


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
تلك هى العبارة الجاهزة التي يلجأ إليها بعض النقاد عند الحكم على الأعمال الفنية، مستندين غالبًا إلى نسب المشاهدة أو ضعف إقبال الجمهور، وكأنهما المعيار الوحيد لقيمة العمل، لكن الحقيقة أكثر تعقيدًا؛ فالتاريخ كثيرًا ما ينصف أعمالًا لم تُفهم في لحظة عرضها الأولى مثل فيلم (عرق البلح)، ثم تثبت مع مرور الزمن أنها كانت تسبق عصرها، وأن رؤية المخرج أو المؤلف كانت أعمق مما أدركه المتلقي آنذاك.
فالجمهور قد يملك رأيًا، لكن الفنان بدوره يطرح رؤية مختلفة، قد تحتاج إلى وقت حتى تُستوعب.. لذلك، نجد العديد من الأعمال التي وُصفت بالفشل عند صدورها، عادت لاحقًا لتحتل مكانة مرموقة، وتصبح مادة ثرية للنقد والتحليل، بل ويُصنَّف بعضها ضمن أهم الأعمال الفكرية والفلسفية.
ومن بين هذه التجارب يبرز فيلم (عرق البلح) للمخرج رضوان الكاشف، الذي لم يحظَ بالنجاح الجماهيري المتوقع عند عرضه، ربما لصعوبة طرحه وعمق فلسفته. فقد قدم عالمًا قاسيًا، قرية يهاجر رجالها، تاركين خلفهم نساءً يعشن في دائرة من الانتظار والألم، كل واحدة تحمل داخلها مشاعر معقدة وأحلامًا مؤجلة لا يسهل تفكيكها أو فهمها.
ينطلق فيلم (عرق البلح) في هذا الإطار كحكاية أقرب إلى الأسطورة، عمل متفرد في رؤيته، لا يتكرر بسهولة، ويثبت أن بعض الأعمال لا تُقاس بلحظة استقبالها الأولى، بل بقدرتها على البقاء وإثارة التساؤلات عبر الزمن.
يؤكد رضوان الكاشف في فيلمه (عرق البلح) أننا نعيش زمن الأحلام المستحيلة، لا بسبب الفقر أو العوز فقط، بل لأننا نختار الهروب ونستسلم، نترك كل شيء خلفنا دون أن نواجه ما قد يتراكم علينا من ألم ومعاناة.


إحساس العجز وفقدان القيمة
ومن هذا المنطلق، يمكن قراءة شخصية الرجل الغريب الذي جاء إلى القرية ليأخذ رجالها، واعدًا إياهم بتحسين أوضاعهم الاقتصادية، لم يكن هذا الوعد سوى وهمٍ مغلف بالأمل، دفع الرجال إلى الرحيل هربًا من إحساس العجز وفقدان القيمة.. وفي المقابل، لم تجد النساء خيارًا سوى القبول بهذا الغياب، بعدما أثقلهن الاحتياج المادي واستنزف قدرتهن على المقاومة.
لكن المفارقة الكبرى تظهر بعد رحيل الرجال؛ إذ يتكشف أن الاحتياج الحقيقي لم يكن ماديًا فقط، بل إنسانيًا في جوهره.. احتياج إلى الأمان، إلى الانتماء، إلى وجود آخر يشارك الحياة ويمنحها معناها.. تتحول القرية إلى فضاء قاحل، هشّ، قابل للاختراق، ويصبح الحرمان هو المحرك الأساسي ، لكنه حرمان من نوع أعمق: حرمان من الحياة نفسها، من الأمل، من الطمأنينة.
وفي ذروة هذا الفراغ، يأتي الحل المأساوي بإسقاط النخل، وكأن التضحية بالفتى هي محاولة لتحميل فردٍ واحد مسؤولية ما جرى، هنا يطرح الكاشف رؤيته القاسية في (عرق البلح): نحن لا نرغب في مواجهة أنفسنا، بل نسارع إلى إلقاء اللوم على الآخر. فإذا فسد المجتمع، بحثنا عن عامل خارجي، وإذا أخطأ الابن، تبرأنا من مسؤوليتنا عنه.
ويبدو اختيار الصعيد ليس مجرد خلفية مكانية، بل رمزًا مكثفًا للقيم والأصالة.. غير أن هذه القيم نفسها تصبح مهددة بالاندثار مع الهجرة، التي لا تعني فقط الرحيل الجغرافي، بل انفصال الإنسان عن ذاته، وعن جذوره، وعن كل ما كان ينبغي أن يحافظ عليه.