

بقلم الكاتب الصحفي: محمود حسونة
رغم أن عالمنا أصبح مراقباً بالكاميرات، ورغم أن التكنولوجيا المتطورة كشفت بعض المستور، إلا أن الخافي عن الأعين مازال وسيظل أعظم، ولا يحتاج إلى (عين سحرية) بل عيون لكشفه، وخصوصاً أن خطط الفساد ومؤامرات الفتن تحدث داخل غرف شديدة الإغلاق.
فالمجرمون لا يرتكبون جرائمهم والشياطين لا تمارس التضليل سوى في السر بعيداً عن الأعين ولا يمكن كشف هؤلاء سوى من خلال (عين سحرية)، تراهم ولا يرونها، تفضحهم ولا تستر عليهم، نحصل من خلالها على الدليل لمحاكمتهم وتحقيق العدالة فيهم من دون أن نسمح لهم باستغلال ثغرات القانون والعبث بالعدالة وقلب الباطل حقاً والعكس.
مسلسل (عين سحرية) الذي تم عرضه في النصف الأول من شهر رمضان، لم يره أحد إلا وعبر عن استمتاعه به وتقديره لكل من شارك فيه، والسبب أنه عمل مختلف، لا يشبه سواه، يفضح الغث الدرامي ويكشف نجوم العشوائية ويؤكد أن الجودة في الابداع الفني يلمسها الجميع.
هو مسلسل يتحدث بلغة تختلف عن لغة الدراما التقليدية، والتمثيل فيه لا يشبه تمثيل من يتلون الحوار ولا يعرفون لكلماته معنى، الفاقدين للإحساس العاجزين عن التعبير، الإخراج فيه ليس مجرد نقل كلام من على الورق إلى المشاهدين عبر ممثلين وكاميرا وشاشة.
ولكنه إحساس وتشكيل للجمال وسبر لأغوار النص واستخراج كل مدفون داخل الممثل، وفيه ليس الممثل وحده الذي يتحدث في مشاهده، ولكن الديكور والإضاءة والمؤثرات المحيطة تتحدث لتوصيل رسالة معينة يستهدفها المخرج.

العبث بالقانون وتغييب العدالة
عبقرية السيناريو والحوار الذي كتبه هشام هلال غي (عين سحرية) عن نص للانا الجندي هو حالة الغموض التي تكتنف الأحداث وتلف الشخصيات والتي تضع ألغازاً تثير أسئلة لدى المشاهد تشغل عقله ولا تجد لها إجابة سوى في الحلقات الأخيرة، منها على سبيل المثال براءة والد عادل، وجوهر أزمة زكي وشهاب.
بجانب أن الحوار في ذاته له بعد فلسفي رغم أن مفرداته مألوفة ومن قلب الشارع المصري، وله أبعاد نفسية تعبر عن أعماق شخصياته المحملة بخطايا لم ترتكبها، وبعار لا ذنب لها فيه، والضائعة في الحاضر والساعية لاستعادة هوية مفقودة بفعل الفساد وصناعه القادرين على العبث بالقانون وتغييب العدالة.
القانون يعجز عن تحقيق العدالة، ومن دونه لا وجود لها، وبه يتم تضليلها، ووصل اليأس بصناع المسلسل إلى التأكيد في الحلقة الأخيرة إلى أن لا وجود لها على الأرض، وأنها فقط تتحقق في السماء في يوم الحساب.
ضحايا القانون غالباً ما يكونون السكان الأصليين والعابثون به هم أولئك المفسدون في الأرض الطارئون عليها القادمون لنهب ممتلكات السكان الأصليين، ويستدل المسلسل على ذلك بالسكان الأصليين في أمريكا الذين لجأوا إلى العدالة منذ 500 سنة لاستعادة حقوقهم من دون جدوى.
فالقانون يضعه ويستغله الأقوياء ويتحول إلى سيف مسلط على رقاب الضعفاء، ورغم ذلك فإن المسلسل لم يلجأ للبلطجة لاستعادة حقوق أبطاله وتبرئتهم من جرائم لم يرتكبوها ولكنه لجأ للقضاء لكشف فساد شهاب الصفطاوي (محمد علاء) المحامي الذي استغل القانون لقتل الناس وتحويلهم إلى فئران تجارب لأدوية فاسدة ومسمومة وغير مختبَرة، وذلك لتأكيد أن القانون هو ملاذنا الوحيد رغم كل ما به من عوار.
(عادل) خريج هندسة لم يجد فرصة للعمل فيها ويعمل فني كاميرات، يتحمل مسؤولية أمه المريضة وشقيقه الأصغر المصاب بمرض السرقة، ناقم على والده الذي توفي في السجن بعد اتهامه بالسرقة، يلتقي به عم زكي (باسم سمرة) محامي ضليع في القانون ورغم ذلك لم يستطع حماية نفسه من تلميذه الجشع شهاب الذي لفق له قضايا مخدرات ودعارة.
ليلقي به في السجن فيقضي فيه 20 عاماً، يرى كل منهما الفساد أمامه يستشري ويبطش بالضعفاء ويستغل الغلابة ويعبث بالحياة، يقرران استخدام كاميرات المراقبة الصغيرة كعيون سحرية تكشف المفسدين، وينجحان في كشف عدد منهم حتى تكون الحرب بينهما وبين رأس الأفعى شهاب الصفطاوي.

الفساد قد ضرب القلب
بعد أن كانت أدويته سبباً في مقتل (أم عادل)، وكان هو وراء سجن أستاذه (عم زكي) ظلماً، وفرق بينه وبين زوجته وكان سبباً في رفض ابنته له، وعجز القانون عن محاسبته وكانت الوسيلة لكشفه وفضحه ومحاكمته هي العين السحرية.
مسلسل (عين سحرية) اتخذ من وسط القاهرة مكاناً لحياة أبطاله وشوارعها مكاناً لتحركاتهم، وكأنه يريد التأكيد على أن الفساد قد ضرب القلب، وأن قلب القاهرة سيظل الرمز الأجمل معمارياً الأكثر تعبيراً حياتياً بعد هجرة معظم صناع الدراما والسينما إلى الكومبوندات التي أصبحت مسرحاً للعديد من الأعمال الفنية.
(عصام عمر) ارتفع إلى العلا بأدائه وموهبته وقدراته على التعبير الهادئ الفطري ما يعانيه من غليان داخلي، و(باسم سمرة) كشف عن جوانب في موهبته كانت مجهولة، و(أسماء إبراهيم) مبدعة قديرة، و(محمد علاء) السهل الممتنع، وكل من (جنا الأشقر وفاتن سعيد وعمر شريف) مواهب طازجة.
العالم الذي نعيش فيه يحتاج إلى ملايين العيون السحرية لملاحقة المفسدين في الأرض، الذين أشعلوا فيها حروباً وسرقوا ثروات دول، وعبثوا بمقدرات شعوب واستهانوا بإنسانية الإنسان وتجاوزوا على قوانين الطبيعة وأفسدوا الكون، ورغم ذلك أشك في قدرة العيون السحرية عن لجم هؤلاء.
ولعل عجز (وثائق ابستين) التي تم نشرها عن لجم رموز الفساد العالمي بل تم تحويلها إلى أدوات ضغط لإشعال حروب، وهو ما يؤكد أن في هذا العالم رموز أكبر للفساد لا نعرفها هي التي تحرك الرموز التي تطل علينا كل يوم لتهدد وتتوعد وتخرب ثم تدعي أنها صانعة سلام.