رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

عصام السيد يكتب: في (شم النسيم): مصر تصحو!

عصام السيد يكتب: في (شم النسيم): مصر تصحو!
كان المصري القديم يعتقد أن هذا اليوم هو لحظة التوازن بين الليل والنهار

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد

آه يا نايمة.. آه يا خم النوم

قومى افرحى بشبابك يوم

(شم النسيم).. فرش الكليم.. للمعازيم

بفسيخ قديم.. و بصل على توم!

هكذا صاغ عمنا الشاعر الكبير صلاح جاهين كلماته عن (شم النسيم) في افتتاحية مسرحية الحرافيش التي كتبها صديقه عمنا (عبد الرحمن شوقي)، وقدمتها الفرقة الغنائية الاستعراضية في منتصف الستينات من إخراج أستاذنا (سعد أردش) وقام ببطولتها النجوم (عبد المنعم إبراهيم وهدى سلطان ومحمد رضا).

وكلما جاء (شم النسيم) تذكرت هذه المسرحية وتلك الكلمات بالتحديد.. ففي تلك الكلمات صاغ (جاهين) حكمة هذا العيد – أو الاحتفال – منذ بدايته في عصر قدماء المصريين وحتى الآن، فهو عيد بداية موسم الحصاد حيث تزدهر الدنيا وتصحو الحياة من غفوة الشتاء، و معها تصحو مصر (خُم النوم) أي كثيرة النوم.

وتعود حكاية (شم النسيم) إلى مصر القديمة، إلى زمنٍ كان فيه الإنسان يراقب النيل والشمس والزرع، ويقرأ منها أسرار الحياة.. لم يكن العيد آنذاك مجرد مناسبة للفرح، بل كان احتفالًا كونيًا ببداية الخلق وتجدد الحياة.

فقد كان المصري القديم يعتقد أن هذا اليوم هو لحظة التوازن بين الليل والنهار، حيث تتساوى قوى الكون، وتتهيأ الأرض لاستقبال دورة جديدة من الحياة.. حيث تبدأ الزهور في التفتح الذى يمثل انبعاث الحياة من جديد.

لذلك، كان الخروج إلى الطبيعة جزءًا من الطقس المقدّس، وكأن الإنسان يعود إلى أصله الأول: الأرض.. وعلى تلك الأرض يضع سلة غذائه المستمدة منها والتي تحمل رموزا عميقة، فوجود البيض ضمن تلك المائدة، لم يكن طعامًا فحسب، بل رمزًا عميقًا للخلق.

فهو تجسيد لبداية الحياة، يكتبون عليه أمنياتهم، ثم يضعونه في سلال تحت أشعة الشمس، إيمانًا بأن الضوء يمنحها القدرة على التحقق.. أما السمك، فقد ارتبط بالنيل (حابى)، مصدر الحياة الأعظم وشريان الوجود.

عصام السيد يكتب: في (شم النسيم): مصر تصحو!
جاء تقليد تمليح السمك – الذي تطور لاحقًا إلى الفسيخ – كنوع من حفظ النعمة وتخزين الحياة نفسها

مائدة (شم النسيم)

ومن هنا جاء تقليد تمليح السمك – الذي تطور لاحقًا إلى الفسيخ – كنوع من حفظ النعمة وتخزين الحياة نفسها.. حتى البصل، الذي يبدو اليوم عنصرًا بسيطًا على المائدة، كانت له مكانة رمزية؛ إذ اعتُبر حارسًا ضد المرض والشر، بما له من رائحة نفّاذة وقوة في الحفظ ، وهكذا، لم تكن مائدة (شم النسيم) مجرد أطعمة، بل لغة رمزية كاملة.

و كعادة مصر التي راكمت تاريخها طبقات فوق طبقات، وأدخلت في كل جديد تقاليدها القديمة، حين دخلت المسيحية إلى مصر، لم تُمحَ ملامح هذا العيد، بل أعيد تفسيرها، فارتبط (شم النسيم) بعيد القيامة، وأصبح يأتي في اليوم التالي له، كامتداد طبيعي لفكرة البعث والانتصار على الموت.

ففي ليلة (سبت النور)، تُضاء الكنائس بالشموع، وتُرفع الصلوات، ثم يأتي الصباح، فيخرج الناس إلى الحدائق، كأنهم ينقلون النور من الداخل إلى الخارج، من الروح إلى الطبيعة.

وهكذا صار (شم النسيم) جسرًا بين العقيدة والحياة، بين الإيمان والفرح. وهكذا تتجلى عبقرية المصريين في قدرتهم على الاحتفاظ بجوهر الأشياء، حتى وإن تغيّرت أشكالها، فالخروج إلى الطبيعة ظل موجودا، لكن المعنى صار أكثر روحانية، مرتبطًا بفكرة القيامة والنور.

وحين تعاقبت الدول الإسلامية على مصر، لم تستطع أن تفصل المصريين عن هذا اليوم، حتى في عهد الخليفة الفاطمي الحاكم بأمر الله عندما صدرت أوامر بمنع بعض مظاهر الاحتفال الشعبي، ومن بينها الخروج الجماعي إلى الحدائق وضفاف النيل والتنزه في الأعياد، والتي شملت – ضمنًا – احتفالات الربيع.

ظل الاحتفال بـ (شم النسيم) قائما لسبب بسيط وعميق: أنه لم يكن عيدًا رسميًا أو دينيًا يمكن إلغاؤه بقرار، بل كان عادة متجذرة في الحياة اليومية، و هو احتفال مرتبط بالربيع، لا بالسلطة، فلا يحتاج إلى مؤسسات أو طقوس رسمية، لذا مارسه الناس في بيوتهم بدلا من الحدائق.

وهكذا حتى في فترات التضييق، كان الناس يحتفلون به بطرق أبسط أو أقل ظهورًا.. حتى جاء من بعد الحكم لدين الله حكاما فاطميين أدركوا أن هذا العيد ليس دينيًا بالمعنى الضيق، بل هو جزء من وجدان الشعب، فشاركوا فيه، ونظموا الاحتفالات، ووزعوا الطعام، وفتحوا الحدائق.

عصام السيد يكتب: في (شم النسيم): مصر تصحو!
صار (شم النسيم) يومًا يجتمع فيه الناس، دون تمييز، تحت سماء واحدة، يحتفلون بالحياة لا أكثر

التاريخ لم يمت

وصار (شم النسيم) يومًا يجتمع فيه الناس، دون تمييز، تحت سماء واحدة، يحتفلون بالحياة لا أكثر.. وهنا تظهر خصوصية هذا العيد: أنه لم يكن يومًا حكرًا على دين أو سلطة، بل ظل دائمًا ملكًا للناس، للشارع، للذاكرة الجماعية.

ففي هذا اليوم، لا تحتاج مصر إلى تعريف نفسها، يكفي أن ترى العائلات متجهة إلى الحدائق، تحمل البيض الملوّن، والفسيخ، والبصل الأخضر، لتدرك أن التاريخ لم يمت، بل تغيّر شكله فقط ، كأن المصري – أينما كان و في أي عصر – يعرف طريقه إلى هذا اليوم دون أن يتعلّمه.

لأنه وُلد به، فهو ليس مجرد عيد عابر، بل طقسٌ مصريّ خالص، كتبته الطبيعة أولًا، ثم نقشَه الإنسان على جدران الزمن ليصبح  لحظة تلتقي فيها مصر بنفسها؛ ماضيها بحاضرها، وطبيعتها بإنسانها.. هو دليل على أن ما يُولد من الأرض، ويُغذَّى بالروح، لا يموت.

و في عصرنا الحديث مازال (شم النسيم) برغم كل الدعاوى الشاذة بتحريمه وتحريم الاحتفال به جزءا من طقوسنا، تجتمع فيه العائلة والأصدقاء ليكرروا مشهدًا عمره آلاف السنين، وتواصل كتابة قصة بدأت قبلهم بقرون طويلة ويستعيدون صدى الذاكرة.. يلتفون حول الفسيخ – رغم الجدل الصحي حوله – ليظل سيد اللحظة .

ليس لأنه مجرد طعام، بل لأنه امتداد لذاكرة النيل.. وحتى لمن لا يحتمل رائحته أو طعمه جاءت (الرنجة) كنسخة أخف وأكثر حداثة، لكنها لا تُقصي الأصل.. أما البيض الملوّن فما زال يحمل بهجة لا تنفصل عن معناه القديم: الحياة التي تولد من جديد، ويضاف البصل الأخضر بطعمه الحاد، ليذكّرنا بأن الحياة ليست نعومة فقط، بل فيها قوة وحدّة.. أما الخس، بأوراقه الطرية، فيحمل دلالة الخصب والنماء.

السر الحقيقي في بقاء (شم النسيم) لا يكمن في قوته التاريخية فقط، بل في بساطته وارتباطه بالطبيعة.. الأديان قد تختلف، والسياسة تتغير، لكن الربيع يعود دائمًا، والنيل يجري، والإنسان مهما تغيّر يظل محتاجًا إلى لحظة يخرج فيها من ضيق الحياة إلى اتساعها، معلقا همومه ولو مؤقتا، ليعود إلى بساطة الحياة بلا طقوس معقدة أو شروط قاسية، فقط خروج إلى النور، ومشاركة في الفرح.

(شم النسيم) يقدّم هذه اللحظة، ولذلك، لم يستطع أحد أن يلغيه، لأنه ليس قرارًا، بل إحساس، وهنا تتجلى قوة الثقافة الشعبية في مصر: (قد تُقيَّد أحيانًا، لكنها لا تختفي.. بل تنتظر، ثم تعود مع أول نسمة ربيع.

إنه ببساطة.. يومٌ تصحو فيه مصر (خُم النوم) لتتذكر أنها ما زالت حيّة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.