رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة

(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
أحمد فهمي
(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
مرام علي
(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

نحن بحاجة فعلا لمسلسلات تجرؤ على تصوير (الملل الجميل)، أو جلسة مقهى يسودها الصمت والشرود أكثر من الكلام، لذا فالدراما التي تدور في مكان بسيط مثل (2 قهوة) يجب أن تركز على التفاعلات الإنسانية الدقيقة: (نظرة عين، تنهيدة، أو حركة يد قلقة)، بدلا من البحث عن (إيفيه) يكسر حدة المشهد.

من هنا يعتبر مسلسل (2 قهوة) من التجارب الدرامية التي حاولت ملامسة نبض الشارع من خلال تيمة (المكان الواحد) والاعتماد على الحوار المكثف، وهو نوع من الدراما يتطلب مهارة عالية في الكتابة والأداء للحفاظ على إيقاع المشاهد دون تسرب الملل للجمهور.

لطالما كانت المقاهي في الدراما العربية رمزا لتجمع الحكايات، لكن في مسلسل (2 قهوة) لم يعد المقهى مجرد خلفية للأحداث، بل كان هو البطل والمحرك الأساسي، يحاول المسلسل تقديم وجبة درامية خفيفة تعتمد على الـ (سيت كوم) الاجتماعي، مستعرضا قضايا يومية من خلال شخصيتين رئيسيتين وجملة من الضيوف.

تدور أحداث (2 قهوة) حول (يحيى الوكيل/ أحمد فهمي)، شاب في آواخر الثلاثينات من أصول صعيدية، انتقل إلى القاهرة لاستكمال دراسته الجامعية، قبل أن يستقر فيها بشكل نهائي.. ويعمل يحيى كمقدم برنامج (توك شو) ناجح، إلا أن نجاحه المهني لا ينعكس بنفس القوة على حياته العاطفية.

تنقلب حياته رأسا على عقب عندما يتعرف على (نيللي/ مرام علي)، فتاة أرستقراطية تمتلك مقهى راقيا في حي الزمالك، حيث تنشأ بينهما علاقة سريعة قائمة على التفاهم والانسجام، ومع تعمق المشاعر، يجد (يحيى) نفسه منجذبا إلى عالم (نيللي) الهادئ والمختلف، لكن عودة طليقته إلى حياته تضعه أمام صراع مع الماضي، وتدفعه لاتخاذ قرارات مصيرية حاسمة في مستقبله العاطفي.

(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
نوع من الدراما يتطلب مهارة عالية في الكتابة والأداء للحفاظ على إيقاع المشاهد

شعور بالقرب من الشخصيات

ومع أحداث المسلسل وانغماسه بشكل أكبر في حياتها؛ يكتشف العديد من التضاد في الأفكار، ويزيد الأمر صعوبة بعد أن تعود طليقة (يحيى) وهى راغبة في العودة له ولابنتها، وتتصاعد الأحداث، لكن تبدو لي (هند عبد العزيز/ مي القاضي) ممثلة بليدة الأداء، فلاتري أى انفعال أو تأثر واضح يبدو على وجهها، لذا كانت خارج الكادر طوال الوقت جراء بلادتها كممثلة.

اعتمد المسلسل على الحوار التلقائي الذي يشبه أحاديثنا اليومية، وهو ما جعل المشاهد يشعر بالقرب من الشخصيات، نجح الكاتب (عمرو محمود ياسين) اقتناص مفارقات مضحكة من صلب الواقع، ومع ذلك، وقع العمل أحيانا في فخ (التكرار)، حيث شعرت من بعض الحلقات بأنها تدور في حلقة مفرغة دون تطور حقيقي في الحبكة، مما جعل الإيقاع يترنح بين التصاعد والفتور.

ومع ذلك فإن نجاح هذا النوع من المسلسلات يرتكز على (الكيمياء) بين الأبطال، وهو ماحدث في التناغم الذي بدا واضحا أن هناك تفاهماً كبيراً بين البطلين (أحمد فهمي، ومرام علي)، مما أعطى مساحة للارتجال المنضبط الذي يخدم المواقف الكوميدية.

أما ضيوف الشرف مثل (إسماعيل فرغلي، محسن محي الدين، ميمي جمال، نانسي صلاح): كانوا بمثابة (بهارات) أو (مقبلات) العمل؛ ففي كل حلقة يدخل عنصر جديد يكسر رتابة المكان، ونجح أغلبهم في تقديم شخصيات كاريكاتيرية مميزة أضافت حيوية للأحداث التي سارت بوتيرة متصاعدة في كثير المواقف الدرامية.

الضيوف في (2 قهوة) ليسوا مجرد إضافات، بل هم (حالات درامية) تدخل لتفجير الموقف، مثل شخصية (البلوجر) أو (رجل الأعمال المزيف)، وهؤلاء يظهرون زيف المظاهر الاجتماعية، كما أن الانكسار من بعض الشخصيات تأتي لتبث همومها، مما يظهر الجانب الإنساني والتعاطفي لدى الممثلين الأبطال.

وحده الإخراج في (2 قهوة) واجه تحديا صعبا، فكيف نصور في مكان ضيق دون أن يشعر المشاهد بالاختناق؟، استخدم المخرج زوايا تصوير متنوعة وحركات كاميرا سريعة لملاحقة ردود الأفعال، مما خلق نوعاً من الحركة الوهمية داخل المكان الساكن.. الإضاءة كانت طبيعية ومريحة، مما عزز شعور (الواقعية) لدى المتفرج.

خلف الضحكات والمواقف الكوميدية، مرر المسلسل رسائل نقدية لظواهر مجتمعية مثل: (هوس منصات التواصل الاجتماعي، البطالة ومحاولات الشباب لإيجاد فرص عمل غير تقليدية، العلاقات الإنسانية وتعقيداتها في زمن التكنولوجيا السريعة).

(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
مجموعة من الرسائل المبطنة التي تعبر عن قلق الجيل الحالي وتساؤلاته

رسائل مبطنة تعبر عن قلق الجيل

في أغلب الحلقات، تعود الشخصيات إلى (نقطة الصفر)، (وهو سمة الست كوم الكلاسيكي)، لكن التطور يظهر في عمق الصداقة بينهما؛ فمع كل أزمة، يكتشف المشاهد أن الرابط بين الشخصيتين أقوى من مجرد جلسة على مقهى، بل هو رباط مصيري.

خلف الستار الكوميدي والمواقف اليومية البسيطة في مسلسل (2 قهوة)، تكمن مجموعة من الرسائل المبطنة التي تعبر عن قلق الجيل الحالي وتساؤلاته، فالمسلسل يستخدم (المقهى) كمختبر اجتماعي لتحليل النفسية العربية المعاصرة، خاصة لأوئك الذين يعيشون في المدن الكبرى، وتحديدا في منطقة الزمالك القاهرية.

الرسالة الأعمق في المسلسل هى: أن المقهى ليس مجرد مكان للترفيه، بل هو تمثيل لحالة (الانتظار) التي يعيشها جيل كامل، ومن هنا فالمعنى المبطن: يشير إلى أن الشخصيات تجلس بانتظار (شيء ما) سيتغير (وظيفة، سفر، ثروة مفاجئة)، مما يعكس حالة الركود الاجتماعي، حيث يشعر الشباب أن حياتهم متوقفة على (رصيف) بانتظار قطار قد لا يأتي بالمرة.

ولعلنا نلحظ صراع (الأصالة) و(الزيف) من خلال (ضيوف الشرف) أو من خلال الشخصيات العابرة (المؤثرين، مدعي المعرفة، تجار الوهم)، يرسل المسلسل رسالة ناقدة للمجتمع الاستهلاكي، ففي المسلسل يتم حل المشكلات، وعقد الصفقات، ومناقشة السياسة والرياضة على المقهى، وليس في المكاتب أو المؤسسات الرسمية.

ورغم الشجار الدائم بين بطلي (2 قهوة)، إلا أنهما لا يفترقان، وهنا المعنى المبطن: الرسالة هنا هي أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة، في عالم يتجه نحو الفردية والعلاقات الرقمية، يؤكد المسلسل أن الوجود المادي للشخص مع صديقه (وجها لوجه على القهوة) هو العلاج الوحيد للاكتئاب والوحدة التي يعانيها البعض.

المسلسل يقول لنا بطريقة غير مباشرة: (نحن جميعا جالسون على مقهى كبير، نتحدث كثيراً، نخطط قليلا، ونخاف من المستقبل كثيراً، لكن عزاءنا الوحيد هو أننا لسنا وحدنا) نعيش في هذه الحياة.

في مسلسل (2 قهوة)، لا يضحك الأبطال لأن حياتهم سعيدة، بل يضحكون على) بؤسهم، فالطابع الكوميدي هنا جعل المشاهد يتقبل (الفشل المتكرر) للأبطال، وظني لو قدمت نفس الأحداث بقالب تراجيدي أو (درامي حزين)، لربما شعر المشاهد بالإحباط وتوقف عن المتابعة.. الكوميديا جعلت (الرسائل المبطنة) تتسلل للعقل الباطن بدلاً من أن تكون مواعظ مباشرة مملة.

(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
المشاهد المتأمل يدرك أن الضحك هو (ستار) يخفي خلفه صرخات مكتومة

تعبيرات الوجه الصامتة

قد يرى البعض مسلسل (2 قهوة) مجرد (نكت) ومواقف مضحكة لتضييع الوقت، وهنا تكون الكوميديا قد غطت على الرسالة، لكن المشاهد المتأمل يدرك أن الضحك هو (ستار) يخفي خلفه صرخات مكتومة.. فالكوميديا لم تغط على الرسالة، بل كانت (الناقل الرسمي) لها، تماماً كما تُخفى كبسولة الدواء المرّة داخل قطعة حلوى.

كوميديا الموقف في (2 قهوة) نابعة من تورط الشخصيات في مواقف تفوق قدراتهم، عن طرق الإيفيه اللفظي:، ذلك الإيفيه المعتمد على الردود الذكية بين البطلين، وتبدو لغة الجسد واضجة في تعبيرات الوجه الصامتة عند وقوع الكارثة، والتي كانت أحياناً أبلغ من أي حوار.

قوة مسلسل (2 قهوة) لم تكن في فكرته فقط، بل في الطريقة التي نفذت بها هذه الفكرة، ولأنه وراءه المنتج الواعي (أحمد عبد العاطي)، فإن النجاح اللافت الذي حققه (2 قهوة) لم يأتِ مصادفة، بل كان ثمرة رؤية إنتاجية وفنية آمنت بأن احترام عقل المشاهد هو الطريق الأقصر إلى قلبه وعقله في آن واحد.

 كما أن تصدره لقوائم المشاهدة وتداوله الواسع على المنصات المختلفة كشف عن تعطش حقيقي لدى الجمهور لأعمال مختلفة، جريئة، لا تخشى كسر القوالب السائدة، في ظل سيناريو محكم البناء، ذكي الانتقالات، قادرا على التحرك بسلاسة بين الواقع والخيال دون أن يفقد توازنه أو يربك المشاهد، كل مشهد في (2 قهوة) بدا وكأنه حلقة في سلسلة متماسكة، وكل تفصيلة خدمت المعنى العام دون افتعال أو إسهاب.

أما الأداء التمثيلي، فكان أحد أعمدة النجاح الأساسية، قدم الأبطال شخصيات مركبة، محمّلة بالصراعات الداخلية والهواجس الصامتة، ونجحوا في التعبير عنها بلغة تتجاوز الحوار إلى النظرات، وحركة الجسد، والصمت المدروس، فقد بدا التمثيل أقرب إلى اعتراف إنساني صادق، لا أداءً استعراضيًا، وهو ما منح الشخصيات عمقًا جعل المشاهد يرى نفسه في تفاصيلها.

وعلى المستوى البصري، لعب الإخراج دورا محوريا في تكريس الحالة العامة للمسلسل.. جاءت الإضاءة مدروسة لتعكس الفارق بين العوالم، بينما استخدمت زوايا التصوير والكادرات بعناية لتحويل المشاهد الخيالية إلى لوحات بصرية ذات دلالة، لا مجرد استعراض فني.. كل لقطة بدت محسوبة، وكل انتقال بصري كان جزءا من السرد لا عبئًا عليه.

(2 قهوة).. دراما تثبت أن (الصداقة الإنسانية) هى الدرع الأخير ضد قسوة الحياة
مجموعة من الرسائل المبطنة التي تعبر عن قلق الجيل الحالي وتساؤلاته

​ليست مجرد قصة حب سطحية

ويبدو واضحا أن المسلسل يأتي بقوة كبيرة من اسم مؤلفه (عمرو محمود ياسين)، الذي اشتهر بتقديم أعمال درامية ذات حس اجتماعي عال بمذاق رزمانسي، قادرة على استكشاف دوافع الشخصيات وصراعاتها الداخلية ببراعة، مثل مسلسلات (نصيبي وقسمتك)، (وتقابل حبيب) وغيرها من أعمال تخصص فيها (ياسين) لتحمل نفس التيمة الرومانسية.

هذا التخصص في الدراما الاجتماعية يأتي (2 قهوة) لا ليكون يكون مجرد قصة حب سطحية، بل يقدم استعراضاً لمدى تأثير الماضي، والمهنة، والفروقات الطبقية والاجتماعية على مصير أي علاقة.

لذا خرج مسلسل (2 قهوة) من الإطار التقليدي، لا باعتباره عملا ناجحا فحسب، بل بوصفه حالة فنية خاصة أعادت تعريف العلاقة بين المتلقي والشاشة، خاصة أنه لم يعتمد على الصخب أو الإثارة السطحية، بل اختار طريقًا أكثر عمقا، يمزج تفاصيل الحياة اليومية القاسية بلمسات خيالية شفافة، فصنع عالما دراميا قريبا من القلب، وبعيدًا عن النمطية.

وهو ما انعكي في  الحلقة الأخيرة عبر العديد من الأحداث، بداية من محاولة يحيى الحديث مع ابنته حول صعوبة رجوعه مرة أخرى إلى والدتها، خاصة مع حبه لنيللي التي تجسد دورها النجمة مرام علي، لتفاجئه أنها لن توافق على زواجه من أخرى غير والدتها وتحديدا نيللي.

لكن مع محاولات (يحيى) المستميتة في اللحظة الأخيرة يحرص على كشف حقيقة طليقته هند أمام ابنتهما، ويؤكد لها أنها لم تتغير وأنها على استعداد لتبتعد عنهما في أي وقت.

لكن ينجح (يحيى) في النهاية في إقناع ابنته بالزواج من (نيللي)، ويذهب لمفاجأتها ويمنعها من العودة إلى الشام ويتقدم لخطبتها، ويقدم لها أغنية رومانسية خاصة تعبيرا منه عن حبه الشديد لها، ثم بدأ الثنائي في الظهور بمشاهد ولقطات تتسم بطابع الرومانسية بعرض خاتم الخطوبة عليها، والرقص معا بشكل عاطفي رومانسي أيضا وسط سعادة كبيرة من المقربين منهما ليقدم نهاية سعيدة ترضي كل الأطراف.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.