بقلم الدكتور إبراهيم أبوذكري*
تتردد في الآونة الأخيرة بعض الطروحات على ألسنة أفراد محدودين لا يدركون طبيعة (العلاقات العربية) وتشابك مصالحها، في محاولة لتصوير المشهد وكأنه صراع خفي بين جمهوريات وملكيات، أو وكأن هناك اتجاهاً لتشكيل تكتلات عربية على أساس شكل نظام الحكم.
غير أن هذه المتداخلات تفتقر إلى فهم حقيقي لواقع العلاقات الاقتصادية والسياسية بين الدول العربية، خاصة بين دول الخليج والدول العربية الأخرى.
فالحقيقة التي لا يمكن إنكارها أن دول الخليج العربي حققت مكاسب استراتيجية واقتصادية كبيرة من خلال استثماراتها الضخمة في الدول العربية، وفي مقدمتها (مصر، والمغرب، والأردن) وغيرها.. هذه الاستثمارات لم تكن مجرد دعم أو مساعدات، بل كانت شراكات اقتصادية حقيقية تحقق عوائد مالية واستراتيجية للطرفين.
فعلى سبيل المثال، استثمرت شركات من (الإمارات العربية المتحدة، والمملكة العربية السعودية، قطر) في قطاعات حيوية داخل عدد من الدول العربية، مثل الطاقة، والعقارات، والسياحة، والموانئ، والاتصالات، والصناعات الغذائية.
هذه الاستثمارات خلقت ملايين فرص العمل، وأسهمت في تطوير البنية التحتية، ووفرت أسواقاً جديدة لرؤوس الأموال الخليجية، ما يؤكد أن (العلاقة العربية) قائمة على المنفعة المتبادلة لا على التفوق أو الهيمنة.
وفي المقابل، فإن الدول العربية الجمهورية لم تكن عبئاً على أحد، بل وفرت بيئات استثمارية واسعة، وأسواقاً استهلاكية ضخمة، وموارد بشرية مؤهلة، ما جعلها شريكاً أساسياً في تحقيق عوائد اقتصادية مجزية للمستثمرين الخليجيين.. ولهذا فإن تصوير (العلاقة العربية) على أنها علاقة (مانح)، و(متلقٍ) هو تبسيط مخلّ يتجاهل طبيعة الاقتصاد الحديث القائم على تبادل المصالح.
وإذا تجاهلنا هذه الحقائق، وسمحنا لبعض الأصوات الانفصالية أو المتعصبة بأن تروج لفكرة الفصل بين جمهوريات وملكيات، فإننا نفتح الباب أمام أخطر ما يمكن أن يصيب الأمة العربية، وهو تحول الخلافات السياسية أو الاقتصادية إلى نزعات عنصرية علنية بين الأشقاء.
الانقسام يبدأ بكلمات
فالتاريخ يعلمنا أن الانقسام يبدأ بكلمات، ثم يتحول إلى مواقف شعبية، ثم إلى سياسات رسمية، قبل أن يصل في النهاية إلى صراعات تهدد وحدة الأمة.
وإذا كان الخلاف اليوم لا يتجاوز نطاق بعض النشطاء على وسائل التواصل الاجتماعي – وهم في الغالب لا يتجاوزون عشرات الأفراد – فإن الخطر الحقيقي يكمن في انتشار هذا الخطاب بين قطاعات أوسع، وتحوله إلى حالة من التعالي أو الشعور الزائف بالتفوق، سواء على أساس الثروة أو النظام السياسي.
وهنا تبدأ بذور الفتنة التي قد تتحول مع الوقت إلى انقسام حقيقي بين ما يسمى (جمهوريين) و(ملكيين)، وهو سيناريو لا يخدم سوى أعداء المنطقة الساعين إلى تفكيك واحدة من أهم الكتل الحضارية في العالم.
إن الأمة العربية – رغم ما تواجهه من تحديات – لا تزال واحدة من أقوى الأمم من حيث الموقع الجغرافي، والموارد الطبيعية، والعمق الحضاري، والامتداد السكاني.. وما تحتاجه اليوم ليس مزيداً من الانقسام.
بل ثباتاً في المواقف، وتحكيماً للعقل، وابتعاداً عن لغة التعالي والحديث الفوقي، فالعلاقات بين الدول لا تُبنى على التفاخر، بل على الاحترام المتبادل والمصالح المشتركة.
ومن هنا، فإن المسؤولية لا تقع فقط على عاتق الحكومات، بل تمتد أيضاً إلى الأفراد، خاصة أولئك الذين يسيئون إلى الشعوب العربية عبر منصات التواصل الاجتماعي.. فالإساءة إلى أي شعب عربي، أو التهجم على دول شقيقة، لا يمكن اعتباره دفاعاً عن الوطن، بل هو في جوهره إسهام في نشر الفتنة وإضعاف وحدة الصف العربي.
إن من يسيء إلى دولة شقيقة أو شعب عربي – مهما كانت دوافعه – إنما يضعف بلده قبل أن يسيء لغيره.. فالعلاقات بين الشعوب لا تُدار بلغة الشتائم أو الاتهامات، بل بالحكمة والمسؤولية.
وفي هذا السياق، يصبح من الضروري مواجهة كل خطاب يثير الكراهية أو يدعو إلى الفتنة، لأن الفتنة بين الأشقاء أخطر من أي خلاف سياسي أو اقتصادي.
وفي النهاية، يبقى النداء موجهاً إلى الجميع:
ليس هناك دولة أفضل من أخرى، ولا شعب أعلى من شعب، فالجميع شركاء في المصير، والجميع مستفيد من التعاون، والخاسر الوحيد هو من يختار طريق الفرقة والتعصب.. إن الحفاظ على وحدة (العلاقات العربية) لا يتطلب شعارات بقدر ما يتطلب وعياً ومسؤولية، واحتراماً متبادلاً، وإدراكاً بأن قوة العرب في وحدتهم لا في تفرقهم.
* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب