رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)
(الدراما التوثيقية) لا تكتفي بسرد الحدث، بل تعيد بناء الإحساس به

بقلم المفكر الكبير الدكتور: ثروت الخرباوي

تُمثّل (الدراما التوثيقية) منهجا متفرّدا في قراءة الواقع واستنطاق الأحداث؛ فهي في جوهرها ليست مجرد لون فني، بل طريقة في النظر إلى الحقيقة ذاتها، أو محاولة واعية لإنقاذ الوقائع من برود الأرشيف، ومنحها لحما ودما. إنها لا تكتفي بأن تقول لنا (ما الذي حدث)، بل تسعى إلى أن تجعلنا نحسّ لماذا حدث، وكيف عاشه البشر في لحظاته الأولى، قبل أن يتحول إلى سطر في كتاب أو خبر في نشرة.

ولعل المتخصصين يدركون أن هذا الفن يقوم على لحظة التقاء دقيقة بين التاريخ بوصفه سجلا للوقائع، والفن بوصفه أداة لإعادة اكتشاف هذه الوقائع إنسانيا.. فـ (الدراما التوثيقية) لا تكتفي بسرد الحدث، بل تعيد بناء الإحساس به، وتمنح الشخصيات التي سكنت الوثائق صوتا ونبضا. ومن هنا تنشأ معادلتها الصعبة: أن تظل وفية للحقيقة دون أن تفقد حرارة الدراما، وأن تبتكر دون أن تنزلق إلى التزييف.

هذا الفن يقوم في بنيته العميقة على توازن دقيق بين ثلاث طبقات: الواقعة الحقيقية، والمصدر الذي يوثقها، والمعالجة الدرامية التي تعيد صياغتها إنسانيا.. ومن هذا التداخل تتشكل معادلته الجوهرية المتمثلة في أمانة عرض الواقع في مواجهة حرية الفن. وكلما اختل هذا التوازن، جفّ العمل وتحول إلى تقرير بارد، أو انفلت ليصبح خيالا لا سند له.

ولذلك ظل هذا النوع حاضرا في الدراما المصرية دون تسمية صريحة، متجسدا في أعمال اقتربت منه بدرجات متفاوتة؛ فبعضها انزلق إلى الخيال مثل فيلم (أدهم الشرقاوي)، وفيلم (الناصر صلاح الدين)، حيث تغلّبت الرؤية الملحمية على الدقة التاريخية.

وفي المقابل، نجد نماذج اقتربت من النقيض الآخر، حيث طغى التوثيق على الدراما، فبدت بعض الأعمال أقرب إلى التقرير الخبري، ومن ذلك فيلم (المرأة الحديدية) إنتاج عام 2011، إخراج فيليدا لويد وبطولة ميريل ستريب، الذي تناول حياة (مارجريت تاتشر).

إذ ركز في بعض أجزائه على سرد وقائع سياسية واجتماعات رسمية بدت وكأنها مقتطعة من أرشيف إخباري، ففقدت تلك المشاهد حرارة الدراما رغم الأداء الاستثنائي لميريل ستريب ، وبدا العمل في لحظات منه أقرب إلى درس تاريخ مصوّر.

وعلى الجانب الآخر من هذا الطيف، تبرز أعمال استطاعت تحقيق توازن لافت، مثل (الاختيار) الذي عُرض ابتداءً من عام 2020، من إخراج بيتر ميمي وبطولة أمير كرارة، حيث استند إلى وقائع حديثة وأعاد تمثيلها بدرجة عالية من الالتصاق بالتفاصيل، دون أن يتخلى عن البناء الدرامي المشوّق.

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)
تتجسد شخصية (محمود عزت) بوصفها عقلا يدير من الظل

(رأس الأفعى).. نموذجًا مختلفًا

وكذلك ناصر 56 إنتاج 1996، تأليف محفوظ عبد الرحمن وإخراج محمد فاضل وبطولة أحمد زكي، الذي أعاد بناء لحظة تأميم قناة السويس بوصفها تجربة إنسانية معقدة، لا مجرد قرار سياسي.. هذه الأعمال نجحت في الانتقال من التوثيق الصارم إلى الدراما الحية.

داخل هذا الطيف، يبرز (رأس الأفعى) بوصفه نموذجًا مختلفًا، إذ لا يلاحق واقعة بعينها، بل يلاحق جوهر الظاهرة، مقدمًا ما يمكن تسميته بالتوثيق المتعدد أو الاحتمالي. فالمسلسل لا يقوم على حدث منفرد، بل على شبكة من الوقائع الحقيقية التي تتقاطع داخل بنية واحدة، من خلال شخصية قيادية تعكس آليات التنظيم، وتعيد إلى الأذهان نموذج (الأب الروحي) الذي جسده (مارلون براندو)، لكن في سياق مختلف.

حيث تتجسد في شخصية (محمود عزت) بوصفها عقلا يدير من الظل، ويصوغ شبكة تنظيمية ارهابية معقدة محاطة بقدر من الصراعات الداخلية.

بهذا المعنى، لا يقول العمل فقط إن هذه قصة وقعت، بل يذهب إلى ما هو أبعد، إذ يستنطق الأحداث ويعيد تفسيرها، محولا الدراما من سيرة فردية إلى سيرة اجتماعية، ومن توثيق الحدث إلى تحليل بنيته ودوافعه. هنا تصبح الشخصيات نماذج، ويصبح الصراع انعكاسا لبنية أعمق من مجرد حكاية.

وعندما نضع هذا النموذج في سياق المقارنة العالمية، تتضح ملامحه بصورة أكثر دقة، ففي مسلسل (تشيرنوبل) إنتاج عام 2019، تأليف كريج مازن وإخراج يوهان رينك وبطولة جاريد هاريس، نجد نموذجا لـ (الدراما التوثيقية) الصارمة التي تستند إلى كارثة نووية موثقة.

حيث تم استخدام الشهادات والتقارير الرسمية لإعادة بناء الحدث بدقة، مع ترك مساحة مدروسة للدراما في الحوار والتفاصيل، وهو ما أتاح للعمل تحقيق توازن بالغ بين التوثيق والتحليل الإنساني.

بينما يقدم مسلسل (ناركوس) الذي بدأ عرضه عام 2015، من تأليف كريس برانكاتو وكارلو برنارد ودوج ميرو ، نموذجا مختلفا يمزج بين السرد الوثائقي والدراما، من خلال تتبع شخصية (بابلو إسكوبار) حيث تتحول السيرة الفردية إلى نافذة لفهم بنية الجريمة والدولة في آن واحد.

وفي السينما، نجد فيلم (السقوط) إنتاج 2004، إخراج أوليفر هيرشبيجل وبطولة برونو جانتس، الذي قدم قراءة إنسانية للحظات الأخيرة في حياة أدولف هتلر ، حيث تم تفكيك الصورة الأسطورية لصالح رؤية إنسانية مركبة.

وفيلم (جولدا) إنتاج 2023، إخراج جاي ناتيف وبطولة هيلين ميرين، الذي اقترب من لحظة القرار لدى جولدا مائير خلال حرب اكتوبر المجيدة ، مقدّما قراءة نفسية لضغط السلطة في لحظات الأزمة عندما انتصرت مصر وحطمت خط بارليف .

هذه الأعمال جميعا تشترك في أنها لا تكتفي بسرد الوقائع، بل تجعل من الشخصية مدخلا لفهم التاريخ.

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)

د. ثروت الخرباوي يكتب: قراءة في (الدراما التوثيقية) في (رأس الأفعى)
الرؤية الإخراجية تعاملت مع العمل بوصفه إعادة بناء لمسرح الجرائم

إعادة بناء لمسرح الجرائم

وبالمقارنة مع هذه النماذج، يبدو (رأس الأفعى) أكثر اقترابا من تفكيك الواقع المعاصر، وهو ما يمنحه قوة خاصة تتمثل في خلق إحساس مباشر بالأحداث.. ويتجلى ذلك بوضوح في الرؤية الإخراجية التي تعاملت مع العمل بوصفه إعادة بناء لمسرح الجرائم الإرهابية وكواليس التخطيط والتنفيذ، في مقابل المواجهة الأمنية بالغة الحرفية والإتقان.

حيث يبلغ التوثيق ذروته في اللحظات التي يذوب فيها الفاصل بين التمثيل والواقع، من خلال دمج لقطات حقيقية مع المشاهد الدرامية في بناء بصري واحد.

فعندما يشاهد المتلقي انفجارا حقيقيا، ثم تنتقل الكاميرا مباشرة إلى وجه ممثل يتفاعل مع الحدث، لا يعود أمام مشهد تمثيلي، بل أمام تجربة حسية كاملة، يشعر فيها برائحة البارود وارتداد الصوت، وكأنه داخل الحدث ذاته. هذا ما يمكن تسميته بالالتحام الوثائقي، حيث لا يصبح العمل مجرد سرد، بل إعادة خلق للواقع في صورته الشعورية.

ويتعزز هذا الأثر من خلال الاشتغال على البعد السيكولوجي للشخصيات، خاصة شخصية (رأس الأفعى).. حيث لا تكتفي الدراما بتقديمه كعقل مدبر، بل تعيد بناء حضوره النفسي عبر الإضاءة الخافتة، والكادرات الضيقة، والإيقاع البصري الذي يوحي بالعزلة والتخطيط المستمر، وهو ما يحول المعلومة التاريخية إلى حالة شعورية بالخطر.

بهذا المعنى، لا تكون الدراما هنا خيالا، بل تفسيرا سيكولوجيا للفراغات التي تتركها المادة التاريخية، حيث تمنح الشخصيات عمقا يجعلنا نفهم الصراع بوصفه مواجهة بين عقل يخطط للهدم، وجهاز يسعى للحماية.

إن قوة (الدراما التوثيقية)، في نماذجها العالمية وتجلياتها المحلية، تكمن في قدرتها على أنسنة المعلومة، وتحويلها من خبر إلى إحساس، ومن رقم إلى تجربة.. وهنا تحديدا يلتقي الفن بالمسؤولية، إذ يصبح المبدع شاهدا يعيد بناء الحدث لا ليزيفه، بل ليفسره، عبر رؤية تجعل من الفن وسيلة لإعادة كتابة التاريخ، لا بالحبر، بل بالإحساس والمشاعر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.