رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!
لم يكتف الفيلم بتقديم وجبة من الرعب والإثارة السطحية، بل غاص في الأعماق المظلمة لعقلية بطل الفيلم
(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!
محمد حبوشة

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة

انتابني شعور بالتقزز في أثناء مشاهدتي لفيلم (سفاح التجمع)، فلا هذا فن ولا تلك سينما يمكنها أن تلعب دورا في تشكيل الرأي العام، وذلك باعتبارها منتجا ثقافيا ينبغي أن يكون له دورا کبيرا في تشكيل القيم والاتجاهات، فالفيلم بالأساس هو وسيط سينمائى ووسيلة إعلام سمعية – بصرية تعد أحد أبرز وسائل الإعلام الجماهيرية، لكن (سفاح التجمع) تنتفي عنه هذه الصفة.

وبعد المشاهدة، عجبت كثيرا لتلك الهبة التي انطلقت في شكل ثورة عاصفة من جانب نقاد الغبرة، جراء سحب فيلم (سفاح التجمع) من دور العرض، مؤكدين أنهم ضد تلك القيود التي يفرض رئيس الرقابة على حرية الإبداع الكاتب والسيناريست المبدع (عبد الرحيم كمال).

يلا العجب العجاب لقد قاموا بشن هجوما ضاريا، رغم أنهم لم يكونوا قد شاهدوا بعد هذا الفيلم السيئ شكلا ومضمونا، وكأنهم سدنة في معبد الفن الفاسد الذي يفتقد رسالته  السامية، خاصة أن فيلم (سفاح التجمع) يخاصم القيم التي تربينا عليها طوال أكثر من مائة عام من عمر السينما المصرية. 

ربما تشدق البعض منهم بأن (سفاح التجمع) من أكثر التجارب السينمائية إثارة للجدل في عام 2026، حيث استلهم صناعه أحداثه من قضية حقيقية وصادمة، وهى قضية (سفاح التجمع)، لكني أراه جدلا عقيما، فلم يكتف بتقديم وجبة من الرعب والإثارة السطحية، بل غاص في الأعماق المظلمة لعقلية بطل الفيلم (كريم/ أحمد الفيشاوي) محاولا الإجابة عن التساؤل المعقد: كيف يتحول شاب منعزل إلى قاتل متسلسل؟

وفي هذا الصدد اعتمد الكاتب والمخرج (محمد صلاح العزب) بخياله الواهي في بناء سردية تتتبع الانحدار النفسي السريع للبطل – بعيدا عن واقعية القصة – يبدأ السرد من طفولته التي طغت عليها العزلة والاضطراب، مرورا بتمرده الدائم على عائلته، وصولا إلى صدماته العاطفية، وتحديدا من خلال علاقته المعقدة بطليقته (لبنى/ سنتيا خليفة).

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!
سلط الضوء على التراكمات النفسية والعقد التي قادت إلى سلسلة من جرائم القتل الوحشية

خط تصاعدي لحالة الهوس

عمد نص (سفاح التجمع) في رسم خط تصاعدي لحالة الهوس التي تملكت البطل، حيث لم يقدمه كوحش مندفع منذ اللحظة الأولى، بل كإنسان مضطرب يبحث عن ذاته، قبل أن يكشف ارتباطه العاطفي عن جانبه السادي المظلم، وهو هنا سلط الضوء على التراكمات النفسية والعقد التي قادت إلى سلسلة من جرائم القتل الوحشية التي استهدفت النساء.

بعض النقاد يرى أن أحمد الفيشاوي (كريم)، قدم هنا واحدا من أجرأ وأعقد أدواره السينمائية، عندما تخلى تماما عن أي محاولة لاستدرار التعاطف، ليجسد شخصية مضطربة، باردة، ومرعبة، لكني أرى أن لغة جسده، ونظراته الخالية من المشاعر، وتناقضه الصارخ بين الهدوء الظاهري والوحشية الكامنة التي تسكنه في الواقع لعبت دورا مهما، جعلت من أدائه المحرك الأساسي للفيلم.

كما أن الضحكة الهستيرية، وتكرار الضحك المفاجئ والنظرات (الجنونية) المفتعلة جعل الشخصية أحيانا تبدو كـ (شرير كرتوني) بدلا من سفاح واقعي يتسم بالهدوء والبرود المخيف الذي عرفناه في الحقيقة، وربما هذا نال كثيرا من الافتعال الذي ظهرت عليه شخصية (كريم).

لاحظت افتقاد (سفاح الجمع) للغموض، فالأداء كان (صاخبا جدا)، بينما قوة شخصية السفاح الحقيقية كانت تكمن في قدرته على التخفي والتمثيل بأنه إنسان طبيعي تماما، وهو ما فشل (الفيشاوي) في تجسيده حيث كان (الاضطراب) يظهر عليه من المشهد الأول، وظل على تلك الوتيرة طوال الشريط السينمائي الذي أعتبره الأسوأ في موسم عيد الفطر.

(انتصار) رغم موهبتها المشهود لها بالكفاءة، إلا أنها قدمت دور المرأة الشعبية القوية بنفس الطريقة التي شاهدناها في عشرات الأعمال السابقة.. لم تضف الشخصية أي جديد لمسيرتها، وبدت وكأنها تؤدي (روتينا) تمثيليا مكررا.

صابرين: عانت من نمطية الأم المقهورة، كان هناك إفراط في البكاء والنواح الذي لم يتطور درامياً، أو يتناسب مع وتيرة الأحادث، مما جعل مشاهدها في النصف الثاني من الفيلم ثقيلة ومملة للمشاهد الذي يبحث عن وتيرة سريعة.

معظم الممثلات اللواتي قمن بأدوار الضحايا (مثل مريم الجندي وآية سليم) وقعن في فخ الأداء الوظيفي، وقد انحصر أداؤهن في (الخوف، الصراخ، التوسل)، دون وجود أي عمق إنساني يجعل المشاهد يشعر بفداحة الخسارة.. بدا الأداء آليا وكأنهن (موديلز) في فيديو كليب رعب وليس ممثلات يجسدن مأساة حقيقية.

لم يكن هناك ترابط حقيقي أو (كيمياء) تذكر على الإطلاق بين (أحمد الفيشاوي) وطليقته (سينتيا خليفة).. المشاهد المفترض بها أن تفسر سبب جنونه أو تعلقه بها بدت باردة ومفتعلة، ولم يقنعنا الأداء بأن هذه العلاقة هى (المحرك) لكل هذا العنف والدمار.

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق! (سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!
يؤدون أدوارهم بأسلوب (بارد) وتعبيرات جامدة، مما خلق فجوة كبيرة في مستوى التمثيل

فجوة كبيرة في مستوى التمثيل

بدا لي ولغيري من المشاهدين أن المخرج (محمد صلاح العزب) صب كل اهتمامه على (أحمد الفيشاوي)، وترك الأدوار الثانوية (مثل ضباط التحقيق أو الجيران) يؤدون أدوارهم بأسلوب (بارد) وتعبيرات جامدة، مما خلق فجوة كبيرة في مستوى التمثيل داخل المشهد الواحد.

وقع المخرج في فخ المحاكاة والتقليد؛ حيث بدت الكادرات، وتوزيع الإضاءة، وحتى الموسيقى التصويرية، وكأنها نسخة مصرية باهتة من أعمال عالمية شهيرة مثل فيلم Seven أو مسلسل Dahmer، فقد فشل الإخراج في ابتكار لغة بصرية خاصة تنبع من بيئة (التجمع الخامس) والقاهرة، واكتفى بنقل القوالب الجاهزة لأفلام القتلة المتسلسلين الغربية.

من أهم مهام مخرج أفلام الجريمة هى الحفاظ على خيط رفيع يربط المشاهد بالشاشة، لكن (العزب) استسلم لغريزة (الصدمة البصرية)، فتركيز الكاميرا الطويل والتلذذ بتصوير تفاصيل الجثث والتعذيب جعل المشاهد يشعر بـ النفور والاشمئزاز بدلا من الخوف والتشويق.. هذا (الإفراط) الإخراجي أفقد الفيلم عمقه النفسي وحوله إلى ما يشبه (أفلام الذبح (Slasher Movies).

وبدلا من أن يترك المخرج المشاهد يستخلص العبرة من الأحداث، اختار نهاية تقليدية جداً ومباشرة مليئة بالخطب الرنانة والمشاهد التي تحاول إرضاء الرقابة والجمهور المحافظ، مما دمر (السوداوية) الفنية التي حاول بناؤها طوال الفيلم.

وعند تحليل مساوئ فيلم (سفاح التجمع) أكثر، سنجد أن العمل وقع في فخاخ فنية وأخلاقية كثيرة أثارت حفيظة النقاد والجمهور على حد سواء، كما يؤخذ على الفيلم تسرعه في الخروج للنور بعد فترة وجيزة جداً من وقوع الأحداث الحقيقية (2024).. هذا التسرع جعل العمل يبدو وكأنه استغلال تجاري لآلام الضحايا ولحالة الجدل المحيطة بالقضية، بدلاً من كونه دراسة فنية متأنية لظاهرة إجرامية.

رغم محاولات المخرج إظهار بشاعة الجرائم، إلا أن التركيز المكثف على البطل (أحمد الفيشاوي) وذكائه في التخطيط، مع إضفاء مسحة من المظلومية على طفولته، أدى بالضرورة دون قصد إلى (أنسنة) السفاح.. هذا النوع من التناول قد يدفع المشاهد المراهق أو غير الناضج للتعاطف معه كـ (بطل تراجيدي)، وليس كمجرم سادي.

فقد بالغ (سفاح التجمع) في تصوير تفاصيل عمليات القتل والتخلص من الجثث بشكل فج وصادم، ويرى بعض النقاد أن هذه المشاهد لم تكن تخدم الدراما بقدر ما كانت تهدف لصدمة المشاهد وجذبه، مما جعل الفيلم يقترب من أفلام (الرعب الرخيصة) وابتعد به عن الدراما النفسية الرصينة.

(سفاح التجمع).. سينما تبعث على النفور والاشمئزاز بدلا من التشويق!
السيناريو تعامل مع شخصيات النساء كـ (أدوات) أو (أرقام) في سلسلة جرائم السفاح

موتهن يمر كحدث وظيفي

رغم تعدد النجمات المشاركات (سينتيا خليفة، مريم الجندي، آية سليم)، إلا أن السيناريو تعامل مع شخصيات النساء كـ (أدوات) أو (أرقام) في سلسلة جرائم السفاح، ولم يتم التعمق في دوافعهن أو خلفياتهن الإنسانية بشكل كاف، مما جعل موتهن يمر كحدث وظيفي بحت لتطوير شخصية البطل فقط.

في محاولة لإطالة أمد الفيلم ليتناسب مع زمن العرض السينمائي، تم إقحام خطوط درامية فرعية وقصص جانبية (مثل بعض الخلافات العائلية المفتعلة) التي بدت مقحمة وأدت إلى ترهل الإيقاع في الربع الثالث من الفيلم، مما أفقد العمل حالة (التوتر المتصل) التي بدأت في المشاهد الأولى.

وفي النهاية: حاول الفيلم أن يطرح تساؤلا أخلاقيا صعبا: هل من حق السينما إعادة تجسيد مآسي حقيقية لا تزال جراح أهالي الضحايا فيها نازفة؟.. هذا التوجه السينمائي قد يعيد تذكير أسر الضحايا بالتفاصيل المؤلمة بشكل قد يضر بصحتهم النفسية، وهو مأخذ اجتماعي كبير وجه لصناع الفيلم.. وتلك رسالة سلبية بالتأكيد تنال من مصداقية صناع (سفاح التجمع).

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.