
بقلم المستشار: محمود عطية *
لم تكن تلك المكالمة الهاتفية مجرد إزعاج عابر، بل كانت لحظة كاشفة تختصر حال منظومة كاملة تعيش علي الوهم وتصر علي إعادة إنتاج (التليفزيون) بذات الأدوات وبذات الوجوه وبذات العقلية التي لم تعد قادرة على إدراك حجم الانفصال بينها وبين جمهور هجرها منذ زمن.
حين جاءني صوت بارد يسأل في سذاجة هل شاهدت (التليفزيون) أمس؟، لم يكن السؤال بريئا ولا عابرا بل كان دليلا صارخا على عقلية تظن أن الأزمة يمكن اختزالها في استبيان، وأن الانهيار يمكن تغطيته بسؤال سطحي لا يلامس جوهر الكارثة.
فالحقيقة التي يحاول البعض تجاهلها أن ما يسمي بـ (التليفزيون) لم يعد ذلك المنبر الذي يعكس وعي المجتمع أو يثريه، بل تحول إلى ماكينة صاخبة لإعادة تدوير الرداءة وضخها بلا توقف في عقول الناس، وكأن الهدف لم يعد تقديم محتوي بل ملء الفراغ بأي شيء مهما كان مستواه أو تأثيره.
لقد أصبح المشهد أقرب إلي مسرح عبثي تتكرر فيه نفس الوجوه ونفس الحكايات ونفس القوالب المستهلكة، بينما يتم إنفاق المليارات علي هذا العبث دون أدني مساءلة أو مراجعة، وكأن المال العام بلا صاحب أو أن الهدر صار سياسة معتمدة لا خطأ طارئا.
الدراما التي يفترض أن تكون مرآة للمجتمع تحولت إلى أداة لتشويهه، حيث يتم تقديم واقع مشوه تغيب عنه الحقيقة لصالح مبالغات رخيصة وصراعات مفتعلة وعلاقات إنسانية مختلة لا تعكس شيئا سوي فراغ فكري وإفلاس إبداعي، وكأن المطلوب ليس فهم المجتمع بل إعادة تشكيله علي مقاس هذه النماذج السطحية التي تكرس القبح، وتطبع الانحراف، وتدفع بالمشاهد إلي التبلد أو الاغتراب بدلا من الوعي أو التفكير.

سيل من الرسائل الفارغة
أما الإعلانات فقد تجاوزت كل حدود الإزعاج لتصبح نموذجا صارخا للاستخفاف بعقل المشاهد، حيث يتم إغراقه بسيل من الرسائل الفارغة التي تعتمد على الصراخ والتكرار والإيحاءات الرخيصة دون أدني احترام لذوق أو وعي، وكأن الغاية لم تعد الإقناع بل الإرهاق حتى الاستسلام في مشهد يعكس خللا عميقا في فهم وظيفة الإعلام ودوره.
وفي قلب هذه المنظومة تقف فئة محدودة تحتكر المشهد بالكامل تتبادل الأدوار والمكاسب دون أي معايير حقيقية للكفاءة أو الجودة، نفس الأسماء تتكرر ونفس الدوائر تدور في حلقة مغلقة لا يدخلها جديد ولا يخرج منها أحد، وكأن النجاح والفشل سيان طالما أن المكاسب مضمونة وأن جيوب المنتفعين تمتلئ بغض النظر عن ما يقدم أو ما يتركه من أثر في وعي المجتمع.
إن الأخطر من كل ذلك ليس فقط هذا المحتوي المتدني بل ما يزرعه من قيم زائفة وأنماط سلوكية مشوهة، حيث يتم تطبيع الفوضي الأخلاقية وتقديمها كأمر عادي، بل وأحيانا كخيار جذاب، ويتم العبث بصورة الأسرة والعلاقات الإنسانية حتي تفقد معناها وتتحول إلي نماذج باردة تحكمها المصلحة والأنانية، وهو ما يؤدي في النهاية إلي تآكل القيم وتراجع الحس النقدي لدي الجمهور
وما يزيد المشهد قتامة تلك اللامبالاة الفجة التي تحيط بكل هذا الانحدار، حيث يبدو أن القائمين علي هذه الصناعة يعيشون في عالم منفصل تماما عن الواقع غير معنيين بردود الفعل ولا بنتائج ما يقدمونه، وكأنهم في مأمن دائم من أي محاسبة أو تقييم حقيقي، بينما يتم الاكتفاء باستطلاعات شكلية وأسئلة ساذجة لا تبحث عن الحقيقة بل عن تبرير استمرار هذا الوضع المختل.
لقد كان من الممكن أن تكون تلك المكالمة مدخلا لحوار جاد حول أسباب عزوف الجمهور عن (التليفزيون) وعن سبل استعادة الثقة وتطوير المحتوى، لكنها جاءت لتؤكد أن الأزمة أعمق بكثير من أن تعالج بهذه السطحية، وأن الفشل لم يعد عرضا بل أصبح منهجا، وأن الإنكار لم يعد مرحلة بل تحول إلي سياسة ثابتة.

انتحار بطيئ لمؤسسة فقدت تأثيرها
إن مشاهد (التليفزيون) اليوم لم يعد ذلك المتلقي السلبي بل أصبح أكثر وعيا وقدرة على الاختيار، وهو ما يفسر هجرته الواضحة إلى بدائل أخرى تقدم له محتوي أكثر احتراما لعقله ووقته، وهذا يعني أن الاستمرار في هذا النهج لا يمثل فقط إهدارا للمال بل يمثل انتحارا بطيئا لمؤسسة فقدت تأثيرها ومصداقيتها، ولم تعد قادرة على المنافسة أو البقاء.
ولا يمكن الحديث عن إصلاح حقيقي دون مواجهة صريحة مع الذات ودون كسر هذه الدوائر المغلقة وفتح المجال أمام عقول جديدة ورؤي مختلفة تؤمن بأن الإعلام رسالة لا سبوبة، وأن الإبداع مسؤولية لا وسيلة للارتزاق، كما أن إعادة النظر في أولويات الإنفاق أصبحت ضرورة لا تحتمل التأجيل فلا يعقل أن تستمر المليارات في الذهاب إلي أعمال بلا قيمة بينما يمكن توجيهها إلي ما ينفع الناس ويرتقي بوعيهم.
وفي النهاية يبقي السؤال الذي لا يمكن الهروب منه: إلي متى يستمر هذا العبث، وإلى متى يظل هذا الانحدار بلا رادع، وإلي متى يتم التعامل مع الجمهور باعتباره كائنا يمكن خداعه إلي ما لا نهاية؟
إن الإجابة لن تأتي من مكالمات هاتفية عابرة ولا من استطلاعات شكلية بل من إرادة حقيقية تعيد الاعتبار للعقل والذوق والقيم، وتضع حدا لهذا النزيف المستمر في المال والمعني
فالإعلام الذي يفقد احترامه لجمهوره يفقد مبرر وجوده و(التليفزيون) الذي يتحول إلي أداة لتسطيح الوعي لا يمكن الدفاع عنه، والدراما التي تروج للقبح لا يمكن تبريرها، والإعلانات التي تهين الذوق لا يمكن قبولها، وما لم يتم إدراك ذلك بوضوح فإن ما نراه اليوم ليس نهاية الأزمة بل بدايتها الحقيقية.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع