عندما عقدت محاكمة لـ (حسين كمال) وغضب مني، ورد عليه نقاد العالم العربي!



بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
مرت منذ أيام قليلة في صمت يشبه صمت القبور، ذكرى المخرج العبقري (حسين كمال) الذي أخرج لكل المجالات الفنية، وقدم لوحات فنية مبهرة في السينما، والمسرح، والتليفزيون، والإذاعة، والأغنية المصورة.
فلا يختلف اثنان في أن (حسين كمال) مخرج له تكنيك خاص جدا، خاص به وحده، وأنه واحد من القلائل في تاريخ السينما المصرية الذي لم يتخصص في لون واحد وقدم تنويعات مختلفة من الأفلام السياسية، والإجتماعية، والغنائية، والإستعراضية، والنفسية.
وعرف كيف يدفع بعجلة السينما إلى الأمام، وعرف كيف ينبت لها جناحي فراشة، وكيف يلونها بألوان قوس قزح، ويزين صدرها ورأسها بريش الطاووس الملكي، فسينما (حسين كمال) قوية، نفاذة كالعطر الشرقي، مشرقة ودافئة كالشمس، وأحيانا خادعة كالسراب.

إعجاب بـ (حسين كمال) وغيره
ربطت بيني وبين (حسين كمال) صداقة وطيدة منذ كنت طالبا في الجامعة، مبهورا بأفلامه، وكان واحدا من النجوم والنقاد الذين توفرت تليفوناتهم المنزلية معي في هذه الفترة، وتواصلت معهم.
هو و(هاني شاكر) و(فريد شوقي)، و(مديحة يسري)، والنقاد (سامي السلاموني، وعلي أبوشادي، وطارق الشناوي) وكنت اتصل بهم بإستمرار، وأتبادل معهم كمعجب الحوارات.
وعندما بدأت عملي الصحفي وأنا طالب كمتدرب في جريدة (الشرق القطرية) تحت قيادة أستاذي الأول الكاتب الكبير (يوسف الشريف)، كان (حسين كمال) يمدني ببعض أخباره، أو أخبار زملائه الفنانيين، وأقوم بنشرها.
وظلت علاقة الصداقة مستمرة، حتى تخرجت من الجامعة، وإلتحقت بالعمل في جريدة (الحياة اللندنية) بجانب عملي في جريدة (الشرق القطرية)، وطلب مني الصديق الغالي الكاتب الصحفي الكبير (محمود موسى) المسئول عن صفحات الفن في الجريدة الكبيرة أن أجرى حوارا مطولا مع المخرج (حسين كمال).
وبالفعل اتصلت بمخرجنا الكبير، ووافق، وقال لي جهز نفسك، وأول ما تكون جاهز بلغني، أحدد لك موعد الحوار، ونظرا لأن حوار (حسين كمال) كان من الحوارات الأولى لي، فقد استعديت له خير إستعداد.
حيث رجعت إلى أرشيفي الفني الضخم، وبدأت أقرأ كل ما كتب عن (حسين كمال)، وتحديدا ما كتب من نقد عن أفلامه، وذهبت إلى شركة المنتج (جمال الليثي)، واشتريت كل أفلامه الموجودة عندهم على شرائط فيديو، وبدأت مشاهدتها.


حوار ساخن انتهى بمعركة
بعد انتهائي من مهمتي الممتعة، اتصلت بمخرجنا (حسين كمال)، وطلبت مقابلته، وحدد لي موعدا في منزله، الكائن في ميدان رمسيس، وذهبت إليه، وواجهته بكل أخطائه التى أرتكبها في أفلامه، والتى رصدها كبار نقادنا في نقدهم لأفلامه.
وسخن الحوار بيني وبين (حسين كمال) لدرجة الأشتعال، وبدأ مخرجنا الكبير (يتعصب، ويتنرفز)، فنظرا لقلة خبرتي الصحفية في هذا الوقت تركت كل ايجابيات أفلامه، وركزت فقط على السلبيات فقط، بمعنى أنني عقدت محاكمة لـ (حسين كمال).
وفي نهاية المقابلة قال لي: (أنت متأكد أنك أحمد السماحي المحب لي ولأفلامي)؟، فقلت له وأنا أضحك حتى أخفف من حدة الحوار بينا: (نعم أنا بشحمه ولحمه!)، فنظر ليا نظرات كلها دهشة واستغراب، وقال بحزن: غريبة!.
وعندما طلبت منه صورا، قال لي بغضب وحدة: (مافيش صور!، خد من أرشيفك!)، قلت له: (عايز صور لحضرتك، وأنا هاتصرف في صور الأفلام) فرفض إعطائي أي صور.
وأنهى الحوار قائلا: (لو بتحبني بلاش تنشر هذا الحوار، لأنه كله اتهامات، وأنا ارد على هذه الاتهامات)، فقلت له جملتي المطاطة التى لا تدل على شيئ: ربنا يسهل!
وبمجرد انتهائي من الحوار، رجعت لمكتب جريدة (الحياة اللندنية)، وكان في استقبالي صديقي (محمود موسى) وسألنى: (سبع ولا ضبع)، فقلت له: (سبع، بس هو لا يريد نشر الحوار، ولم يعطيني صور له).
فقال لي (محمود موسى): ماذا حدث بينكما؟ فحكيت له: ماحدث، وقلت له، وكان عصبيا جدا، وطول الوقت يقول أنا (حسين كمال، عملت كذا وكذا.
فقال لي (محمود موسى): حلو عد كلمة (أنا) التى قالها في تسجيل الحوار الذي معك، وأكتب عدد المرات التى ذكر فيها (أنا) في المقدمة التى ستكتبها عنه، وننشر الحوار كاملا، لأن (حسين كمال) مقل جدا جدا في حوارته ولا يجري حوارات!
وبالفعل أعددت الحوار للنشر، ونفذت ما قاله (محمود موسى)، ونشر الحوار لأول وآخرة مرة في تاريخ جريدة (الحياة اللندنية) على صفحة ونصف في ملحق (السينما) الذي كان ينشر كل يوم جمعة، وكان المسئول عنه ناقدنا اللبناني الكبير (إبراهيم العريس).
وكان عنوان الحوار: (حسين كمال: أفلامي دخلت التاريخ، وكتابات النقاد كان مصيرها سلة المهملات).. كنت كاتبها أنا (سلة الزبالة) على حد تعبيره، لكن تم تعديلها إلى سلة المهملات.

النقاد يفتحون النارعلى حسين كمال
بمجرد نشر الحوار (كسر الدنيا) حيث أغضب كبار نقاد مصر، والعالم العربي، حيث أنني كنت أقول له أن الناقد الفلانى قال عن فيلمك الفلانى كذا، وكذا، وهو كان يردد!، وتناقلته كثير من الجرائد العربية منهم جريدة (السفير) اللبنانية التى نشرته بعد تغيير عنوانه إلى (انجز عددا من كلاسيكيات السينما المصرية، حسين كمال: (أحب أفلامي الفاشلة.. ويوسف شاهين ليس أستاذي).
وغضب مني (حسين كمال) واتصل بي بغضب شديد قائلا في ثورة غضبه: (بليز أعمل دليت لرقمي من عندك، ولا تحدثني مرة ثانية!).
وبدأ النقاد يردوا على حوار (حسين كمال) على صفحات ملحق السينما في جريدة (الحياة) أو في جرائدهم الخاصة، فرد عليه (إبراهيم العريس) في (الحياة)، وانتقده بقوة (سمير فريد) في جريدة (الجمهورية)، وعلق (على أبوشادي) على الحوار في جريدة (القاهرة).
ووراء كل نقد كان (حسين كمال) العظيم يتصل بي، ويقول غاضبا: (شايف يا منيل على عينك اللي بيحصل ليا بسببك)!
ومع مرور الأيام هدأت ثورة مخرجنا العبقري (حسين كمال)، وأثناء تجهيزه لفيلمله الجديد والأخير (سماح والبنات الملاح) الذي كان من المقرر أن تقوم به المطربة المغربية (سمية قيصر) ولم يخرج للنور، اتصلت به.
فقال لي وهو هادئا: (مش قولت لك امسح رقمي، ليه ما مسحته؟!) فقلت له :(لأنك عبقري وانا بحب العباقرة) فقال لي: (انت مسحت بتاريخ العبقري الأرض، بقي يا منيل مافيش إيجابية واحدة في أفلامي تذكرها في حوارك الزفت ده!).
فقلت له: (كنت صحفي جديد يا عبقري، والآن أتمنى أن أجرى حوار لك جديد في مجلة (الأهرام العربي) نتحدث فيه عن فيلمك الجديد)، فقال لي بكل طيبة وحنان: (ماشي يا سيدي عدى عليا، ونشوف الكارثة اللي هتعملها فيا ايه المرة دي!).
وبالفعل أجريت معه الحوار عن الفيلم، ومشاريعه التليفزيونية الجديدة، وبعد نشر الحوار اتصل بي سعيدا بما كتبته عنه، وبالحوار.. رحم الله مخرجنا الفذ (حسين كمال)، ورحم الله زمن الصحافة أيام كانت مهنية بالمقام الأول والأخير.






