رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

رضا العربي يكتب: الوحش.. الغرق في عتمة (النفس البشرية)!

رضا العربي يكتب: الوحش.. الغرق في عتمة (النفس البشرية)!

رضا العربي يكتب: الوحش.. الغرق في عتمة (النفس البشرية)!
لم يكن (إد جين) مجرد سفاح بالمعنى التقليدي
رضا العربي يكتب: الوحش.. الغرق في عتمة (النفس البشرية)!
رضا العربي

بقلم الناقد الفني: رضا العربي

في تلك اللحظات النادرة التي أختلسها من صخب الزمن لأجلس بين دفء العائلة حيث تستريح الروح من عناء التشتت، يتقدّم ابن أخي (الدكتور رضا العربي)، بوصفه قيّمًا على مزاجي الجمالي، وحارسًا خفيًا لذائقتي.. يختار لي – بحدسٍ يكاد يُصيب كأنه علمٌ مُستتر – عملًا فنيًا يعتقد أني سأغرق فيه متعةً وتأملًا في عتمة (النفس البشرية).

لكن المفارقة تتجلّى حين تمتد يده هذه المرة إلى عتمة (النفس البشرية)، فينتخب لي حكاية رجلٍ عبر حدود الإنسانية إلى مناطقها الأكثر ظلمة، (إد جين)، لا كقصة رعبٍ عابرة، بل كمرآةٍ مشروخة تعكس هشاشة العقل حين ينفلت من نظامه، وتفضح ذلك الخيط الرفيع بين السويّ والمضطرب، وذلك على غرار فيلم (سفاح الجمع).

هكذا، بدل أن أستريح في حضرة الجمال، وجدتني مدفوعًا – برفقة اختياره – إلى تأمل عتمة (النفس البشرية) ذاتها، وكأن السعادة لا تكتمل إلا حين تجاورها ظلالها.

في قلب الريف الأمريكي الهادئ، حيث تبدو الطبيعة وكأنها استعادت براءتها الأولى، وُلدت واحدة من أكثر الحكايات اضطرابًا في تاريخ الإنسان الحديث: حكاية Ed  Gein  ليست مجرد قصة قاتل متسلسل، بل مرآة داكنة تعكس هشاشة النفس البشرية حين تنفصل عن المعنى، وتغرق في فراغها الداخلي حتى تصنع من الموت بيتًا، ومن الجلد ذاكرة.

لم يكن (إد جين) مجرد سفاح بالمعنى التقليدي؛ لم يكن مدفوعًا بلذة الدم كما في الحكايات النمطية، بل بشيء أكثر تعقيدًا.. رغبة عميقة في إعادة تشكيل العالم وفق صورة داخلية مشوهة، صورة تشكلت تحت وطأة عزلة خانقة، وأمٍ تحولت في وعيه إلى كيان مطلق، أشبه بإله منزلي يفرض قوانينه حتى بعد الغياب.

رضا العربي يكتب: الوحش.. الغرق في عتمة (النفس البشرية)!
إنه لا يقتل فقط، بل يعيد تشكيل الوجود، يصنع من الضحايا أثاثًا

الجسد مجرد مادة بيولوجية

هنا، لا يصبح الجسد مجرد مادة بيولوجية، بل يتحول إلى نص.. الجلد الآدمي الذي هو الحد الفاصل بين الداخل والخارج، بين الذات والعالم، يصبح عند (جين) مادة بناء، وكأنّه يحاول أن يُعيد كتابة ذاته عبر الآخرين.

إنه لا يقتل فقط، بل يعيد تشكيل الوجود، يصنع من الضحايا أثاثًا، ومن بقاياهم معمارًا، كما لو أن الموت يمكن أن يُهذّب ليصبح بيتًا، وأن الفناء يمكن أن يُروّض ليُصبح مألوفًا.. تماما كما هو حال الفيلم المصر (سفاح التجمع) الذي سحب من دور العرض ثم أعادته الرقابة مرة أخرى.

لكن السؤال الأعمق ليس: ماذا فعل؟ بل: لماذا احتاج أن يفعل ذلك؟

في التحليل الفلسفي، يمكن قراءة تجربة (جين) كتمرد مشوه على فكرة الفناء.. الإنسان، منذ فجر وعيه يخاف من الزوال، من أن يتحول إلى لا شيء.. لكن جين لم يقاوم الموت بالخلود أو الإبداع، بل حاول أن يدمج نفسه فيه، أن يسكن داخله.. لقد اختار أن يعيش في حدود الرعب، لا هروبًا منه، بل اعتقادًا بأن السيطرة عليه تمر عبر التماهي معه.

رضا العربي يكتب: الوحش.. الغرق في عتمة (النفس البشرية)!
لا تبقى قصة (جين) مجرد حادثة جنائية، بل تتحول إلى تأمل فلسفي في حدود الإنسان

انهيار كامل لفكرة الأخلاق

إن ما فعله هو أقصى درجات (تشييء الإنسان) – حيث لم يعد الآخر كيانًا مستقلًا، بل مادة خام – وهنا تتقاطع قصته مع أكثر الأسئلة الفلسفية خطورة: ما الذي يجعل الإنسان إنسانًا؟، هل هو الجسد؟ الوعي؟، أم الاعتراف المتبادل بين الذوات؟

حين تُنزع هذه الطبقات، كما فعل (جين)، يتحول الإنسان إلى شيء، إلى مادة يمكن قصها، تشكيلها، وتعليقها على الجدران. وهنا لا نكون أمام جريمة فقط، بل أمام انهيار كامل لفكرة الأخلاق ذاتها.

ومع ذلك، فإن قصة Ed Gein ليست فقط عن الشر، بل عن الفراغ.. عن تلك المساحة الصامتة داخل عتمة (النفس البشرية) حين تُترك دون معنى، دون حب، دون توازن.. إنها تذكير بأن الإنسان، إذا فقد اتصاله بالعالم، قد لا يكتفي بالانسحاب.. بل قد يعيد تشكيل العالم بطريقة مرعبة.

لقد صنع (جين) بيتًا من الجلد،الادمي لكن الحقيقة الأعمق أنه كان يحاول أن يبني (ذاتًا) من بقايا الآخرين.. بيتٌ لا يسكنه الدفء، بل سؤال مفتوح:

هل يمكن للإنسان أن يهرب من نفسه، أم أنه – في أقصى لحظات انكساره – يصبح أكثر التصاقًا بها؟

في النهاية، لا تبقى قصة (جين) مجرد حادثة جنائية، بل تتحول إلى تأمل فلسفي في حدود الإنسان:

حين يغيب المعنى، ويصمت العقل، ويتضخم الخيال.. قد لا يصبح الوحش كائنًا آخر، بل احتمالًا كامنًا في داخلنا جميعًا.. ترى ما أوجه الشبه بين (جين)، و(كريم) بطل (سفاح التجمع)؟

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.