

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
هناك حقيقة لا يدركها كثيرون أن (الدراما) التلفزيونية كفن لا تنعزل عن بقية الأجناس الثقافية، حتى أنه أصبح لمفهوم الدراما دور محوري في حياتنا المعاصرة وسياقاتها الثقافية المجتمعية، حيث يعتبرها أغلب علماء علم الاجتماع المعرفي (ظاهرة من ظواهر التاريخ الأدبي، ووثيقة من وثائق التاريخ الإنساني).
ومع تجسد الأحداث اليومية التي تشكل النواة الأساسية للتاريخ الإنساني، أصبح السرد التليفزيونى هو البديل المثالي لتسجيل حركة التاريخ القادمة من رحم تلك الأحداث، جراء تطور صناعة الفعل الدرامي، وهو ما عظم من دورها في التوعية والتثقيف وتنمية الشعور الوطني – تلك هى الفريضة التي ماتزال غائبة عن صناع الدراما المصرية – ولفت أنظار الجمهور إلى التفاصيل الهامة في الحياة.
ومن ثم يصبح شغلها الشاغل محاولة محاكاة الواقع بأقرب الصور، وإمداد المشاهد بكل ما هو جديد على الصعيد الاجتماعي والفكري، بعدما أصبحت (الدراما) التلفزيونية) كفن تقف إلى جانب موارد الثقافة المتعددة مثل الكتاب والسينما والمسرح.
بل إنها تتفوق عليهم جميعا في تقنياتها وأساليبها الفنية بسحر الصورة التي جعلتها جزء لا يتجزأ من الرسالة الإعلامية اليومية التي تسعى إلى تثقيف المواطن بالإضافة إلى ترفيهه على جناح (الدراما) على اختلاف أنواعها وأجناسها (اجتماعي، أكشن، إثارة وتشويق، وطني، كوميدي).
جرت مياه كثيرة في قلب مشهد (الدراما) في رمضان 2026، وعلى قدر نضج بعض الأعمال المصرية، ومنها على سبيل المثال وليس الحصر(صحاب الأرض، عين سحرية، حكاية نرجس، فرصة أخيرة)، فضلا عن مسلسل وطني وحيد هو (رأس الأفعى)، لكن الباقي من المسلسلات الـ (40) الأخرى جاء في الدرك الأسفل من صناعة دراما حقيقية تتماس مع الواقع، أو تحاكيه بخيال واع.
من أعمال (الدراما) الأكثر رداءة في رمضان 2026 على سبيل المثال وليس الحصر: (علي كلاي، درش، الكينج، إفراج، الست موناليزا، فخر الدلتا، بيبو، أولاد الراعي، فن الحرب، نون النسوة) وغيرها من أعمال تبدأ في العادة جيدا ثم تنتهي نهاية كارثية، وتلك النوعية كثيرة يصعب حصرها.
تحقيق رسالة الفن
وعلى الرغم من وجود ممثلين أكفاء مشهود لهم بالنضج والكفاءة داخل هذه الأعمال، لكنها تظل موصومة بالعار الدارامي المصحوب بالمط والتطويل والألفاظ البذيئة والنابية مطعمة بإحياءات جنسية، ناهيك عن أحداث مفتعلة لا تمت للواقع بصلة، ما يجعل تصنيفها في خانة (الدراما) الرجيمة.
فمازال هنالك قدر الإسفاف الذي يجرفنا يوما تلو الآخر نحو هوة سحيقة من الابتذال بصورة أصبح فيها جزء من (الدراما) المصرية يسيئ للإنسان المصري والعربي، عندما فشل في تحقيق رسالة الفن الذي لايضر بالناس، وذلك من خلال ممارسات عجيبة لا يقبلها عقل واع أو منطق سليم، بعدما تحولت (الدراما) إلى مصدر ربح خرافي مثل المخدرات لمجموعة من الناس.
وهؤلاء الصناع للأسف يقدمونها على أنها سلعة – على فسادها ورداءة مستواها – بعد كانت في ستينيات وسبعينيات وثمانينيات وتسعينيات القرن الماضي وحتى بداية الألفية وجه رائع لمصر، سواء كانت خارج الوطن أو بداخله على مستوى تقديم القضايا الحياتية المهمة.
وفي الربع الأول من الألفية الجديدة ظهرت نوعية جديدة منها على سبيل الحصر تلك سجلت البطولات العسكرية والشرطية الشابة التي سطرها شهداء الشرف والواجب على أرض سيناء في حربنا ضد الإرهاب خلال العشر سنوات الماضية (الزيبق، حرب الجواسيس، عابد كرمان، الاختيار، همجمة مرتدة، العائدون، العميل 1001)، وأخيرا مسلسل واحد هو (رأس الأفعي) في الموسم الفائت.
أعتقد من وجهة نظري الشخصية أن هذا النوع من (الدراما) هو الأولى بالرعاية والإنتاج لإبراز مفهوم الانتماء والدفاع عن الوطن، وذلك عن طريق سير البطولة في بذل الروح والدم فداء له، فكم من ملاحم غنائية ومسرحية وسينمائية سجلت أساطير العسكرية المصرية.
ومع ذلك يبدو جليا ذلك القصور الكبير في لوحة (الدراما) الرمضانية هذا العام والأعوام الثلاثة الماضية التي تحكي تلك البطولات الأسطورية، كما تبدو في جلها تخاصم نفس البطولات العسكرية والشرطية التي ماتزال تكتب ملاحمها اليومية، ولعل أبرزها حاليا يتجلى في مكافحة الإرهاب الذي ماتزال آثاره الإخوانية حاضرة بقوة في المشهد الحالي.



استلهام البطولات الأسطورية
وعلى قدر علو شأن الجيش ومكانته على مستوى الأحداث والشخصيات، في وقت تنمو فيها (الدراما) نموا مضطردا على مستوى الإنتاج والتقنيات التي يمكن أن تجسد أروع الأعمال مستلهمة البطولات الأسطورية من رحم معارك الجيش والشرطة، فلاتزال الدراما المصرية تغمض عينيها، ولا تنتج سوى النذر القليل في رمضان فقط، ولا يمتد أثرها إلى المواسم الموازية، خاصة في ظل الظروف المحيطة بمصر حاليا جراء حرب (أمريكا – إيران – إسرائيل).
بل إنها تغط في وحل العنف والإسفاف والتردي الذي يخاصم طبيعة المجتمع المصري بعد ثورتين ملهمتين لعب فيهما الجيش المصري دورا بارزا في العبور الثاني إلى شاطئ الأمان، وهو ما يحتاج من صناع الدراما تذكيرنا بهذا الدور مرتين أو ثلاثة في السنة كي لا يغادر ذاكرة الأجيال الجديدة.
وإذا كانت (الدراما) هى التي نقلت المعرفة بالتاريخ من دوائر الدراسة الضيقة إلي دائرة المعرفة الشعبية الواسعة، تبقى الدراما التاريخية – التي يفترض أن تنتمي لها البطولات العسكرية – هى العامل الأكثر تأثيرا في تشكيل الوعي العام بالتاريخ أكثر من كتابات المؤرخين في عصرنا الحالي، فهناك بطولات عظيمة من مصر القديمة ينبغي تجسيدها كي يعرف الشباب بطولات الأجداد.
بل ربما تكون عاملا مهما أكثر من كتب التاريخ المدرسية، فالمعرفة العامة بقائمة طويلة من الشخصيات والأحداث التاريخية التي تمتد من أبطال حرب الاستنزاف، وأكتوبر العظيم – وكذا دور المخابرات المصرية في حرب الشرق الأوسط التي توقفت منذ يومين – تمكن صناع الدراما من إنتاج راوئع الأعمال الأسطورية في الوطنية الصادقة والملهمة.
ومن هنا فإن تلك الأهمية القصوي للدراما التاريخية والعسكرية مرشحة الآن أكثر من أي وقت مضى لأن تستخدم على نطاق واسع في جهود بناء الهوية الوطنية والوعي العام والدعاية السياسية، كما كانت تفعل ذلك منذ وقت بعيد، حتي قبل ظهور الراديو والتليفزيون في مختلف أنحاء العالم.
قد يرى البعض أن مشكلة الدراما التاريخية الآن هى أن قوتها تحولت إلي نقطة ضعفها الأساسية، فالانتشار الهائل الذي تحققه الدراما التاريخية للأحداث والشخصيات التي تعالجها بين مختلف الطبقات أصبح يمثل خطرا علي حقائق التاريخ.
لكن الأمر يبدو مختلفا إذا ما كانت تستند إلى بطولات حقيقية، كما هى مسجلة بحروف من نور في سجلات شرف جيش مصر على مستوى البطولات والأحداث والشخصيات التي ضربت أروع الأمثلة في التضحية والفداء من أجل الوطن.
ومنها على سبيل المثال وليس الحصر الشهداء (عبد المنعم رياض، إبراهيم الرفاعي – إبراهيم عبد التواب – سيد زكريا خليل)، والراحلون (أحمد إسماعيل، محمد علي فهمي، الجمسي، أبو غزالة، عمر سليمان) وغيرهم نماذج مشرفة في سجلات الصاعقة والمدرعات والدفاع الجوي والبحرية والجوية، والمخابرات العامة والمخابرات العسكرية، كما هو ثابت في كتب التاريخ.


ملاحم أكتوبر العظيم
فضلا عن شهداء الأمس، من وحى حرب الاستنزاف وملاحم أكتوبر العظيم، وشهداء اليوم من الضباط والجنود الشباب الذين استشهدوا على رمال سيناء خلال السنين العشر الماضية مخلفين قصصا وحكايا ترقى إلى مستوى (الأسطورة) التي أغرقها (محمد رمضان) في براثن وحل العنف والإسفاف وتشويه شكل وملامح البطولة التي لخصها في شخصية بلطجي خارج على القانون والعرف والمنطق والدين.
ولعل ما يشجع على استدعاء تلك الفريضة الغائبة وإثبات حضورها في تنمية الشعور الوطني، إنه خلال سنوات القرن العشرين تطورت أساليب البحث التاريخي وأصبحت كتابة التاريخ علما مستقلا تغيرت فلسفته، فلم تعد مهمة المؤرخ تنحصر في سرد الأحداث سردا روائيا.
فالأحداث وحدها لاتصنع التأريخ، ولكن مهمة المؤرخ أن يشرح وأن يفسر الفلسفة التي تجمع بين تلك الأحداث، وقد اقتربت (الدراما) أيضا من هذا المعني، فالأعمال الدرامية تضع الأحداث في منظور له معني يساعد المشاهدين علي فهم أحداث التاريخ، وإدراك معاني البطولات، ولم يعد من الضروي أن تكتسب نفس الأحداث في التاريخ والدراما نفس المعاني.
وهنا أصبح الاختلاف حقيقة واقعة بين كتاب الدراما والمؤرخين، فالهدف عند المؤرخ هو سرد الأحداث بأكبر قدر من الدقة، أما كتاب الدراما فيبقى الهدف عندهم هو أن يشعر المشاهد من خلال شخصيات الأحداث التاريخية والعسكرية كما لو أنه عايش تلك الأحداث.
وتلك غايتنا من تجسيد التاريخ العسكري للجيش المصري دراميا، وهذا الهدف يسمح لكتاب الدراما بالتعديل والتغيير في بعض الأحداث، التي من شأنها إبراز أهمية مايقوم به الجيش والشرطة (ضباط، جنود، صف)عبر ما يمكن أن تقدمه إدارة الشئون المعنوية من تسهيلات ودعم في هذا الاتجاه.
صحيح أنه من الصعب تجاهل أوجه شبه كثيرة بين كتاب الدراما وكتاب التاريخ، فكلاهما يسعي نحو تقديم صورة لفظية بالكلمة أو بالحوار والمناظر لواقع قد انقضي، لكن تبقى مهمة كتاب الدراما العسكرية هنا أن يقدموا ذلك الواقع بصورة لاتقل واقعية عما يشير إليه المؤرخون.
والحس التاريخي مطلوب لكتاب (الدراما) من هذا النوع، مثلما هو شرط من شروط عمل المؤرخين، فالروايات التاريخية المقبولة تستخلص من حقائق وأحداث لو قدمت كما وقعت لما كان لها أي معني، وكتاب الدراما عليهم أن يتعلموا من المؤرخين ما سماه (كولنجوود) بـ (الخيال البناء).


الخيال المبني على الحس التاريخي
حيث يتعين علي المؤرخ أن يستخلص معاني متكاملة من أحداث التاريخ التي تصل إليه غير كاملة ومتناثرة، والنقطة المهمة في العمل التاريخي أو العسكري هى أن وصف أي حدث تاريخي سواء وقع بالأمس أو منذ قرون هو في نهاية الأمر هو أحد أعمال الخيال المبني على الحس التاريخي.
ذلك الحس الذي يؤكد الهوية المصرية التي ترتبط دوما بما ينجزه الجيش في ساحات الحرب والسلم لدى أجيال من الشباب الحالي، ذلك الذي لا يدرك حقيقة جيشه الذي وصفه النبي عليه الصلاة السلام بخير أجناد الأرض.
ومن ثم يستوجب هذا الأمر تغيير الصورة الذهنية على نحو يدرك من خلاله شبابنا تلك الحقائق المخفية عن بطولاتنا العسكرية التي تدرس في كل أكاديميات الدنيا بداية من فجر التاريخ مثل (أحمس، امنحتب، رمسيس) وغيرهم من ملوك وملكات سجلوا أروع الأمثلة في الفداء لهذا الوطن.
وفي هذا المقام يجدر بنا أن نقول أنه لابد أن يشارك الصحفيون المؤرخين وكتاب الدراما في كتابة التاريخ الحقيقي للعسكرية المصرية، فأول نسخة من التاريخ تظهر علي صفحات الصحف، ونادرا ما تصبح النسخة النهائية، فالروايات الصحفية للتاريخ تخضع فيما بعد لأعمال المؤرخين.
ولكن ذلك لايعيب عمل الصحفيين الذين هم كما وصفهم (فيليب جراهام) ناشر (واشنطون بوست) بأنهم (مؤرخون علي عجل)، وهو أمر منطقي جدا، فليس للتاريخ وجه واحد حتي لدي المؤرخين، وحقائق التاريخ ليست كثيرة وليست مؤكدة.
ولكن القضية تظل مطروحة بشدة حين يجترئ علي التاريخ من ليس مؤهلا للتعامل معه، ومن يفتقد الحس التاريخي ومن يلوي أعناق التاريخ طلبا لأهداف سياسية أو جماهيرية، خاصة فيما يتعلق بحقائق البطولات العسكرية على وجه التحديد.
لأن الحقيقة المرة تشير إلى أن (الدراما) في العالم العربي لا تكتب التاريخ بقدر من المسئولية، حتى في ظل تناميها المضطرد واتساع رقعة التقنيات المستخدمة في صناعة مشاهد مبهرة، كما أن جموع الناس لا تكترث بالفروق بين مهام المؤرخين ووظيفة كتاب الدراما.
والمحصلة النهائية أن الغالبية العظمي من الناس تميل إلي إدراك العالم التاريخي كما تصوره (الدراما) علي أنه الواقع، غير عابئة بحقيقة أنه يختلف عن كثير من الحقائق التي تأتي بها كتابات المؤرخين، فالدراما طاغية وقادرة على إخضاع التاريخ لمقتضيات العمل الدرامي ومنطقها لا يقبل العكس.