

بقلم الكاتب الصحفي: أحمد الغريب
مساء الثلاثاء 25 مارس الماضي، اعتقلت قوات الاحتلال الإسرائيلي المخرج الفلسطيني (حمدان بلال)، أحد المشاركين في إخراج الفيلم الوثائقي الحائز على جائزة الأوسكار (لا أرض أخرى)، – أوّل أوسكار في تاريخ فلسطين- ، ذلك عقب تعرضه لاعتداء عنيف من قبل مجموعة من المستوطنين في قرية (سوسيا) (جنوب الضفة الغربية المحتلة) بحسب ما أفادت به منظمات حقوقية دولية وفلسطينية وشهود عيان.
بحسب بيان صادر عن منظمة (مركز اليهود لعدم العنف) فإن عشرات المستوطنين اقتحموا (سوسيا) الواقعة ضمن منطقة (مسافر يطا) المهددة بالتهجير من جانب السلطات الإسرائيلية، حيث اعتدوا على ممتلكات السكان المحليين، قبل أن يهاجموا (حمدان بلال) بالضرب المبرح مما أسفر عن إصابته بجروح في الرأس ونزف حاد.
رغم حالته الصحية الحرجة، أقدمت قوات الاحتلال الإسرائيلي على اقتحام سيارة الإسعاف التي كانت تقدم لـ (حمدان بلال) العلاج، واعتقلته مع فلسطيني آخر، ورغم حالته الصحية، أفاد شهود بأن (الجيش الإسرائيلي بأنه تم اقتيادهما معصوبي العينين لجهة غير معروفة).

الاعتداء على (حمدان بلال)
وسائل إعلام دولية، وفي معرض حديثها عن الواقعة (نقلت عن بعض شهود العيان، منهم الناشط (جوش كيملمان) الذي كان حاضرًا بالموقع، قوله – (لا نعرف أين (حمدان) لأنه تم اقتياده معصوب العينين).
أما المخرج الإسرائيلي (يوفال أبراهام) الذي شارك في إخراج الفيلم إلى جانب (حمدان بلال)، فكتب هو الآخر عبر منصة (إكس): أن ما تعرض له زميله (محاولة إعدام ميدانية) مشيرًا إلى أن (حمدان بلال) استدعى سيارة الإسعاف بنفسه بعد تعرضه للاعتداء، إلا أن الجنود الإسرائيليين اقتحموا السيارة لاحقًا واقتادوه إلى جهة مجهولة، ولم يتم التواصل معه منذ ذلك الحين.
الاعتداء على (حمدان بلال) جاء في سياق تصعيد متواصل من قبل المستوطنين ضد الفلسطينيين في مناطق (ج) بالضفة الغربية التي تخضع لسيطرة أمنية ومدنية إسرائيلية كاملة، حيث تشهد في الأشهر الأخيرة موجة غير مسبوقة من العنف، بما في ذلك الاعتداءات الجسدية، وإحراق الممتلكات، ومحاولات التهجير القسري، وسط تواطؤ واضح من جيش الاحتلال.
وبعد ساعات من التحقيق معه أطلقت شرطة الاحتلال الإسرائيلي سراح (حمدان بلال)، ونشر (باسل عدرا) – شريك بلال في إخراج الفيلم – على منصة (إكس) صورة له في المستشفى بعد إطلاق سراحه وقد بدت ملابسه ملطّخة بالدماء.
وقال (عدرا) إن (حمدان بلال) أطلق سراحه وهو حاليا في الخليل يتلقى العلاج، تعرّض للضرب على يد جنود ومستوطنين، مضيفا أن (جنودا تركوه معصوب العينين ومكبّل اليدين).
أما (حمدان بلال) ذاته وفي تصريحات له نقلتها شبكة (إيه بي سي) الأمريكية، فقال عقب إطلاق سراحه، إن (الهجوم عليّ كان عنيفا جدا ونزفت من كل مكان”، وأضاف أن المستوطنين استمروا في ضربه نحو ثلث ساعة”، وحول تهمة “رشق الحجارة” الموجهة له من قبل الاحتلال.
أوضح (حمدان بلال): (لم أرم حجارة أو أفتعل مشكلة مع المستوطنين)، وأكد أن جنديين بزي مدني شاركا المستوطنين بمهاجمته، وقال: (خفت وشعرت أني سأفقد حياتي عندما هاجموني).

نقل معاناة الفلسطينيين
حالة الترصد الإسرائيلي المتواصلة للمخرج الفلسطيني (بلال حمدان)، جاءت على خلفية نجاح فيلم (لا أرض أخرى) (No Other Land)، وهو إنتاج مشترك بين فلسطين والنرويج، ومن إخراج رباعي يتكون من الثنائي الفلسطيني (باسل عدرا) و(بلال حمدان)، والثنائي الإسرائيلي (يوفال أبراهام) و(راحيل تسور).
الذين تُعرف عنهم نشاطاتهم الداعمة للقضية الفلسطينية، ويُعد الفيلم بمثابة عمل مقاوم لنقل معاناة الفلسطينيين في مواجهة ممارسات الاحتلال الإسرائيلي، حيث يوثق التهجير القسري في منطقة (مسافر يطا) بالضفة الفلسطينية المحتلة.
وعلى مدار 95 دقيقة، يُبرز الفيلم ممارسات الهدم والتهجير التي قامت بها سلطات الاحتلال ضد سكان مسافر يطا منذ عام 2019 وحتى عام 2023، ويتناول العمل السينمائي بأسلوب وثائقي تأثير هذه الاعتداءات على حياة السكان اليومية، مسلطًا الضوء على حجم المعاناة الإنسانية الناتجة عنها.
ويتتبع الفيلم، الناشط الفلسطيني (باسل عدرا) وهو يخاطر بالاعتقال لتوثيق تدمير مسقط رأسه في الطرف الجنوبي للضفة الغربية، التي يقوم الجنود الإسرائيليون بهدمها لاستخدامها كمنطقة تدريب عسكرية.

وقف التطهير العرقي
إثر فوزهم بالأوسكار دعا صناع الفيلم إلى وقف التطهير العرقي ضد الفلسطينيين في غزة والضفة الغربية، وقال (باسل عدرا): (ندعو العالم إلى اتخاذ إجراءات جادة لوقف الظلم ووقف التطهير العرقي ضد الشعب الفلسطيني).
ومن جانبه، قال الشريك الإسرائيلي في صنع الفيلم (يوفال أبراهام): (لقد صنعنا هذا الفيلم، فلسطينيين وإسرائيليين، لأن أصواتنا معا أقوى، إننا نرى أن تدمير غزة وشعبها، يجب أن ينتهي).
ويضاف فوز الفيلم بجائزة الأوسكار لأفضل فيلم وثائقي، إلى قائمة تضم 45 جائزة حصل عليها الفيلم منذ إصداره عام 2024، من بينها جائزة أفضل فيلم وثائقي في جوائز الفيلم الأوروبي 2024، ومهرجان برلين السينمائي الدولي 2024، وجوائز جوثام 2024.
كما نال الفيلم إشادة نقدية واسعة وحصل على تقييمات (خمس نجوم) في وسائل الإعلام العالمية، كما عُرض في جميع أنحاء العالم ونفدت تذاكر عروضه المستقلة في الولايات المتحدة باستمرار. ومع ذلك، لم يوافق أي موزع أمريكي على عرضه على نطاق واسع داخل أمريكا، والسبب الوحيد وراء ذلك هو موضوعه: فلسطين.

ترحيب وانتقاد
فوز الفيلم بجائزة الأوسكار، أثار في حينه حالة من الفرح والفخر بين جمهور منصات التواصل الفلسطينية والعربية، في حين أثار غضبا وانتقادات من الجانب الإسرائيلي.
إذ وصف مغردون فلسطينيون هذا الانتصار بأنه يعكس إصرار الشعب الفلسطيني على إيصال قضيته للعالم رغم كل العقبات، وأشاد آخرون بجهود (باسل عدرا) وزملائه في نقل معاناة سكان (مسافر يطا) إلى شاشة السينما، معتبرين أن الفيلم يمثل انتصارًا للرواية الفلسطينية عالميًا.
كما أكد عدد من النشطاء أن فوز فيلم (لا أرض أخرى) بجائزة الأوسكار يعكس تحولًا في كيفية تلقي العالم للرواية الفلسطينية، مشيرين إلى أن الفيلم أسهم في فضح جرائم الاحتلال من تهجير قسري وهدم للمنازل.
كما دعا ناشطون إلى مشاهدة الفيلم ونشره على نطاق واسع، تقديرًا لجهود فريق العمل، الذي وثّق بشجاعة معاناة أهالي مسافر يطا لسنوات طويلة، على أمل أن يسهم ذلك في زيادة الوعي العالمي بالممارسات الإسرائيلية في الأراضي المحتلة.

لحظة حزينة لعالم السينما
في المقابل، أثار فوز الفيلم موجة من الانتقادات والغضب في الجانب الإسرائيلي، فعلى سبيل المثال وفي أعقاب فوز الفيلم بالجائزة، شنت إسرائيل حملة تنديد بالفيلم، إذ هاجم وزير الثقافة الإسرائيلي (ميكي زوهار)، الفيلم وفي تغريدة له على منصة (إكس).
قال (زوهار) إن فوز فيلم (لا أرض أخرى) بجائزة أوسكار يعد لحظة حزينة لعالم السينما، بدلا من عرض التعقيد في واقعنا، اختار مخرجو الأفلام ترديد الروايات التي تشوه صورة إسرائيل في العالم.
وأضاف (زوهار): إن حرية التعبير قيمة مهمة، ولكن تحويل تشويه إسرائيل إلى أداة للترويج الدولي لا يعد إبداعا، إنه تخريب لدولة إسرائيل، وبعد (مذبحة) 7 أكتوبر، والحرب الدائرة حاليا، يضاعف ذلك من الأضرار.
كما انتقدت (القناة الـ14 الإسرائيلية) هذا الفوز، ووصفت الفيلم بأنه (وثائقي معادٍ لإسرائيل)، مضيفة أن (هوليود تثبت مجددًا أنها اختارت الوقوف إلى جانب الطرف الآخر)

الحماية الأمريكية لإسرائيل
رد الفعل الغاضب فضح معه مسألة إن التصوير الواقعي والصادم للجرائم الإسرائيلية المستمرة هو أمر تخشى شركات التوزيع الأمريكية عرضه. وهذا يحدث في دولة تتفاخر بأنها حامية لحرية التعبير بموجب دستورها، كما كشف هذا الخوف عن مدى حملة محو فلسطين في الولايات المتحدة، التي تؤثر على جميع جوانب الحياة العامة، من التعليم إلى الإعلام والفنون والسينما.
ولطالما تعرضت الثقافة والتاريخ الفلسطينيان لمحاولات طمس منذ عام 1948، حيث سعت إسرائيل إلى تبرير استيلائها على الأراضي من خلال الادعاء بأن الفلسطينيين لا وجود لهم ولا يحق لهم المطالبة بأرضهم. وقد سيطر هذا السرد على الرأي العام في الدول الغربية الداعمة لإسرائيل، وعلى رأسها الولايات المتحدة.
وبطبيعة الحال فالمحافظة من جانب إسرائيل على هذا السرد أمر بالغ الأهمية لاستمرار الدعم السياسي الأمريكي لإسرائيل، فإذا تعرض الشعب الأمريكي لمزيد من المعلومات حول ما يحدث في فلسطين، وإذا ظهرت الرواية الفلسطينية في وسائل الإعلام السائدة، وإذا أُتيحت الفرصة للفلسطينيين لسرد معاناتهم من الإبادة الجماعية والفصل العنصري، فستتغير المواقف العامة بشكل كبير.
هنا يجب لفت الانتباه إلي إن استطلاعات الرأي أظهرت خلال العام الماضي أن الأمريكيين، خاصة الديمقراطيين، لا يوافقون على سياسات حكومتهم تجاه إسرائيل وفلسطين، وعندما كانت إدارة الرئيس (جو بايدن) ترفض دعم وقف إطلاق النار في غزة، كان غالبية الديمقراطيين يؤيدون ذلك.
وقد أدى هذا الموقف في النهاية إلى خسارة (كامالا هاريس) عددًا لا يُحصى من الأصوات في الانتخابات الرئاسية، لذلك فإن أي تحول كبير في الرأي العام بشأن إسرائيل وفلسطين سيجعل من الصعب على الكونجرس الأمريكي الاستمرار في تمويل الجيش الإسرائيلي بمليارات الدولارات ودعمه السياسي للاحتلال والفصل العنصري.
يشار إلى أن أكاديمية فنون وعلوم الصور المتحركة الأمريكية، اعتذرت في وقتاً لاحق عن تجاهل اسم المخرج (حمدان بلال)، ففي رسالة إلى أعضاء الأكاديمية، قال الرئيس التنفيذي للأكاديمية (بيل كرامر) ورئيستها، (جانيت يانغ)، إنهما يأسفان لأنهما لم يصدرا بياناً مباشراً عن (حمدان بلال).
كما أصدر أكثر من 600 عضو في الأكاديمية التي تضم 11 ألف عضو، رسالة مفتوحة، قالت إن “بيان الأكاديمية لم يرق إلى المشاعر التي تستحقها هذه اللحظة.
وبعد اجتماع مجلس محافظي الأكاديمية، استجاب (كريمر) و(يانغ) ببيان جديد، وكتبا لأعضاء الأكاديمية “نعتذر بصدق للسيد (بلال) وجميع الفنانين الذين شعروا بعدم دعم بياننا السابق، ونريد أن نوضح أن الأكاديمية تدين هذا النوع من العنف في أي مكان في العالم.. نحن نكره قمع حرية التعبير تحت أي ظرف من الظروف.
كذلك أدين الهجوم، على نطاق واسع من العديد من منظمات الأفلام الغربية، وآخرين، وأصدرت الأكاديمية، بياناً يدين (إيذاء الفنانين أو قمعهم بسبب عملهم أو وجهات نظرهم).

منع الأصوات الإسرائيلية المعارضة
إجمالاً يجب التأكيد على أن الرقابة الإسرائيلية – الأمريكية، على الفيلم لا تقتصر على كونه وثائقيًا فلسطينيًا، بل لأنه يروي القصة من خلال تعاون فلسطيني- إسرائيلي، إذ لم يكن الصوت الفلسطيني وحده هو الذي تحدث عن المعاناة، بل ظهر أيضًا صوت إسرائيلي يعارض الاحتلال.
وبالطبع فإن سماع إسرائيلي ينتقد الفصل العنصري والاحتلال أمر غير مقبول بالنسبة للمؤسسات الإسرائيلية وداعميها في الغرب، حيث يتناقض ذلك مع السردية السائدة التي تصور إسرائيل كـ (بوصلة أخلاقية)، وتدعي أن كل الفلسطينيين يسعون إلى إبادة اليهود.
كما يشار إلي أن اليهود الأمريكيون الذين يشاركون رؤية (أبراهام وبلال) ويتحدثون ضد إسرائيل يتعرضون للمضايقة والرقابة والاتهام بمعاداة السامية، بل والاعتقال خلال التظاهرات، حتى (أبراهام) نفسه تعرض لعداء في ألمانيا، حيث تم اعتباره (غير مرحب به) بعد خطابه في مهرجان برلين السينمائي العام الماضي.
كذلك سارع السياسيون الألمان إلى وصفه في حينه بـ (المعادي للسامية)، وزعمت بلدية برلين أن فيلمه يُظهر (نزعات معادية للسامية)، وكما هو الحال في الولايات المتحدة، ضاعفت ألمانيا دعمها لإسرائيل منذ بداية عدوانها على غزة.
وبهذا، تحولت الدول الغربية الداعمة لإسرائيل إلى عقبة أمام تحقيق السلام، كما أشار (أبراهام) في خطابه حين قال: (السياسة الخارجية الأمريكية هي التي تُعيق تحقيق السلام)، وللحديث بقية..