
بقلم الكاتب الصحفي: محمد شمروخ
اعتبر إننا خلصنا من الملحدين، على شاشات السينما والدراما المصرية ولو إلى حين، وادخل بينا على (المتطرف) واكتشف العجب.. فالسينما المصرية تكاد تلتزم بشخصية واحدة للمتطرف، هدفها الأساس أن تكرهك في صاحب هذه الشخصية!
– هارسود.. هو أنت مش عايزنا نكره المتطرفين.
– اصبر عليا يا عم.. ما تبقاش حمقى كده!
وأهو بقى من عند نموذج الحمقي ده، تبدأ أول أخطاء الدراما المصرية في التعامل مع شخصية المتطرف سواء كان شخصية محورية أو ثانوية أو حتى هامشية يقوم بها كومبارس صامت!.
وتعالوا من أولها..
فاكرين شخصية الواد الرزل (عمران) في (خلى بالك من زوزو)؟!.. طبعاً فاكرينه.. بس نركنه شوية على جنب ونروح لشخصية تانية في الفيلم نفسه، وإن كانت ظهرت لأقل من ثانية!.. والشخصية لطالبة قامت بها كومبارس وقفت لفيمتوثانية، أمام مجلة (السراط المستقيم)، وهو اسم مجلة الحائط التى يحررها الطالب الرزل من ساحة الجامعة!
والطالبة في هذا المشهد الخاطف، جسدت نموذج الفتاة المتطرفة، دون أن تنبس ببنت شفة!.. فقط عرفنا أنها متطرفة لمجرد أنها تلف إيشارب على رأسها وجانبي وجهها.. أما باقى اللبس فعادى، بس طويل حبتين، على عكس الموضة السائدة في تلك الفترة!.
لم يكن الإيشارب وحده علامة تطرفها، لكن الذي يؤكد لنا أنها كذلك، هى (التبويزة) أو (الأتامة) الواضحة على وشها!
وتعالوا للأستاذ عمران.. [لاحظ أنه لم يتبق من أبطال الفيلم غير الفنانين الكبيرين (محيي إسماعيل وحسين فهمي)، أطال الله عمرهما ومتعهما بالصحة].
فإن العجب كل العجب، أن جميع مظاهر (المتطرف في عمران، لم تزد عن رفع الوجه كدليل على الرفض، مع التشنجات المضحكة التى اتى بها (محيي إسماعيل) ببراعة، مع قفل كل زراير القميص حتى زرار الياقة المقفولة ع الفاضي من غير ببيون ولا كرافتة، بس الغريب إنه لابس بنطلون زي بنطلوناتهم بالضبط!

صورة (المتطرف) في سينما السبعينات
وفي ذلك الحين لم تكن كلمة متطرف تجرى على الألسنة كثيراً، لكن كان كان يستخدم بدلاً منها كلمة (معقد).
وأهم شروط (العُقّد) أن يكون حاملها محبكها زيادة عن اللزوم من الناحية الدينية!
لاحظ أن اسم المجلة (السراط المستقيم..)
عموماً بدون افتراض سوء نوايا.. لكن فيما يبدو أنه هكذا كانت صورة (المتطرف) في سينما السبعينات، وهى صورة أقرب إلى الكوميديا مع أنه يلعب بشكل ما، دور شرير الشاشة، إذ أنه لا مفر من وجود شرير حتى يكتمل النص!
ممكن كذلك أن تلاحظ أن (عمران) كان رغم رفضه لأسلوب حياة وتصرفات زوزو ومثيلاتها، إلا أنه لم تصدر منه أفعال عنيفة ضدها، كما أن هناك من طلبة وطالبات الجامعة كانوا مؤيدين لموقفه، كما حدث في الخناقة إياها والتى انتهت بأن تدخلت زوزو بنفسها لتدافع عنه قبل أن يعيدوا إليه حزامه!
كما سبق وحضر عمران ندوة المخرج المسرحي (حسين فهمى) ولم يقاطعها أو يحرم حضورها، بل إنه قام خطيباً ليؤكد أمام المخرج الحليوة، أننا من أعظم الأمم بل نحن أعظم الأمم.. جمعاء.. جمعاء!
وانتهى الفيلم بشهادة إعجاب علنية منه في حق زوزو واعتزازه بأنه زميل لها.. جمعاء!
شفت بقى (المتطرف) زمان كانو روشين إلى أى درجة؟!
ثم نقفز أكثر من عشرين سنة لنرى ما وصل اليه (المتطرف) سينمائيًا وكيف انتهى به الحال إلى شخصية الأخ (على عبد الظاهر)، في فيلم (الإرهابي)، في وقت كان الإرهاب فيه على أشده، لكن الصورة قبله كانت قد تغيرت كثيراً ومهدت لظهوره.
حيث بدأت ملامح جديدة تضاف إلى المتطرف، فقام بفك زرار ياقة القميص وأطلق شعر لحيته وما فتأ يطول حتى كاد يغطى صدره، مع الاحتفاظ بنفس التكشيرة والتشنجات!.


الشيخ سيف و(على الزناتي)
شاهدنا أيضًا الشيخ سيف (الفنان أحمد راتب) أمير الجماعة التى ينتمى إليها الأخ علي عبد الظاهر وهو داخل منزله مع طاقم زوجاته المنتقبات وهن بكامل ملابس النقاب يتناولن معه الغداء، وهو أيضاً بكامل ملابس التطرف الرسمية، مع أنه من المفترض أنه يجلس داخل منزله مريح وبراحته
(لكن برضه لازم نحسب أن هناك في البلاتوه مخرج ومصورين وكلاكيت وبقية طاقم العمل بيتفرجوا، ولا يصح أن تظهر زوجات الأمير بغير النقاب أمامهم، كذلك جمهور الصالة بعد الغرض)!
ثم إن الواحد عرف متطرفين في الواقع كتير وقليل، لم أجدهم يتحدثون بلغة عربية فصحى بهذا الشكل الذي يبدو في الدراما.. (بس تخيل إن دى ممكن تتحسب لهم ميزة)!
وقس على ذلك أدواراً كثيرةً لشخصية (المتطرف) والتى أرى أنها شخصية بها جوانب ثرية تخالف هذا التناول السطحى، فضلاً عن العلاقة الجدلية بين المتطرف والواقع المحيط به كانت بمثابة نهر هادر للاغتراف؛ كذلك صراعات المتطرف مع نفسه؛ وكلها فرص كان يمكن أن تثرى أى عمل درامي!
عندك مثلاً الأستاذ (وحيد حامد) في فيلم (طيور الظلام) سنة 1995، اقترب جداً من شخصية المتطرف مع المحامي الشاب (على الزناتي)، وما أظن الأستاذ (وحيد) – رحمة الله عليه.
إلا أنه استقى هذه الشخصية التى جمعت في انسجام رهيب بين الانتهازية والتطرف الديني من شخصية حقيقية جسدها ببراعة الفنان (رياض الخولي)، كذلك كانت شخصية ابن حارس العقار التى أداها الفنان محمد إمام فى فيلم عمارة يعقوبيان سنة 2006، للروائي علاء الأسوانى.
لكن بعده بسنة واحدة، انتكس المتطرف في فيلم (مرجان أحمد مرجان) بصورة كاذبة لدرجة الهزل، عندما وجدنا طالب الجامعة الخاصة (محمود نور الدين) رئيس أسرة نور الحق (الفنان أحمد السعدني) ينظم رحلات طلابية إلى أضرحة أولياء الله الصالحين!
بقى بالذمة ده كلام؟!.. دا انتم ما تعرفوش أيتها حاجة عن التطرف بتاتاً!
لكن الأمور اتضبطت تانى في سنة 2021، عندما رأينا شخصيات المتطرفين في مسلسل (القاهرة – كابول)، والتى أبدع فيها الأستاذ (عبد الرحيم كمال)، أقرب إلى الواقع بشحمه ولحمه!.. ولا يتسع المقام الآن لكثير من التفاصيل في هذه الإشكالية الدرامية!.
الخلاصة: إن سيطرة الدعاية السياسية والآيدلوجية على كثير ممن رسموا شخصية المتطرف في الدراما ما بين الشاشات الكبيرة والصغيرة، فتعامل غالبيتهم مع أنماط قليلة ومستهلكة، دون تكلف مراجعة الواقع فى أمور متعددة يضيق بها المقام هنا.
وماذا كانت النتيجة؟!
دعنى أصدمك بأنه؛ حتى الآن؛ الواقع يؤكد أن الفن لم يفلح في صراعه مع (المتطرف) لأن كثيراً من المؤلفين والسيناريست والمخرجين يصرون على تجاهل الواقع بكل ثرائه.. ربما خوفاً.. وربما طمعاً.. وربما لغرض ما في نفس يعقوب!