
بقلم الكاتب الصحفي: بهاء الدين يوسف
من اعتاد ان يسمع تترات مسلسلات رمضان القديمة، بصوت (علي الحجار) الشجي، وهو يتحدى قسوة الحياة في مسلسل (الأيام)، أو تندر على شرور البشر في مقدمة (الشهد والدموع)، لابد وأن يشعر بأن دراما رمضان لم تعد هي نفسها.
وربما أن الشهر الكريم لم يعد هو نفس الشهر الذي كنا نعيش أمسياته في الماضي بشغف كبير ونحن ننتظر الاستماع لتتر المسلسلات التي يغنيها الحجار من كلمات سيد حجاب والحان الشريعي أو عمر خيرت.
الى الان لا يتفق الكثيرون من مواليد الستينات والسبعينات على شيء بقدر اتفاقهم على أن صوت (علي الحجار) كان هو الشيء الاكثر امتاعا لهم، بل يمكن وصفه ببساطة إنه كان وسيبقى صديق وقت الضيق الذي يستطيع وحده أن يزيل من داخلنا أي حالة ضيق مهما بلغت حدتها.
فقد كنا نجد في صوت (علي الحجار) سلوانا لنا حين نخفق في قصة حب من تلك القصص التي اعتدنا أن نعيشها في سنوات الجامعة وما قبلها، مثلما كنا نلتمس عنده في أحيان أخرى الصبر على ما كنا نتعرض له من قهر عائلي أو اجتماعي.
كنا في ذلك الزمن البعيد نردد دائما جملته الشهيرة من تتر مسلسل (الشهد والدموع): (كلنا من أم واحدة أب واحد دم واحد بس حاسين باغتراب) التي أبدعها (سيد حجاب) بقلمه وصاغها (عمار الشريعي) بألحانه وفجرها الحجار بصوته.

(علي الحجار) و(محمد منير) جناحي الغناء
كان (علي الحجار) إلى جانب (محمد منير) جناحي الغناء اللذين نقلا جيلنا إلى مرحلة الوعي بقضايا بلدنا السياسية والاجتماعية، كان منير يقود ثورة التمرد على إرث الأجيال السابقة وموسيقاها وأغانيها التي عاشت في وجدان المصريين لعقود، بينما كان (علي الحجار) الأقل تمردا يحرك الأرض بهدوء وعمق تحت تماثيل الفن التي عبدتها الأجيال السابقة لسنوات طويلة.
قبل ذلك كانت وفاة (حليم) في سن مبكرة نسبيا والتي أدمت قلوب محبيه وعشاق الغناء الطربي، قد شكلت نوعا من الرفض في العقل الجمعي لنموذج (عبد الحليم الطربي)، والبحث بدلا من ذلك عن مطربين يختلفون في الشكل والمضمون عن حالة العندليب.
هذه الحالة أفسحت المجال لنجوم شباب مختلفين في الشكل والمضمون، ظهروا في تلك الفترة، في مقدمتهم (محمد منير)، و(علي الحجار)، وهى نفسها التي لم تمنح نفس الانتشار لمطربين موهوبين مثل (محمد الحلو وأحمد ابراهيم)، لم يشعر الجمهور باختلافهم.
وبقدر ما كانا محظوظين باعتبارهما طليعة مرحلة التمرد على المألوف، كان المجتمع محظوظا بظهورهم في ذلك الوقت لإنقاذ الفن من السقوط في هاوية أذواق مجتمع الانفتاح الذي بدأ يفرض ذوقه الهابط على السينما والغناء.
في السينما انتشرت أفلام المقاولات التي وصفها المخرج (محمد كامل القليوبي) بأنها شكّلت الموجة الأكثر هبوطًا فى تاريخ السينما المصرية، وفي الغناء شكل شارع الهرم ومطربيه ذائقة موسيقية فاسدة ميزت صنايعية ورجال أعمال عصر الانفتاح.

صوت عبقري مثل (علي الحجار)
شيء واحد ظل ينقص المسيرة المهنية الناجحة لمطرب صاحب صوت عبقري مثل (علي الحجار)، هى علاقته غير المنصفة مع الإعلام، فقد تعرض لظلم بيّن بعدم حصوله على ما يستحقه من تقدير ومكانة تليق بموهبته، في وقت حصل فيه مطربون على تقدير مبالغ فيه، رغم أنهم لم يملكوا ولو قدر ضئيل مما كان يملكه من موهبة وثقافة.
جمعني أكثر من لقاء بالحجار فوجدته على الطبيعة أكثر أدبا وارفع خلقا مما كان خلف الميكروفون أو على الشاشة.. أتذكر أنه حل ضيفا على مجلة الشباب عام 90، ليرد على تليفونات القراء، وقبل أن تبدأ الاتصالات جلسنا معه وكنا صحفيين شباب تحت التمرين في ذلك الوقت، لا يملك المدخنون فينا قدرة على تحمل ثمن علبة سجائر افضل من كليوباترا سوبر بينما كان علي يحمل علبة سجائر مارلبورو.
وحين حاول أحد زملائنا أن (يعزم عليه) بسيجارة سوبر ابتسم الحجار بلطف وقام من مكانه وهو يقول (ما تاخد انت مني سيجارة وخلي علبتك لوقت تاني)، لكن زميل آخر علق على ما حدث وهو يضحك قائلا (الراجل عايز يعزم عليك بسيجارة فلورسنت!).
(وهو لفظ كان يطلق على السجائر السوبر لطولها غير الطبيعي) لكن (علي الحجار) عاد ليرد بنفس التواضع: (كلنا كنا بنشربها قبل ربنا ما يكرمنا، بكره إن شاء الله تجيبوا اللي أحسن من مارلبورو).