* هل انس الفقي برئ من دم المهندس عبد الرحمن حافظ ..؟؟
* ممدوح البلتاجي وضع المخطط وتم التنفيذ بقسوة في عصر انس الفقي ..!!

بقلم الدكتور: إبراهيم أبوذكري *
كانت البداية في منتصف عام 2004، فور تولي الوزير ممدوح البلتاجي مسؤولية وزارة الإعلام.. في تلك الفترة، كانت هناك توجهات واضحة لإعادة هيكلة الوزارة، شملت قطاعات مهمة مثل مدينة الإنتاج الإعلامي والنايل سات.. وكان المناخ العام يشير إلى أن مرحلة جديدة يجري الإعداد لها داخل المنظومة الإعلامية بالكامل.. قبل تولي (أنس الفقي) وزارة الإعلام بفترة طويلة.
خلال أحد الاتصالات بيني وبين الوزير ممدوح البلتاجي، أبلغني بأن هناك تفكيرًا جديًا في تغيير المهندس عبد الرحمن حافظ من رئاسة مدينة الإنتاج الإعلامي. وفي ذلك الوقت، كان عبد الرحمن حافظ يشغل أيضًا منصب رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب، بينما كنت أنا أتولى منصب الأمين العام للاتحاد، إلى جانب كوني المؤسس وصاحب الدور المحوري في إدارة الجمعية العمومية وهيكل الاتحاد.
كان الوزير واضحًا في حديثه؛ فإذا تم تغيير رئيس مدينة الإنتاج الإعلامي، فمن غير المناسب – من وجهة نظره – أن يستمر في الوقت نفسه رئيسًا لاتحاد المنتجين العرب، وأكد لي أننا بحاجة إلى التفكير في اسم جديد لتولي رئاسة المدينة، وبالتالي رئاسة الاتحاد أيضًا، حتى تكون الصورة متسقة إداريًا ومؤسسيًا.
دار بيننا نقاش مطول حول البدائل المطروحة.. وكان من المهم أن يكون الاختيار من شخصية تحظى بثقل مهني وقانوني، وتمثل إضافة حقيقية للاتحاد، خاصة وأن الاتحاد منذ تأسيسه حرص على أن يكون كيانًا مدنيًا مستقلًا، رغم وجود شركات وجهات كبيرة في المشهد الإعلامي.
وقد سبق أن طُرحت فكرة انضمام جهات رسمية أو شبه رسمية بعضوية تأسيسية، لكننا تمسكنا منذ البداية بأن يظل الاتحاد قائمًا على شركات المجتمع المدني وفقًا للائحة واضحة ومستقلة.

المحاسب سيد حلمي
وبعد مشاورات مستفيضة، وقع اختياري على المحاسب سيد حلمي، رئيس مجلس إدارة شركة صوت القاهرة للصوتيات والمرئيات، وهى شركة لها سجل تجاري واضح وتُعد من الكيانات القانونية المعترف بها بالمجتمع المدني، رغم تبعيتها لاتحاد الإذاعة والتلفزيون آنذاك.
كانت الميزة في هذا الاختيار أنه يجمع بين الصفة المؤسسية الرسمية والوضع القانوني كشركة مدنية، وهو ما كان يمنح الاتحاد قوة أمام العالم العربي ويحصنه قانونيًا.
تواصل الوزير ممدوح البلتاجي هاتفيًا مع الأستاذ سيد حلمي، ودعاه إلى لقاء يجمعني به وتنفيذ ما تم الاتفاق عليه معه.
وبالفعل، عقدت معه اجتماعًا مطولًا ناقشنا فيه سويا الرؤية العامة، وترتيبات المرحلة المقبلة بناء على متطلبات الوزير وكنا نشعر ان ما نتفق عليه هي سياسة عليا ينفذها الوزير ممدوح البلتاجي، وتحدثنا على إمكانية تمكين المحاسب سيد حلمي إدارة مدينة الإنتاج الإعلامي والاتحاد العام للمنتجين العرب بصورة تكاملية تحقق الاستقرار وتخدم الصناعة الإعلامية العربية.
غير أن التعديل الوزاري الذي أعقب ذلك وتولي الوزير (أنس الفقي) مسؤولية وزارة الإعلام غيّر كثيرًا من المعطيات.. فالملف الذي كان قد تم إعداده في عهد الوزير السابق ممدوح البلتاجي، من المنطق انه انتقل إلى الوزير الجديد، لكن دون الإحاطة الكاملة بالخلفيات والتفاهمات التي جرت حتى وصل الأمر الي اختيار الأستاذ سيد حلمي لرئاسة مدينة الإنتاج الإعلامي، وبالتالي لرئاسة اتحاد المنتجين العرب.
ومع بداية تولي الوزير (أنس الفقي)، لم تكن هناك مشكلات ظاهرة في الأسبوع الأول، إلا أن الأمور بدأت تأخذ مسارًا مختلفًا لاحقًا، خاصة في ظل تصورات غير دقيقة عن طبيعة علاقتي بالأستاذ عبد الرحمن حافظ، حيث كان يُنظر إليّ باعتباري قريبًا منه، في حين أن موقفي كان مؤسسيًا بالأساس، مرتبطًا بمصلحة الاتحاد واستقراره.
وعلى الرغم من صداقتي بالوزير ممدوح البلتاجي وانسجامي معه في عدد من المشاريع، وكان له فضل كبير في طرح فكرة إنشاء غرفة لصناعة التلفزيون، والتي تحولت بعد جهد كبير إلى الشعبة العامة للإعلام ومنتجي الأعمال الفنية بالاتحاد العام للغرف التجارية.
وكان له في ذلك أفضال عديدة، فقد سعدتُ باستمرار المهندس عبد الرحمن حافظ معنا في الاتحاد، وكذلك باستمراره رئيسًا لمدينة الإنتاج الإعلامي، خاصة بعد رحيل الدكتور ممدوح البلتاجي.

كنت سعيدًا برحيل ممدوح
لم أُخبر المهندس عبد الرحمن حينها أنني كنت سعيدًا برحيل ممدوح، حتى قال لي: (أنا أعرف مدى صداقتك للوزير ممدوح)، فلم أُفصح له عما بداخلي ولا عن الأسباب الحقيقية، ولم أكن أعلم ما الذي يخبئه لنا القدر، له ولي.
وفي يومٍ لا أنساه، تلقيت اتصالًا هاتفيًا من المهندس عبد الرحمن حافظ.. كان صوته على غير عادته، يحمل شيئًا من القلق المكتوم.. طلب مني أن أتواجد في مكتبه بمدينة الإنتاج الإعلامي في موعد محدد، وأخبرني أن الوزير (أنس الفقي) سيزوره لأول مرة، وأنه لا يشعر بالارتياح لهذه الزيارة. قالها بصراحة: (وجودك مهم… ربما تخفف من حدة أي حوار قد يدور بيننا).
أغلقت الهاتف وأنا أتساءل في داخلي: ما الذي يُدبَّر؟ لم أكن أعلم حينها ما إذا كان الوزير (أنس الفقي) مطلعًا على الخلفيات الكاملة لما كان ينوي عليه ممدوح البلتاجي تجاه المهندس عبد الرحمن، ولا عن القرار الذي كان قد اتخذه البلتاجي، وهل كان ذلك القرار مدعومًا فعلًا من الرئاسة أم أنه اجتهاد شخصي منه.. كان المشهد أكثر تعقيدًا مما يبدو.
(أنس الفقي) لا يعلم شيئًا عما دار بيني وبين ممدوح البلتاجي، وعبد الرحمن لا يعلم بدوره حقيقة ما كان بيني وبين البلتاجي من أحاديث وخفايا.. كنت وحدي أحمل كل تلك الخيوط المتشابكة في صدري، وأحاول أن أبدو طبيعيًا.
عندما وصل الوزير (أنس الفقي)، استقبلناه أنا وعبد الرحمن في صالة الـ VIP بمدينة الإنتاج الإعلامي.. جلسنا نحن الثلاثة فقط، بلا أي وجود لقيادات أو كوادر من المدينة.. وحتى اليوم لا أعرف لماذا أصرّ على أن يكون اللقاء مغلقًا بهذا الشكل.. كان في الأمر ما يوحي بأن شيئًا غير عادي يُحضَّر في الخفاء.
بعد دقائق، نزلنا في جولة قصيرة داخل المدينة.. كنا نسير نحن الثلاثة جنبًا إلى جنب، لكن المسافات النفسية بيننا كانت أبعد من الطرق التي قطعناها.. كان الوزير(أنس الفي) متحفظًا، صامتًا أغلب الوقت، لا تعلو وجهه ابتسامة واحدة.
عيناه تستمعان أكثر مما تتكلمان.. أما عبد الرحمن، فكان يجتهد في خلق أي حديث، أي جملة، أي تعليق يملأ به الفراغ الثقيل الذي يخيّم على الأجواء. كنت أراه يحاول، وأشعر بقلقه، وأدرك كم كان يريد أن تمر الزيارة بسلام.

المسمار الأخير سيدقّه (أنس الفقي)
أما أنا، فكنت أعيش صراعًا داخليًا صامتًا.. مع كل دقيقة تمر، كان يقيني يزداد بأن المسمار الأخير سيدقّه (أنس الفقي)، القرار قادم لا محالة، وأن المسمار الأخير سيدقّه (أنس الفقي)، تنفيذًا لما لمح به لي ممدوح البلتاجي من قبل.. كنت أستعيد كلماته في رأسي، وأربط بينها وبين ملامح الوزير الصامتة، فأشعر أن المشهد يُعاد ترتيبه أمامي، وأن النهاية تقترب.
كانت جولة قصيرة في ظاهرها، لكنها في داخلي بدت طويلة وثقيلة، كأنها تمشي بي نحو لحظة أعرفها مسبقًا، ولا أملك أن أوقفها.. وحدث ما حدث!
لكن الحقيقة أنه جاء أقسى مما تخيلت، وأشد رعبًا مما توقعت حتى في أسوأ تصوري لما كان يُمكن أن يحدث في عهد ممدوح البلتاجي.. ما شهدناه لم يكن مجرد قرار إداري أو تغيير منصب، بل كان مشهدًا صادمًا، يكاد يكون أقرب إلى العاصفة.
في صباح ثقيل، دخلت إلى مدينة الإنتاج الإعلامي فرقة كاملة من الرقابة الإدارية، يصاحبها دعم من جهاز الشرطة.. انتاب المدينة شعور بالذهول والارتباك.. المكاتب التي كانت تضج بالحركة اليومية خيّم عليها صمت مرتبك، والوجوه تساءلت دون أن تجرؤ على السؤال.
جلست الأجهزة في المدينة أيامًا طويلة؛ تفحص، وتحرر، وتبحث، وتستدعي هذا وتسأل ذاك.. كانت الأيام تمر ببطء شديد، كأن الزمن نفسه يراقب المشهد.. كنا نترقب، نأمل أن تنتهي الأمور إلى لا شيء.. لكن النهاية جاءت بما لم نرده.
فعلى الرغم من أن فترة رئاسته لمدينة الإنتاج الإعلامي كانت مليئة بالنجاحات والريادة الإعلامية المصرية إلا أنه تم القبض على عبد الرحمن حافظ، وخلال أيام خرج بعد التدقيق عليه ومراجعة ما كان منسوب إليه.
ولم تمر أيام بعد خروج عبد الرحمن من التحقيق الذي تم معه فوجئنا بالجرائد اليومية منشور من (أنس الفقي)، بيانًا رسميًا تضمّن اتهامات مباشرة إلى المهندس عبد الرحمن حافظ بارتكاب مخالفات مالية جسيمةخلال فترة توليه رئاسة اتحاد الإذاعة والتليفزيون، تمثلت – بحسب ما ورد بالبيان – في الاستيلاء على المال العام وإهداره بالمخالفة لأحكام القوانين واللوائح المنظمة للتعاقدات بالجهات الحكومية.
وأوضح البيان أن المذكور أبرم تعاقدًا مع إحدى الشركات المختصة بإعادة بث إرسال القناة الفضائية المصرية في قارتي أمريكا الشمالية والجنوبية دون إجراء الدراسات الفنية والمالية والاقتصادية اللازمة، ودون استيفاء الإجراءات القانونية الواجبة أو الحصول على الموافقات المسبقة من الجهات المختصة.
الأمر الذي ترتب عليه تحميل الاتحاد أعباءً مالية باهظة بلغت نحو 18 مليونًا و800 ألف دولار أمريكي، بما يمثل ضررًا محققًا بالمال العام.

مخالفات مالية وإدارية جسيمة
كما أشار البيان إلى مخاطبة هيئة الرقابة الإدارية لفحص ما أثير من شبهات حول وجود مخالفات مالية وإدارية جسيمة شابت أداء عبد الرحمن حافظ، أثناء رئاسته لاتحاد الإذاعة والتليفزيون، وكذلك خلال توليه رئاسة مدينة الإنتاج الإعلامي، وذلك تمهيدًا لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة في ضوء ما تسفر عنه نتائج الفحص والتحريات.
وعلى إثر ذلك، أصدر وزير الإعلام (أنس الفقي) قرارًا بإقالته من منصبه كرئيس لمدينة الإنتاج الإعلامي، مع إحالة المذكرة التفصيلية بشأن الوقائع المنسوبة إليه إلى السيد النائب العام لاتخاذ شؤون التحقيق والتصرف، إعمالًا لمبدأ المساءلة القانونية وصونًا للمال العام كما ادعي عليه.
تم التحفظ على أمواله، وفُرضت عليه الحراسة، وتوج بعشرين شهرا قضاها المهندس عبد الرحمن حافظ الرئيس السابق لمدينة الإنتاج الإعلامي خلف القضبان الحديدية إزاء اتهامه بالاستيلاء وتسهيل الاستيلاء على المال العام بما قيمته 40 مليون جنيه (حوالى 7 ملايين دولار اميركي).
إلى أن حكمت محكمة الجنايات ببراءته هو وثلاثة آخرين وجهت لهم التهم نفسها.. قضوا قرابة عامين ظلماً خلف القضبان، قدر وابتلاء من الله
وفي السياق نفسه، تم تعيين المحاسب سيد حلمي رئيسًا لمدينة الإنتاج الإعلامي، كما كان مخططًا من قبل.. وبحكم المنصب، أصبح أيضًا رئيسًا للاتحاد العام للمنتجين العرب.. وهكذا، بدا لي أن مخطط الوزير ممدوح البلتاجي قد اكتمل بالكامل.. ولكن في زمن وزير آخر.
كنت أشرح لجميع أصدقائي أن من الخطأ ربط ما حدث لعبد الرحمن حافظ بتولي (أنس الفقي) حقيبة وزارة الإعلام، وكأن الرجل جاء ومعه القرار.. وكنت أقولها بضمير مستريح: (أنس الفقي) بريء من (دم) عبد الرحمن حافظ.. لكن مع ما حدث كان أكبر من مجرد لحظة تسلم حقيبة وزارية، ولم أتخيل ان هذا الزلزال الذي حدث من تأسيس ممدوح البلتاجي.
وتلك كانت بداية فصل جديد من التفاصيل والتحديات، التي حملت في طياتها أبعادًا إدارية ومؤسسية وسياسية، سأعود إليها لاحقًا.
* رئيس الاتحاد العام للمنتجين العرب