رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(قهوة المحطة).. رهافة القصة، وبراعة الأداء، وروعة الإخراج

قبض (عبد الرحيم كمال) على اللحظة الإنسانية بجبروت (الرهافة) في الكتابة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

حين تكتمل (الرهافة) في أوجها، فأنت أمام قطعة قماش من حرير ينسجها (عبد الرحيم كمال) في (قهوة المحطة)، ببراعة قصة وسيناريو غاية في الإتقان، تشبع عيناك من فرط ألوانهما الزاهية في إتقان غير مخل.. مشبعة بالمشاعر المتدفقة، تنسجم بمداد روحي ساحر في بهاء آسر يشعر به القلب، وتحلق معه عصافير الحلم الضائع والحائر في سماء إبداع لاينتهي.

انتهت أحداث (قهوة المحطة)، وتركت في القلب غصة، جراء ضياع شاب برئ يحمل بين جنباته حلم صعب المنال، و(ما أصعب على الإنسان أن يحمل حلما لايقوى على تحقيقه)، في دنيا مليئة بالوحوش البشرية تتفن في لي عنقه الإنسانية التي تسكنه، وتدفن رأسه في التراب لمجرد أن يحلم بالتمثيل والنجومية في هذا الزمن الصعب.. ياله من زمن ردئ.

حتما لم ينكأ (عبد الرحيم كمال) في (قهوة المحطة) جراج (شكسيبر) في مآسيه الكبري وحده، بل نكأ جروحا كثيرة غائرة في نفوسنا المعذبة في الأرض، حين سكن خياله مجموعة من الشخصيات الميلودرمية الغارقة في بحار الشر والخديعة مثل سوس ينخر في عظام الإنسانية حين يصيبها العطب، فصنع منها قطعة أرابيسك بديعة في منمنماتها.

قبض (عبد الرحيم كمال) على اللحظة الإنسانية بجبروت (الرهافة) في الكتابة، وهل للرهافة من جبروت، رغم أنها تعني رقة المشاعر؟، نعم للرهافة جبروت عندما نكون أمام كتابة حبرها نابع من القلب وارروح الصوفية، في تدفق ساحر ألزمه صناعة أحداث وخلق مواقف وشخصيات متناقضة في سلوكها ومشاعرها جعلت منها كل واحد من الممثلين بطل في أدائه.

عبر 15 حلقة استمتعنا بمسلسل (قهوة المحطة) الذي غاص بخيال واع من جانب (عبد الرحيم كمال)، وحركة كاميرا ذكية لإسلام خيري، تفتش في الزوايا عبر منحنيات درامية غاية في الروعة، تصحبها موسيقى باعثة على الشجن المحبب في النفوس المتعبة، وإضاءة موحية تفاعلت معها الشخصيات بمداد من أداء عذب، يقوى على انتزاع الدمعة من المقل.

يصحبنا (عبد الرحيم كمال) على بساطه الناعم عبر قفشات رائقة على لسان بطله (مؤمن الصاوي)

بساط (عبد الرحيم كمال) الساحر

وفي زحمة الأحداث وتلك العبرات المتدفقة من عيون ذاهلة يصحبنا (عبد الرحيم كمال) على بساطه الناعم عبر قفشات رائقة على لسان بطله (مؤمن الصاوي) الذي برع في أداء شخصيته الممثل الشاب (أحمد غزي)، ذلك الذي تمتع بلغة جسد معبرة للغاية، وبفرط من سخرية مرة، راح يجوب الغيطان، سابحا مع موج النيل في بواطن حلمه المشروع.

ربما كانت نبرة السخرية تلك على لسان (مؤمن الصاوي)، جاءت عن قصد لتلخص مأساة ذلك الصعيدي القادم من (سوهاج) إلى (قهوة المحطة) كرمز حي على حال مصر الآن، خاصة أنه كان محملا بدفء حلم التمثيل وتحقيق النجومية في عالم القاهرة المكتظة بسراب الأحلام، حيث قابل وجوها أقلها كراهة هى (شوق/ فاتن سعيد) الحبيبة المسكونة بالبراءة في بيت تحيطه خيوط العنكبوت.

فالأب (خليفة/ ضياء عبد الخالق) تتنتابه حالات من الهوس بزوجته التي تركته وذهبت لحال سبيلها بحثا عن الأمان المفقود مع سائق شاحنة قتلها بعد محاولات استمالتها دون جدوى، لتلقي بظلال قاتمة وكئيبة على حياة (شوق) وأبوها (خليفة)، ليظل نشيجا هادرا يخيم على حياتهما.. يالها من مأساة تفوق (مآسي شكبير الكبرى).

المعادل البصري في تحفة (قهوة المحطة)، كان قويا وفارقا في صناعة أحداث متقنة، جعلت كل فريق العمل في حالة تناغم، رغم مرارة اللحظات المؤلمة في حياة كل واحد من الشخصيات الدرامية، أولئك الذين عزفوا سيمفونية عذبة في الأداء التراجيدي على شدة تلك المآسي ونبرات الحزن المكتوم.. إنه السيناريو الذي صنع حبكة درامية فاتنة كقطعة الألماس الحر.

قدم (بيومي فؤاد) دراسا تمثيليا في الأداء التراجيدي

بيومي فؤاد يقدم درسا تمثيليا

فها هو (بيومي فؤاد) فعلى الرغم من كونه ممثلا كوميديا إلا أنه يقدم دراسا تمثيليا في الأداء التراجيدي يعد فارقا في حياته المهنية، عبر عينان معبرتان إلى أقصى درجات الصدق، ولغة جسد تدرك معاني الصمت والسكون في خلق حالة من التماهي مع شخصية (المعلم رياض).

نعم كان أداءا فارقا في ذهابه وإيابه متقلبا على نفسه في الغوص في بواطن الشخصية، ومن فرط عذوبة أدائه جعلنا نبكي بكاءا مرا، خاصة في الحلقة أثناء اعترافه بأن (طارق) ابنه الذي خطفه ورباه في كنفه، وهو ابن (مدام جورجيت) وزوجها (منير) اللذين انتظراه طوال 22 عاما من الألم والمرارة على فقدانه.

ذكاء المخرج (إسلام خيري) بدا واضحا في فهم النص

إسلام خيري وفهم النص

ظني أن عذوبة أداء (بيومي فؤاد) تعود بالأساس إلى سيناريو (فاتن في روعته) من جانب (عبد الرحيم كمال)، وذكاء المخرج (إسلام خيري)، الذي على مايبدو هو الآخر عاش تجليات (كمال) في السيناريو بكل جوارحه، وهو ما انعكس على (الكلوز آب) في بعض المشاهد الصامتة، والذي صنعه (خيري) بحرفية وقدرة عالية على فهم النص، وتوظيفه للموسيقى والأغاني والإضاءة.

وتبارى باقي فريق العمل في الأداء المسكون بالإبداع الحي، ولعلنا نلحظ ذلك واضحا جليا في أداء الفنان الشاب (أحمد غزي)، فقد صال وجال في شخصية (مؤمن الصاوي)، ليقدم لنا موهبة متوقدة، ملئها الحماس، وقدرة الممثل على الذوبان في سردية حية عبر نص (عبد الرحيم كمال) الذي ساهم في جودة أدائه.

أحمد غزي.. امتلك أداء حالم أنقذنا من التلوث البصري

أحمد غزي أداء حالم

ظني أن (أحمد غزي) بعد (قهوة المحطة)، لابد له من لفت نظر المخرجين، وشركات الإنتاج الباحثة عن مواهب مصرية حقيقية يمكنها أن تنقذنا من التلوث البصري الحاصل في مسلسلات شوهت شكل وملامح الدراما المصرية على جناح العنف والقسوة ومخاصمة الإنسانية التي ضاعت وسط الزحام.

وأتوقف عند أداء (ضياء عبد الخالق) الذي أدهشنا بجبروت موهبته، من خلال أداء تراجيدي غاية في الصعوبة، عندما ذهبنا بنا عبر شخصية (خليفة) الأب المكلوم على زوجته، وقد لعب المكياج دورا مهما في جعل الشخصية على هذه الهيئة المنفرة تارة، وتارات أخرى من دروب التعاطف معه لأنه ببساطة عاش المأساة بكاملها.

في براعة مطلقة عاش معنا (خليفة) أزمان مختلفة من خلال أغان تبعث على الشجن، محملة بدفء الزمن الجميل في فتوة المعاني والدلالات على حياة هؤلاء المهمشين في الأرض، وذلك قبل أن تنتابه نوبات من الغضب الذي يصبه على ابنته (شوق) التي يراها قبل أن يدرك عقله لأنها تشبه أمها في سلوكها.

فاتن سعيد.. امتلكت قدرة خاصة في الأداء بعفوية دون تشنج أو تلكف

فاتن سعيد زهرة برية

أما (شوق) التي جسدتها (فاتن سعيد) تلك الممثلة التي برعت في إقناعنا بأنها زهرة برية بريئة، ألقت بها الرياح في مهاوي الردى، لكنها امتلكت قدرة خاصة في الأداء بعفوية دون تشنج أو تلكف، ما يعكس جوهر موهبتها الآسرة، كانت (فاتن سعيد) فعلا رمزا للبراءة المستمدة من رهافة سيناريو (عبد الرحيم كمال).

(رياض الخولي) معروف بخشونة أدائه في كافة أدواره السابقة، لكنه هنا يجسد شخصية (الملك) بطريقة هادئة تخبرك بعملقة الأداء الصعب، فقد اجتهدت في كبح جماع شخصيته الصعبة، وحلق عاليا في رحاب الشر المصحوب بلمسات كوميدية، وخبث يفوق قدرتنا على الدهشة، إنها خبرة السنين في المسرح والسينما والتلفزيون.

انتصار.. استخدمت أسلوب الحرباء في أداء صعيدي
هالة صدقي.. فجر الطاقة الإيجابية التي لازمتها طوال الأحدث

انتصار وهالة صدقي

الرائعتان (انتصار، وهالة صدقي)، الأولى استخدمت أسلوب الحرباء في أداء صعيدي – ربما لأول مرة – لتجسد دور (ألفت) الغاضبة من تصرفات زوجها، المكلومة بابنها (هاني)،، الذي كسر قلبها في نهاية الأحداث بموت أدمى قلبها، وهى التي كثير من نصحته أن يقلع عن الإدمان، لكنه الضرورة الحتمية التي لجأ لها (عبد الرحيم كمال) في السيناريو.

الثانية (هالة صدقي) خالفت كل أدوراها التي تشوبها مسحة الصوت العالي وجبروت المرأة القوية صعبة الشكيمة، لتقدم دورا ناعما هادئا للمرأة المسيحية التي فقدت ابنها، فلم تولول كعادة النساء في تلك الحالة، لكنها ارتدت ثوبا من السماحة والرضا بالقضاء والقدرة، وتبدو إمرأة صبورة واثقة من عودة ابنها، وهو ما فجر الطاقة الإيجابية التي لازمتها طوال الأحدث، فعلى قدر مرارتها كانت تبدو في صورة (ملاك الرحمة) والإنسانية.

(محمد الصاوي) في صمتها بلاغة وحكمة، تشير إلى خبرة الممثل عندما يستغي عن الصوت، ويكون الوجه معبرا أصدق تعبير، حتى حركات الشفاة التي كان يحاول أن ينطق بها وهو جالس على كرسي متحرك، وحركة ميل الرأس كانت كلها عوامل تؤكد قدرته على التعبير الصامت المفعم بالصدق.

ضياء عبد الخالق
أحمد خالد صالح
علاء عوض
يوسف عثمان

كانوا جميعا غاية في البراعة

ويجدر بي القول أن باقي فريق العمل التمثيلي في (قهوة المحطة) كانوا جميعا غاية في البراعة وإتقان الأداء بفعالية، مثل (علاء عوض) في شخصية (جولي) حيث أبدى نضجا كل كبيرا يضعه في قائمة المجيدين حقا.

وكذا (أحمد خالد صالح) في دور (المقدم عمر موافي) الذي منحه فرصة الأداء الجيد والمغاير لكل أدواره السابقة، تخطى (أحمد) في تلك الشخصية ذلك الجمود الذي لازمه طوال رحلته في التمثيل ليبت أن ابن الوز عوام.

وشيئا من هذا القبيل كان مع (أحمد ماجد) في شخصية (السيناريست محمد نجم)، حيث قدم دور الرواي والكاتب بجدية الممثل الذي ذهب في آهاب الشخصية المرسومة بعانية (عبد الرحيم كمال) وذكاء (إسلام خيري).

وأيضا (يوسف عثمان) ذلك الممثل الذي عبر بصدق منقطع النظير في شخصية (طارق) ولعل عيناه كانت الأكثر تعبيرا عن مرارة فقدان أبيه وأمه، وفي لحظات التحدي للمعلم (رياض)، ومحاولة معرفة أهله الحقيقين، كانت الدموع عزيزة وغالية وهى تنساب رغما عنه مصحوبة بحشرجة في الصوت المجروع بفعل الفقد

كما لابد لي من الإشادة بأداء (حسن أبو الروس) في شخصية (ريشة)، وكذلك الممثل الشاب (عمر شريف بدر) في شخصية (هاني)، حيث جسد دور المدمن بطريقة تؤكد موهبته القادمة على الطريق.

بقي لي أن أقول إذا كان السيناريو مكتوبا بحبر قلم كاتب محترف مثل (عبد الرحيم كمال)، ومخرج متمكن مثل (إسلام خيري)، لابد أن يحالف عمل مثل (قهوة المحطة) نجاحا فارقا في موسم رمضان 2025).. فتحية تقدير واحترام لكليهما، بقدر تلك المتعة التي أنقذتنا من تلوث مسلسلات الـ (30 حلقة) التي شوهت هذا الموسم رغم أني أعتبره أفضل موسم درامي مصري منذ عشر سنوات.

أحمد ماجد
حسن أبو الروس

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.