد ورد عند (لين) ذكر لتلك السير من خلال الفنانين الشعبيين الذين يقدمون تلك السير في صورة عرض أدائي تمثيلي، إذ هو يذكر أنواع الفنانين الذين قدموا تلك السير، في إشارة واضحة إلى الصفة الأدائية التمثيلية لفن السير الشعبية ويستعرضهم كالتالي:
أولا: شعراء الهلالية:
وهذا النوع من الفنانين كان يطلق عليهم الشعراء، ويمتازون بكثرة العدد والعروض، وهذا ما يصفه لين في كتابة المصريون المحدثون أن (الشعراء أكثر طبقات الرواة عددا وهم يسمون أيضا أبو زيدية نسبة إلى موضوع روايتهم سيرة أبو زيد).
ثانيا: فنانوا الظاهرية:
وهؤلاء الفنانون لقبوا بالمحدثين، وهم متخصصون في السيرة الخاصة بالظاهر بيبرس، ويذكرهم لين بقوله: ” ومن رواة القصص أيضا طبقة تتميز بتسمية خاصة (المحدثين، المحدثون)، وهم من حيث العدد، يتلون الشعراء، ففي القاهرة ما يقرب من الثلاثين منهم. والمحدثون يقصرون أنفسهم على رواية (سيرة الظاهر)، أو (السيرة الظاهرية)، ومن ثم يسمون (الظاهرية)، وهم لا يستعينون في روايتهم بكتاب”
ثالثا: العناترة:
وهؤلاء الفنانون تخصصوا في سيرة عنترة، ولكن لم يقتصر عملهم على تلك السيرة فقط بل امتد ليشمل سيره ذات الهمة، وقصة سيف اليزن، وقصص ألف ليلة، إذ (في القاهرة طبقة من الرواة يسمونؤعناترة، أو عنترية).. ويستعين العناترة بالكتاب، فلا يروون من الذاكرة..
والعناترة لا يقصرون رواياتهم على سيرة عنتر.. فقد قيل لي إنهم جميعا ينقلون أحيانا من (سيرة المجاهدين)، وتسمى عادة (سيرة دلهمة)، أو (ذو الهمة)، وهو اسم لبطلة القصة.. ومنذ سنوات مضت، كثرت رواية هؤلاء لقصة ( سيف ابن ذي يزن)، ويسميها العامة (سيف اليزن، سيف اليزل، وهو كتاب جامع لقصص مدهشة.. كما أنهم يقصون قصص ألف ليلة و ليلة.

فنانون متخصصون في السير
وبذا نجد أن لكل سيرة من السير فنانين متخصصين في أدائها، وعن أماكن تواجدهم لتقديم عروضهم، فقد كانت المقاهي والشوارع أو الحواري المحيطة بها، و يذكر (لين) عن ذلك إذ (يجلس القصاص فوق مقعد صغير فوق أعلى المصطبة، المقامة بطول واجهة المقهي. ويجلس بعض السامعين إلى جانبه، بينما يجلس البعض الآخر على مصاطب المنازل المقابلة في الشارع الضيق، والباقون على مقاعد من الجريد. وأكثرهم يدخن الشبك، وبعضهم يرتشف القهوة، وهم جميعا يبتهجون أعظم الابتهاج بسماع القاص لقوة تمثيله، ولموضوع القصة.
ومن هذا الوصف التاريخي لفن السيرة نجد أن هذا الفن لم يقتصر على الهلالية فقط، ولكن كان هناك العديد من السير تؤدى وتعرض من قبل فنانين متخصصين في صنوف السير من خلال (المسرح الشعبي)، ولم يتبق من هؤلاء الفنانين سوى شعراء الهلالية، الذين مازال لهم وجود حي في الحياة الشعبية.