
بقلم الفنان التشكيلي الكبير: حسين نوح
في بداية الشهر الكريم قررت أن اتابع في النصف الأول بعض الاعمال اعرف العاملين بها واخترت مسلسل (ولاد الشمس) لتكون بداية المتابعه، فقد أثلج صدري هذا العام أن كثير من المسلسلات لم تتجاوز الـ 15 حلقة، وتلك قيمة تجعل ريتم العمل أسرع ونتجنب الحوارات والتطويل والمط فنشاهد الاحداث تتوالى دون استرسال وهذا ما تميز به مسلسل (ولاد الشمس).
المسلسل من اخراج شادي عبد السلام وتأليف مهاب طارق وقد سجل هذا الثنائي اسميهما بحروف من ذهب اما نجوم العمل العملاق محمود حميدة وشباب النجوم (أحمد مالك وطه الدسوقي وفرح يوسف ومريم الجندي وجلا هاشم ومعتز هشام) والذي جسد دور (قطايف).
ولفت نظري في (ولاد الشمس) الفنان الموهوب (مينا أبو الدهب) بلا أي مبالغة، شاهدت عمل ممتع يحترم العقل لمخرج مدرك لدلالات الصورة وتوظيف الإضاءة واختيار الأماكن بعبقرية تضاف إلى عبقريته في اختيار أبطال العمل وتسكين كل الأدوار بشكل يؤكد أننا أمام مخرج متمكن من كل أدواته ومفردات الكمال أو القرب من الكمال في العمل الفني
وهنا أتحدث عن اختيار الموضوع وهو المهمشين وأولاد دور الأيتام ، فكانت المعالجة الجيدة من المؤلف ، فقد أخذنا لقيمة مضافة جديده تأتي من الولاء للمكان وللأب الغير حقيقي، ومنها تنمو مع الأطفال كلمة الأخوة موضوع شديد الأهمية رغم قسوة الحياة يقدم لنا المؤلف مناطق لم نعتاد عليها فوسط هؤلاء قيم قد تكون متخفيه غير ظاهرة ولكنها في معظم البشر رغم قسوة الحياة.
في (ولاد الشمس) يعيش (ولعة) ومفتاح في دار أيتام يديرها رجل حاد الطباع يمتلك من ذكاء المعاملات ما يجعله مسيطراً علي الأطفال، فقد جعل الجميع يطلقون عليه (بابا ماجد)، وهنا معه زراعة الأيمن الرجل القصير (عبيد)، وأعتقد أن اختيار الاسم له دلاله تقترب من العبد، فهو يتعامل مع (ماجد) صاحب الدار على أنه البابا فينفذ له كل طلباتة وأوامره.

معاناة أطفال وشباب الدار
مع معاناة أطفال وشباب الدار وإدراك (ولعة/ أحمد مالك) و(مفتاح/ طة الدسوقي) أن (بابا ماجد) يستخدم الأطفال في شغل شمال وغير قانوني من حبوب مخدرة وخلافه، هنا يتمرد (ولعة ومفتاح)، ويحاولان الخلاص ويحدث الصدام مع اللعوب الخبيث ماجد ومساعدة (عبيد).
لا أرغب في سرد الأحداث، لمن لم يشاهد بعد لي ملاحظات و إرهاصات جعلتني اهتمّ بهذا العمل جداً، واتصلت بالمبدع (محمود حميدة) لتهنئة بعمل يستحق، فحين يجد الفنان عمل يرضي ضموح التجلي والإبداع فتلك أحد مفردات سعادة الفنان والنجم الحقيقي وهذا ما شعرت به مع النجم (محمود حميدة).
هل من الممكن أن يكون هذا العمل إسقاط غير مباشر عن القوة الظالمة الخبيثة ويمثلها (بابا ماجد) فتذكرت أمريكا، والقزم العبد هو (عبيد) القصير الفرح بأن يكون له دور في الدار، فجعلني أفكر في صغير يحاول أن يكون كبير، فتذكرت دويلات ودولة الاحتلال.
فالقزم رغم كل أفعالة يفشل في الدفاع عن حبيبته (أمينه) التي يريد الزواج منها، ويخبرها أنه مخلص لصاحب الفضل ! مبرر صهيوني الطابع، وتخبره أن الرجل مش بطوله الرجل يحمي زوجته.
أتذكر كلمة (بابا ماجد) محاولاً تجاهل غضب (ولعة، ومفتاح) فيقول: (إنهم زيطة أي ضجيج بلا طحين.. يطلعوا وينزلو ع الفاضي).
هل اختيار تمثال الفيل علي مكتب (بابا ماجد) مقصود به دور التوحش بالقوة ليذكرنا بمقولة فيل في محل سيراميك فيدمره، وهذا ما يفعله الديك الرومي البرتقالي!، ثم لوحة الحصان فوق سرير (بابا ماجد) هو دلاله واعية لجموح الحصان فقد تكون نهايته كما حدث لبابا ماجد في الحلقه الأخيرة.
ثم موت (قطايف) الصديق الثالث لولعه ومفتاح، وهو الوحيد القارئ والمعني بالمعرفة ومشروعه لعمل مكتبة للنور والتنوير هل مقصود!، (إمكانية انهزام المعارف في معارك مع الجهل والعشوائية والضياع).
وحين يسأل عبيد بابا ماجد: انت قتلت قطايف ليه؟، يرد (بابا ماجد) خبيث مفجوع غبي)، وتوقعت كلمة إرهابي التي تطلقها بابا أمريكا على كل من يعترض أو يقاتل من أجل أرضه.

تفريخ نجوم عظماء
هل هذا العمل طلقة لليقظة، وتحذير من (ولاد الشمس) والنظر لأولاد دور الأيتام وبالمثل أولاد الشوارع، حتي لا تكون لدينا أصابع قد تتحول للديناميت فيجب التعامل معها بحذر حتى لا تستغل بما لا يفيد المجتمع، وتتحول لسبوبه لأمثال (بابا ماجد) وأصحاب تحقيق الطموح المادي بالتنازل علي كل القيم، ومنها الإنسانية والتي كشفتها حرب غزة ولبنان وسوريا، نعيش زمن عجيب!
من حسنات (ولاد الشمس) تأكيد أن مصر لن ولم تنضب من تفريخ نجوم عظماء، في هذا العمل كان النجم (محمود حميدة) مع كتيبه من النجوم القادمه بكل مهنية وعشق للأداء دون انفعالات، ولا مبالغات في عضلات الوجه، ولا مبالغات للمكياچ فعزف الجميع مع المايسترو معزوفة مبدعه دون نشاز.
كانت الأغاني ومنها أغنية (عصام صاصا) مناسبة لنسيج العمل، وأسجل إعجابي بموسيقي (خالد الجابري)، فقد دعمت الحالة الدرامية بوعي وتوظيف مهني .
شاهدت مقاطع من بعض أعمال لا تستحق أي تمويل ولا حتي متابعه فقط عنف ومبالغات ساذجة لا تناسب لا الشهر الكريم، ولا حتي ما نعيشه ويحدث حولنا، شكراً لكل من شارك في هذا العمل الماتع، ودوام التألق فمصر وخصوصاً مع ما يحدث حولنا تستحق فنون واعية.