
بقلم المستشار: محمود عطية *
في السنوات الأخيرة تفجرت أمام أعيننا ظواهر شاذة لم يعرفها المجتمع (المصري) ولا العربي بهذا الشكل الفج في تاريخه القريب ظواهر لا يمكن تفسيرها إلا بوصفها انعكاسا مباشرا لانهيار منظومة التربية، وغياب القدوة وتشوه الوعي الجمعي لدى قطاعات واسعة من الشباب والبنات.
حيث نشاهد مشاهد صادمة من البكاء والصراخ والانهيار العصبي عند رؤية المغن أو الممثل أو المشخصاتي (المصري)، وكأننا أمام لقاء مع نبي أو فتح تاريخي عظيم، بينما لو عاد الأب أو الأم من سفر طويل أو غياب قاس لما رأينا نصف هذا الانفعال ولا ربع هذا الشوق.
وهنا يفرض السؤال نفسه بقوة من المسؤول عن هذه الظاهرة المنحطة ومن زرع في عقول هؤلاء أن القيمة الإنسانية تختزل في صوت أجش أو وجه يظهر على الشاشة،
هذه الظاهرة لم تأت من فراغ، ولم تولد مصادفة بل هي نتاج تراكم طويل من الإهمال الأسري والتخلي عن دور التربية الحقيقي لصالح ترك الأبناء للشاشات والهواتف ومنصات التفاهة التي تصنع نجوما من العدم.
وتضخم الفارغ وتقدس التافه حتى صار المغني والممثل (المصري) بديلا عن المعلم والطبيب والعالم وصار التصفيق والصراخ معيار النجاح، وصار البكاء عند الحفلات دليلا على الرقي العاطفي المزعوم، بينما هو في الحقيقة دليل على فراغ داخلي عميق وشباب ضائع بلا نموذج محترم يحتذي به ولا مشروع حياة واضح المعالم.
لقد بدأت هذه الظاهرة بوضوح في عند الإنسان (المصري) باعتبارها مركز الإنتاج الإعلامي والفني في المنطقة، ثم امتدت كالعدوى إلى دول عربية أخرى تقلد دون وعي وتستهلك دون تمحيص فصارت مشاهد الهوس الجماعي تتكرر في كل مكان.
وتحوّل الفن من رسالة أو تعبير إنساني إلى صناعة تقديس للأشخاص لا للأفكار وصناعة أوهام لا قيم فيها ولا مضمون، وكل ذلك جرى برعاية إعلامية كاملة وبصمت تربوي مخز وبتواطؤ ثقافي واضح.

الأستاذ الكبير (زكي طليمات)
ومن هنا ننتقل إلى مشهد آخر لا يقل دلالة ولا يقل خطورة حين شاهدت لقاء قديما على (ماسبيرو زمان) للأستاذ طارق حبيب مع الأستاذ الكبير (زكي طليمات) أحد أعمدة المسرح العربي ومؤسس معهد التمثيل نفسه.
فإذا بالمفاجأة الصادمة أن (زكي طليمات) ينادي بتجميد معهد التمثيل لا عن عداء للفن ولا كرها للمسرح، بل بدافع عقلاني صريح يتعلق بغياب فرص العمل وتكدس الخريجين وعدم قدرة السوق على استيعاب هذا الكم من الممثلين، وهو كلام صادر من رجل يعرف ماذا يقول لأنه هو من أنشأ المعهد ويعرف حدوده ووظيفته.
وهنا يظهر الفرق الجوهري بين طرح (زكي طليمات) وطرحي أنا فالأستاذ زكي كان يتحدث من زاوية مهنية واقعية تتعلق بسوق العمل والعدالة الوظيفية، أما طلبي فهو أكثر جذرية وأكثر إلحاحا لأنه يرتبط بفساد بنيوي خطير يتمثل في توريث مهنة التمثيل، وتحويلها إلى نادي مغلق على أبناء وأحفاد الفنانين بعيدا عن خريجي المعهد وبعيدا عن معيار الموهبة أو الدراسة أو الكفاءة.
لقد أصبحت مهنة التمثيل لدى (المصري) محجوزة بالاسم والعائلة والنسب لا بالعلم ولا بالموهبة ولا بالتكوين الأكاديمي، فترى الأسماء تتكرر والوجوه تتوارث الأدوار جيلا بعد جيل، بينما خريجو المعهد الحقيقيون يقفون على الهامش أو يهاجرون، أو يعملون في مهن لا علاقة لها بما درسوه، وكل ذلك يتم في ظل مباركة واضحة من النقابة التي يفترض بها حماية المهنة لا حمايتها لعائلات بعينها.
وهنا نسأل بصوت عال ما جدوى المعهد إذن ولماذا ينفق المال العام على مؤسسة لا تفتح أبوابها لأبنائها الحقيقيين؟، ولماذا نخدع الشباب ونبيع لهم وهما اسمه دراسة التمثيل، بينما السوق محجوز سلفا للأبناء والأصهار والأحفاد إن هذا الشكل من الاحتكار لا يقتل فقط العدالة، بل يقتل الإبداع نفسه ويحوّل الفن إلى عزبة خاصة ويفرغ فكرة الدراسة الفنية من معناها؟
ومن التمثيل إلى الموسيقى ومن المسرح إلى ما يسمى بتطوير التلاوة نصل إلى مشهد ثالث لا يقل عبثا ولا يقل فضحا لزيف الخطاب السائد، حين أرسل لي أحد القراء مقطعا من لقاء الموسيقي (عمرو مصطفى) مع الإعلامي (معتز الدمرداش) في ضوء مقالاتي عن ما أسميه (فنكوش المقامات) في تعلم واحتراف تلاوة القرآن.
فإذا بعمرو مصطفى يقول بكل ثقة وهدوء إنه لا يعرف المقامات ولا السلم الموسيقي ولا يملك أي معرفة نظرية بما يقال عنه.

عمرو مصطفى والمقامات
هنا تظهر الصدمة على وجه (معتز الدمرداش) ويكرر السؤال مستغربا، فيؤكد (عمرو مصطفى) كلامه، ويضيف بما معناه أنه موهبة ومنحة ربانية، ويشير بإصبعه إلى السماء وكأن الأمر حسم بكلمة موهبة، وانتهى النقاش وهذا المقطع وحده كاف لنسف عشرات الادعاءات التي يروج لها تجار الوهم باسم العلم وباسم الفن وباسم التطوير.
إن هذا المقطع أهديه صراحة إلى شلة الإنس الحاضنة لفنكوش المقامات، أولئك الذين يملؤون المنصات بدورات مدفوعة وإعلانات براقة عن احتراف التلاوة بالمقامات وكأن القرآن الكريم أصبح مشروعا تجاريا أو حرفة صوتية تخضع لنفس منطق الغناء والأفراح وكأن المقامات صك غفران أو مفتاح قبول إلهي.
إن ادعاء احتراف التلاوة بالمقامات هو قمة المسخرة وقمة النصب والاحتيال، لأن التلاوة عبادة قبل أن تكون صوتا وخشوعا قبل أن تكون تقنية وأداء قبل أن يكون استعراضا، ولأن كبار القراء الذين هزوا القلوب عبر التاريخ لم يجلسوا في دورات مقامات ولم يتحدثوا عن سلالم موسيقية بل تشكل أداؤهم عبر الفهم والتدبر والتلقي الصحيح والموهبة الصادقة.
وحين يأتي موسيقي محترف ويقول بوضوح إنه لا يعرف المقامات ولا السلم الموسيقي ثم ينجح ويبدع، فهذا وحده كاف لكشف زيف الخطاب الذي يحاول إقناع الناس أن كل شيء يمكن اختزاله في كورس مدفوع وشهادة ورقية وإعلان على فيسبوك.
إننا نعيش في زمن الفنكوش بامتياز زمن تسليع كل شيء وتسويق أي وهم عند (المصري) طالما هناك جمهور جاهز للدفع والتصديق جمهور تربى على التصفيق لا على التفكير، وعلى الانبهار لا على الفهم ومن هنا تتصل كل هذه الظواهر بخيط واحد هو غياب الوعي وانهيار التربية وتراجع العقل النقدي.
فالشاب (المصري) الذي يبكي عند رؤية مغن هو نفسه الذي يصدق إعلان احتراف التلاوة بالمقامات، وهو نفسه الذي يحلم بدخول معهد تمثيل لا يفتح أبوابه إلا للأسماء المحجوزة، وهو نفسه الذي فقد البوصلة ولم يعد يميز بين القيمة والضجيج ولا بين الموهبة والحيلة.
إن المقالة ليست دعوة للكراهية ولا عداء للفن ولا إنكارا للموهبة، بل هى صرخة في وجه الزيف، ودعوة لإعادة الاعتبار للعقل وللتربية وللقيم الحقيقية التي تصنع إنسانا لا مهووسا ومبدعا لا تابعا وواعيا لا مستهلكا.. ألا قد بلغت اللهم فاشهد.
* المحامي بالنقض، منسق ائتلاف مصر فوق الجميع