
بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
شهد عام 2025 جدلا محتدما حول الإعلام و(الدراما) التلفزيونية، ولم يكن هذا أمرًا جديدا، ولا هو خروج عن المألوف، بل بدا وكأنه حديث قديم يتجدد كلما اجتمع المشاهدون حول الشاشات في شهر رمضان المعظم وارتفعت نسب المشاهدة.
و لكن هذا العام كان الجديد في حدة الاعتراضات واتساع دائرتها، حيث اشتدت الأسئلة حول دور الفن وحدوده ، و مدى تأثيره على المجتمع ؟ و من هنا عاد الطرح العلني لفكرة لجان إصلاح الإعلام و(الدراما) باعتبارها المخرج الممكن من الأزمة.
غير أن هذا الجدل في جوهره، لم يكن حول مشهد جريء أو حوار صادم – فلقد تميزت أعمال رمضان الماضى بالجودة نسبيا – و لكن الجدل كان حول منظومة كاملة باتت محل مساءلة: من يملك الصورة؟ ومن يحدد المعايير؟ وهل الخلل في (الدراما) أم في الواقع الذي تعكسه؟.
ومما أزاد الجدل اشتعالا هو نقد السيد الرئيس لحال الإعلام و(الدراما)، فاعتبره البعض توجيها رئاسيا وحاولوا اللحاق بركب المنتقدين!

جدل يتكرر.. وسياق يتغيّر
إذا ما ألقينا نظرة على العقود الماضية، سنكتشف أن (الدراما) المصرية لم تسلم يومًا من النقد، ففي تسعينيات القرن الماضي، وُجهت الاتهامات لبعض الأعمال بترويج العنف أو التطرف أو الترويج للمخدرات، و بعض الأعمال اتهمت بالتحريض على الفجور – منها فيلم للحب قصة أخيرة لرأفت الميهي!
ومع بداية الألفية الجديدة انتقل الجدل إلى ما وُصف بـ (الإسفاف) و(الجرأة الزائدة)، ثم جاءت مرحلة ما بعد 2011 لتفتح نقاشًا أوسع حول صورة الدولة، والشرطة، والمجتمع في الأعمال الفنية، و صارت هناك حساسية شديدة في مناقشة كثير من الموضوعات.
وفي السنوات الأخيرة، أصبحت قضايا العنف، والمخدرات، والجريمة، وصورة المرأة عناوين ثابتة في بيانات الغضب والانتقاد.. إلا أن الفارق الجوهري في 2025 أن النقد لم يعد محصورًا في عمل أو اثنين.
ولا مقتصرًا على نقاد أو صحافة، بل خرج من البرلمان، ووسائل الإعلام، وبعض المؤسسات الرسمية، وامتد ليشمل الإعلام نفسه، لا الدراما فقط. هكذا تحوّل الجدل من ملاحظة فنية إلى سؤال وجودي عن حال المنظومة بأكملها.

لماذا بعد رمضان دائمًا؟
ليس من المصادفة أن تتفجر هذه النقاشات عقب موسم (الدراما) في رمضان – فهذا ما تعودناه دائما – فغالبا ما كان مدى نجاح ( موسم رمضان ) هو المعيار الأساسى لبقاء المسئول عن التليفزيون او رحيله !! فهذا الشهر لا يمثل مجرد نافذة عرض، بل هو الحدث الدرامي الأهم في مصر، حين تجتمع الأسرة أمام الشاشة، وتبلغ الرسائل الفنية ذروتها من حيث التأثير والانتشار.
ثم بعد رمضان – وأحيانا قبل أن ينتهى الشهر الفضيل – تتضح الصورة كاملة، وتتراكم الشكاوى من مستوى الإنتاج، ويبدأ البحث عن (المسؤول): هل هو الكاتب؟، أم المنتج؟، أم القنوات؟، أم الرقابة؟، وعند هذه النقطة تظهر فكرة الحل السريع: اللجان، والضوابط، والتنظيم.. كأن رمضان هو لحظة الاختبار الجماعي للفن، يعقبها مباشرة موسم المحاسبة.

هل تُصلح اللجان الفن؟
كثيرا ما سمعنا – خاصة في السنوات الأخيرة – عن ضرورة تعديل مسيرة الإعلام، وهناك خطوات اتخذت بالفعل مثل احتكار معظم القنوات، وفي سنوات سابقة تم احتكار إنتاج (الدراما) تقريب، لتصبح شركة واحدة هى صاحبة الحق في الإنتاج و الإذاعة و الإعلان، ولم تأت كل تلك الخطوات بالنتائج المرجوة.
لذا عادت نغمة اللجان التي تقوم وتصلح وتهيمن، و بمجرد حديث السيد الرئيس سعت مؤسسات كثيرة في الدولة للمشاركة بتكوين لجان نعرف مسبقا أنه لا فائدة من ورائها سوى إثبات أنهم يعملون وفق توجيهات السيد الرئيس.
ومع وجود تلك اللجان الكثيرة إنقسم الرأي العام هذه المرة انقسامًا حادًا: أنصار اللجان يرون أن الفن قوة مؤثرة في السلوك والوعي، وأن غياب المعايير يفتح الباب للفوضى، وأن السوق وحده لا يكفل الجودة، وبالتالي تصبح الدولة – من وجهة نظرهم – مسؤولة عن حماية الذوق العام.. في هذا السياق، تُقدَّم اللجان بوصفها أداة تنظيم لا قمع.
في المقابل، يرى المعارضون أن الإبداع لا يولد داخل القوالب، وأن اللجان غالبًا ما تعمل بمنطق المنع لا التطوير، وأن الفن الحقيقي يحتاج إلى مساحة للخطأ والتجريب، لا إلى تعليمات عامة.. ويذهب هؤلاء إلى أن المشكلة ليست في الدراما، بل في واقع اجتماعي معقد تحاول الأعمال الفنية أن تعكسه، حتى وإن بدا قاسيًا أو صادمًا.
ومن هنا يتصاعد الخوف من أن تتحول (الإصلاحات) إلى رقابة مقنّعة تقتل روح الفن باسم حمايته.

بين التنظيم والحرية.. أين الحل؟
تُظهر التجربة التاريخية أن اللجان وحدها لا تصنع فنًا جيدًا، وإن كانت قد تنجح أحيانًا في منع الأسوأ.. فالأعمال الخالدة التي صنعت وجدان المصريين خرجت في لحظات ثقة ونقاش ودعم للمبدعين، لا في أجواء الخوف والوصاية.
والإصلاح الحقيقي لا يتحقق بحذف مشهد، أو منع مسلسل، أو إصدار تعليمات عامة، بل عبر استثمار طويل الأمد في التعليم، ودعم الكتابة الجيدة، وتنويع المنصات، واتساع هامش الحرية، والأهم: احترام عقل الجمهور وقدرته على التمييز.
خاتمة: أزمة ثقة قبل أن تكون أزمة مسلسلات:
ما حدث في 2025 لم يكن مجرد أزمة درامية، بل كان أزمة ثقة: ثقة في الفن، وفي الإعلام، وفي قدرة المجتمع على مواجهة صورته في المرآة دون فزع.. ودعوات (الإصلاح) التي تتجدد بعد كل رمضان لا تعكس ضعف الفن بقدر ما تكشف قلق المجتمع من نفسه.
السؤال الحقيقي إذن ليس: هل نحتاج إلى لجان؟، بل: هل نملك الشجاعة لإصلاح الواقع، بدل الاكتفاء بمعاقبة من يجرؤ على تصويره؟.. ربما حين نجد إجابة صادقة عن هذا السؤال، يتوقف الجدل.. أو على الأقل يصبح أكثر نضجًا وعمقًا.
و مازال للحصاد بقية..