


بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي
حين تنبع السينما من أشخاص مختلفين، لا تُشبه ما قبلها ولا تُكرر ما اعتاده الناس، بل تفتح نوافذ جديدة للرؤية والفهم.. مثل الفنان الكبير (نور الشريف)، هؤلاء لا يصنعون أفلامًا فقط، بل يقدّمون وجهات نظر غير مألوفة، ويمنحون الواقع أبعادًا أعمق مما يبدو على سطحه، وجه نظر تقترب أحيانًا من النبوءة.
فالفنان، والأديب، والمؤرخ، والمفكر، والسياسي الواعي، لا يكتفون برؤية الحاضر، بل يمتد بصرهم إلى ما وراءه، كأنهم يشاهدون المستقبل رأي العين.
ومن هنا يبرز اسم (نور الشريف)، ذلك النجم الذي سعى دائمًا إلى اختيار موضوعات غير تقليدية، تحمل عمقًا فكريًا وإنسانيًا. لم يكن حضوره مقتصرًا على الشاشة فقط، بل امتد إلى أحاديثه ولقاءاته، حيث بدت كلماته مفعمة بالدقة والمعرفة، تعكس وعيًا ورؤية ثاقبة.
وقد شكّلت مسيرة (نور الشريف) الفنية محطات بارزة، من أبرزها (قلب الليل، ودائرة الانتقام، وزمن حاتم زهران)، لكنها بلغت ذروتها في فيلم ناجي العلي، الذي لم يكن مجرد عمل سينمائي، بل شهادة فنية جريئة على زمنٍ كامل.
حين تنظر إلى حياة (ناجي العلي)، تصدمك التفاصيل قبل أن تفهمها؛ تاريخ ميلاده غير محسوم، ونشأته في مخيم عين الحلوة، واعتقاله وهو صبي بسبب نشاطه ضد الاحتلال، ثم سنوات طويلة قضاها في السجن، يرسم داخل زنزانته، كأن الجدران كانت وطنه الوحيد ومساحته الحرة.


يلامس وجع الواقع
الفيلم يغوص في تفاصيل حياته، في بناءٍ درامي يقترب من السيرة بقدر ما يلامس وجع الواقع.. أخرجه عاطف الطيب، وكتبه بشير الديك، فجاء العمل محمّلًا برؤية واضحة وانحياز إنساني صريح.
لكن بعيدًا عن السرد والنقد، هناك أعمال فنية تولد في لحظة لا تتكرر، كأنها قدر كُتب على أصحابها ليكونوا شهودًا على الأحداث، ومتحدثين باسم الشعوب.. هذه الأعمال لا تكون مجرد أفلام، بل حالات إنسانية نادرة؛ تثير الجدل، وتُقابل بالرفض أو القبول، لكنها في النهاية ترسم خطًا عريضًا لفكرة لا تموت.
وفي هذا السياق، يبرز (محمود الجندي) في واحد من أجمل أدواره على الإطلاق.. هناك مشاهد لا يمكن تخيّلها إلا به؛ حين يقف أمام (نور الشريف)، ينظر في عينيه، ويسأله ويرجوه أن يشرح.. كانت عيناه تحملان حيرة ملايين البشر، تعبر كل الحدود والمشاعر، وتطرح السؤال الذي لم يُنطق: هل هناك حقيقة في هذا العالم؟ هل هناك عدل؟

عيناه هى اللغة
وفي لحظة رجاءٍ بلا أمل، تصبح عيناه هى اللغة، وصمته هو السؤال: لماذا يرث القتلة هذا العالم؟
وبعد سنوات، يأتي فيلم (صوت هند رجب) ليؤكد المعنى ذاته، وكأن الزمن لم يُغيّر شيئًا بقدر ما عمّق الإحساس به.
فكما كان (ناجي العلي) شاهدًا على لحظة، وصوتًا يتجاوز صاحبه ليعبّر عن أمة كاملة، يأتي هذا العمل ليقول إن الحكاية لم تنتهِ، وإن الأسئلة القديمة ما زالت معلّقة، تبحث عمّن يجرؤ على طرحها.
تتغير الوجوه، وتتبدل الأزمنة، لكن الفكرة تبقى؛ أن الفن الحقيقي لا يُولد عبثًا، بل يظهر حين يصبح الصمت مستحيلًا، وحين يكون لا بدّ من صوت.. حتى لو خرج من الألم.