رضا العربي يكتب: (شم النسيم) المصري


بقلم الفلكي: رضا العربي
لم يكن المصري القديم ينظر الى السماء كزينة علوية تعلق فوق رأسه بل ككتاب مفتوح تكتب فيه قوانين الوجود بلغة الضوء والظل، كان يرفع عينيه كل صباح لا ليشاهد شروق الشمس فحسب بل ليشهد ميلاد الحياة ذاتها، فالشمس عنده لم تكن جرما سماويا عابرا بل سرا متجددا تظهر فيبعث الكون من سباته وتغيب فيدخل كل شيء في صمت يشبه الموت، من هنا ولد الربيع أو عيد (شم النسيم).
ومن هذا الايقاع اليومي البسيط استنبط حكمة كبرى ما يغيب لا يفنى وما يعود لم يكن عدما بل كان انتظارا، وهكذا تشكلت في وجدانه فكرة الحياة الأخرى لا كعقيدة مفروضة بل كاستنتاج كوني حي.
ثم مضى أبعد من ذلك لم يكتف بملاحظة الشروق والغروب بل راقب زمن بقاء الشمس في السماء لاحظ انها لا تسير على وتيرة واحدة، بل تتبدل يوم يطول حتى يكاد يبتلع الليل ويوم يقصر، حتى يكاد يختفي وأيام يتعادل فيها النور والظلام، كان الكون بلغ لحظة توازن دقيقة بين نقيضين.
هنا بدا العقل المصري القديم يشتغل كفيلسوف قبل أن يكون راصدا، أدرك أن هذا التغير ليس عبثا بل نظاما، وأن هذا النظام ليس ساكنا بل حركة دائمة دائرة لا تنقطع، فربط بين مسير الشمس ومسار أعظم، وجعل لهذه الرحلة تقسيما دقيقا إثنا عشر مقاما أو ما نسميه اليوم بالبروج مع ميلاد عيد (شم النسيم).
وحين تامل لحظة الاعتدال الربيعي تلك اللحظة التي يتساوى فيها الليل والنهار أدرك أنها ليست مجرد نقطة زمنية بل بوابة عبور، هناك عند بداية برج الحمل تعود الحياة لتتنفس من جديد بعد سكون الشتاء، فكانت تلك اللحظة عنده إعلانا كونيا لبداية دورة جديدة، ومن هنا ولد عيد (شم النسيم) لا كاحتفال ارضي بل كاحتفاء بانبعاث الوجود نفسه.

إنها دائرة الوجود
ثم بدأ يقرا طبائع هذه المقامات رأى أن البداية لا بد أن تكون انقلابا من موت إلى حياة من سكون إلى حركة، فجعل الحمل برجا منقلبا ونسب إليه النار، لأنها أول ما يوقظ الجماد ثم يأتي الثور، حيث تستقر الارض وتحتضن البذور فكان الثبات والتراب ثم الجوزاء.
حيث تختلط الفصول وتتحرك الرياح فكان التغير والهواء وأخيرا السرطان، حيث تكتمل الدورة بالماء أصل التكوين ووعاء الحياة.
ولم تكن هذه مجرد تصنيفات بل فلسفة متكاملة كل عنصر يكمل الآخر وكل طور يحمل نقيضه في داخله النار لا تكتمل إلا بالتراب، والتراب لا يحيا إلا بالهواء والهواء لا يثمر إلا بالماء.. إنها دائرة الوجود، حيث لا بداية حقيقية ولا نهاية مطلقة بل تحولات مستمرة في جوهر واحد.
ومن هذا الفهم العميق صاغ المصري القديم رؤيته للعالم أن السماء ليست منفصلة عن الأرض بل هي صورتها العليا، وأن ما يحدث هناك ينعكس هنا، وأن الانسان ليس كائنا هامشيا في هذا الكون بل نقطة التقاء بين العلو والسفل بين الزمان والمكان.
وهكذا أدرك ببصيرته قبل بصره أن الكل في واحد، والواحد في الكل مع ميلاد (سم النسيم)، وأن مصر في رمزيته العميقة ليست مجرد أرض بل صفحة كونية كتبت عليها أسرار السماء بلغة التراب والنور.