

بقلم الكاتبة الصحفية: نيڤين شحاتة
فى ليلة من ليالى الشتاء الدافئ، فكرت أنا وصديقاتي (نيڤين، ونينت) أن نذهب إلى السينما، خاصة أن هناك انتعاش حالي فى سوق وصناعة السينما، وهذا شئ يسعدنا جميعاً، وأيضاً فرصة لمشاركتهما الاحتفال بأعياد الميلاد ورأس السنة، بما يعنى أنها (خروجة العيد)، واختارنا من قائمة الأفلام المعروضة حاليا فيلم (الملحد).
ولما لا نشاهده، وهو لكاتب كبير هو الأستاذ (إبراهيم عيسى)، ومخرج موهوب ومتميز: محمد جمال العدل أو (مندو العدل)، وبطولة وكوكبة من الفنانين الكبار والشباب؟، وبما أننا (هوانم) قلنا نذهب الحفلة الصباحية فى إحدى سينمات مصر الجديدة الكبيرة، حتى تكون القاعة هادئة وغير مزدحمة بالجمهور.. كنا قبلها قد حاولنا أن نحجز (أون لاين)، لكن دون جدوى.
فذهبنا ووقفنا فى (اللاين)، ولما وصلنا لشباك الحجز كانت المفاجأة أن القاعة (كومبليت)، فقلنا إذن لنؤجل لحفلة الظهيرة أو 3.30 عصراً، ولكنها كانت أيضا (كومبليت)، فقلنا إذن فلتكن هى حفلة السادسة مساءً، لكن نفس الشيئ تكرر.. المهم في النهاية لحقنا آخر ثلاثة كراسى فى حفلة التاسعة مساءاً، وهو مايؤكد أن الجمهور متعطش للسينما الراقية، وخاصة تلك التي تأتي من إبداع الكتاب الكبار.
واستعدينا بالفشار و(الذى منه) لزوم مشاهدة الفيلم فى السينما، حيث تبدو هناك متعة مختلفة.. وبدأ شريط الفيلم في الدوران، وبدت الصورة رائعة ومبشرة بفيلم قوي، حيث تبرز المشاهد منطقة وسط البلد ومساجدها العريقة، فضلا عن انعكاس للشارع المصري بزخمه المعتاد.
أما عن محتوى فيلم (الملحد)، فطبعاً لأنى من متابعي الأستاذ (إبراهيم عيسى)، الذي قد لا اتفق مع كل آرائه، لكن لا أنكر ثقافته وقلمه الجرئ، فكنت طوال مشاهدة الأحداث كأنى أرى وأسمع (إبراهيم عيسى) يتكلم فى كل جملة ولازمة في الحوار بأفكاره وعباراته، ولكن على ألسنة الممثلين.

غول التمثيل (محمود حميدة)
وعن أداء الممثلين فقد أبهرنى جدا أداء الفنان الكبير (غول التمثيل) الأستاذ (محمود حميدة)، الذي جسد شخصية الشيخ السلفى المتشدد (حافظ السروطي) بحرفية شديدة وبإتقان محكم يؤكد أن الكبير كبير، ودوره فى الفيلم موفق إلى حد كبير في تجسيد شخصية والد الشاب (الملحد) يحيى.
وأيضا لعبت الفنانة (صابرين) والدة الشاب (الملحد) كما عهدناها دور من أروع أدوارها بأداء ثمثيلى عالى الجودة والإبهار، وخاصة المشهد المفصلي في الفيلم، والذي دار حول فكرة (النقاب والحجاب والتبرج)، حيث قدمتة بإبداع فاتن للغاية على مستوى الوجه المعبرورخامة الصوت الآسر، ولغة الجسد المدهشة، وهو مايعكس خبرتها الكبيرة في الأداء الاحترافي.
أما الفنان (حسين فهمي) فقد خرج من جلده شكلاً وموضوعاً، وقدم دور الأخ المتدين الوسطى (كارم السروطي)، وهو هنا جسد ببراعة الشخصية المتوازنة فى الأحداث، وأعتقد أنه يعد من أهم أدواره، كما أني لا أتصور أن هذا الدور لم يكن يليق بأحد غيره، بينما لم أرى أية وجاهة في اختيار (نجلاء بدر) كزوجة له.. فلم يكن اختيارا موفقا نظرا لفارق السن، فبدت كأنها ابنته، وكان من الأفضل اختيار فنانة أكبر سناً.
ونأتي للفنان (أحمد حاتم): بصراحة لم يقنعنى بلعب دور (الملحد) الحقيقي، فرغم أنه ممثل مجتهد وبذل جهدا كبيرا فى محاولة تجسيد الشخصية، وعلى الرغم من أن له أدوارا متميزة في السينما والتلفزيون، لكن هذا الدور كان يحتاج لممثل أقوى، خاصة أن هذه الشخصية هى شخصية محورية في الفيلم، أما باقى الممثلين فكانت أدوارهم معقولة ومناسبة مثل (شيرين رضا، وأحمد بدير، وياسر الزنكلاوني) وغيرهم.

تقطيع المونتاج أفسد الدراما
لاحظت أن صناع الفيلم ركزوا على المونتاج تركيزا كبيرا، ويبدو واضحا إن (المونتير) بذل مجهودا جبارا حتى لا يخل بفكرة فيلم عن شخصية (الملحد)، لكن هذا التقطيع أخل بالسياق الدرامي، وظهر الفيلم يناقش الفكرة بشكل سطحي، وكأننا نتحدث فى شات مع تطبيق (Gemini) عن فكرة الإلحاد ويرد علينا، وكأننا فى (session) عن شاب ملحد وليس قصة درامية تناقش قضية حدلية.
كما أن الحوارات التى كانت بين الشاب (الملحد) وشيوخ السلفية فى (جلسة الاستتابة) افتقدت إلى الإقناع والحجة، فظهرت سطحية خاصة مع مقص المونتاج المتكرر.
أعلم أن القضية التى يناقشها فيلم (الملحد) غاية فى الحساسية، ويجب اختيار العبارات المناسبة بعناية، خاصة أن الشباب من (جيل Z) ليسوا بحاجة إلى تشويش أو لخبطة أكثر ما هو محاط بأفكار غريبة وعجيبة سواء من جانب من مواقع التواصل الاجتماعي أو غيرها.
وربما تكون الكارثة الجديدة الأكبر والأشمل هى تقنيات الذكاء الاصطناعي، أضف إلى ذلك الممارسات الكارثية لجماعة الإخوان الإرهابية فى السنة السوداء التى حكمت فيها البلاد، بدءًا من تدشين فتاوى تتقاطع مع العقل وكل أدوات المنطق، ومرورا بتطبيق سياسة الكيل بمئات المكاييل، وإقحام الدين فى وحل السياسة، ما دفع إلى انتشار الإلحاد، حسب تقارير لمعاهد بحثية دولية متخصصة في هذا الشأن.

تسمية هؤلاء (ملحدين)
وإن كان رجال الدين يؤكدون أنه ليس هناك إحصائية كاشفة عن عدد الملحدين، ويجب أن نتوقف عند كلمة (الملحدين)، لأننا قد نسمى شخصاً يعانى من أزمة نفسية ويستحق المساعدة والعون (ملحد)، والحقيقة هو لم يصل إلى هذه الدرجة، أو نجد شخصا لديه بعض الأسئلة الطبيعية أو المشروعة ونسميه (ملحدا) أيضا، والحقيقة أنه لا ينطبق عليه هذا المسمى.
وقد يتسرع البعض في تسمية هؤلاء (ملحدين) ويوسعون الإحصائية، لكن الواقع أن هناك درجات وعوامل لهذا الأمر، إنه في الأساس يكون داخل الإنسان.
وربما هذا كله يقودنا إلى ما دعا إليه الرئيس (عبد الفتاح السيسي)، وهو ضرورة تجديد الخطاب الدينى، ومن ثم فإن الأزهر والكنيسة معنيان بمواجهة الأفكار المتطرفة بشكل عام، سواء التطرف الدينى، أو تطرف الإلحاد.
وهنا يكتسب دور المدارس والجامعات وقصور الثقافة، أهمية كبيرة فى التصدى لظاهرة التطرف والإرهاب، كون إشكالية قضية الإيمان والإلحاد تكمن فى المعرفة وتصحيح الأفكار، والإقناع بالمنطق والعقل، مع الوضع فى الاعتبار أن العالم أصبح قرية صغيرة، وروافد الاتصال ونشر الأفكار المشوشة لا تعد ولا تحصى!
والخلاصة أن فيلم (الملحد) جاء في سياقة العام مخيبا للآمال على مستوى الدراما الضعيفة شكلا ومضمونا جراء ارتباك المونتاج، وسطحية القضية، ومع ذلك يحسب له جرأة الطرح لقضية شائكة على عكس الأفلام والمسلسلسلات التي تعرضت لقضية الإلحاد من قبل.