رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بين الفن والأدب: (أم العروسة).. للرائع عبد الحميد جودة السحار

بين الفن والأدب: (أم العروسة).. للرائع عبد الحميد جودة السحار

بين الفن والأدب: (أم العروسة).. للرائع عبد الحميد جودة السحار
(أم العروسة).. ليس فيلم زفاف بقدر ما هو فيلم أسرة
بين الفن والأدب: (أم العروسة).. للرائع عبد الحميد جودة السحار
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسسيناريست: أحمد صبحي

حين نرى الواقع بدقة، بلا زيف أو مواربة، نكتشف جماله الحقيقي.. نراه كما هو، بعيوبه ومفاجآته، ونفهم أن الحياة ليست مجرد سلسلة من الأحداث، بل تجربة تُعاش بكل تفاصيلها.. كل لحظة، مهما بدت بسيطة أو حتى مؤلمة، تحمل في داخلها قيمة خفية، لا تُرى إلا حين نقترب منها بصدق وهدوء كما في فيلم (أم العروسة).

في فيلم (أم العروسة) لا يحاول الفن أن يدهشك، ولا يسعى إلى بهرجة أو صخب مفتعل. لا يعتمد على مفاجآت درامية صارخة أو أحداث استثنائية، بل يختار طريقًا أكثر صعوبة وعمقًا: أن يكون صادقًا.. والصدق هنا ليس مجرد وسيلة، بل هو جوهر الجمال نفسه.

حين يقرر الفن أن ينقل لك الحياة كما هي، بكل تفاصيلها الصغيرة، بكل لحظاتها التي عشناها وربما نسيناها، تصبح الشاشة مرآة حقيقية.. لا ترى فيها أبطالًا خارقين، بل ترى نفسك.. ترى بيتك، لغتك، مخاوفك، وأحلامك المؤجلة.. يصبح الواقع – رغم قسوته أحيانًا – فنًا حيًا نابضًا بالجمال.

(أم العروسة).. ليس فيلم زفاف بقدر ما هو فيلم أسرة.. أسرة تحاول أن تصنع لحظة سعادة خالصة وسط عالم من الحسابات القاسية والضغوط التي لا ترحم.

الأب، الذي جسّده ببراعة (عماد حمدي)، هو صورة للرجل البسيط الذي يحمل العالم على كتفيه دون شكوى.. يتمنى لأبنائه حياة خالية من التعب، فيعطي بلا حدود، حتى لو كان هذا العطاء على حساب راحته، حريته، وأحلامه المؤجلة.. لا يفكر في نفسه بقدر ما يفكر في ابتسامة عابرة قد تضيء وجه ابنته، أو في استقرار يحمي بقية أبنائه من قسوة الأيام.

أما الأم، التي قدّمتها بإحساس فطري عميق (تحية كاريوكا)، فهي قلب الفيلم وروحه الحقيقية.. أم لا ترى نفسها أصلًا، بل ترى ابنتها فقط.. ترى فرحتها وتقرر أن تجعلها كاملة، بلا نقص، بلا كسور.. تمتلك قدرة غريزية على أن تكون حائط صد، تحمي ابنتها من أي نظرة قد تقلل منها، ومن أي محاولة لفرض سيطرة أو انتقاص.. الأم هنا ليست مجرد شخصية درامية، بل حالة إنسانية كاملة من الحماية والتضحية.

بين الفن والأدب: (أم العروسة).. للرائع عبد الحميد جودة السحار

بين الفن والأدب: (أم العروسة).. للرائع عبد الحميد جودة السحار
الحوار في فيلم (أم العروسة) بالغ الرقة والصدق؛ يخلو من الخطابة والتصنع

الحوار.. بالغ الرقة والصدق

يتجلى هذا الصراع الإنساني ببساطة شديدة في مشهد شراء جهاز العروسة.. الأم تشتري كل ما تراه مناسبًا، بعين امرأة تعرف جيدًا ما تحتاجه ابنتها حتى لا تشعر بالنقص يوم زفافها.. الأب، من جانبه، يحاول التذكير بحدود الميزانية وبثقل المسؤوليات القادمة.

هي تدرك ذلك تمامًا، لكنها تختار أن تضعه في الظل، أن تؤجل الحسابات، لأن سعادة الابنة – في تلك اللحظة – تبدو أهم من أي أرقام.

الأم تنظر إلى الحاضر، إلى اللحظة التي لن تتكرر.. الأب ينظر إلى المستقبل، إلى ما بعد الفرح، إلى بقية الأبناء.. كلاهما محق.. وكلاهما مخطئ قليلًا.. لكن الأهم أن كليهما يحب إلى حد نسيان الذات.

الحوار في فيلم (أم العروسة) بالغ الرقة والصدق؛ يخلو من الخطابة والتصنع.. كلمات تشبه ما قيل فعلًا داخل البيوت المصرية، و كان حاضرًا في القلوب.. حتى الأطفال لم يكونوا مجرد عناصر مكملة، بل جزءًا من النسيج الإنساني للعمل، يضيفون دفئًا حقيقيًا يجعل الفيلم يبدو وكأن الكاميرا تسللت إلى بيت مصري حقيقي دون استئذان.

الرواية الأصلية جاءت خفيفة وعميقة في آنٍ واحد، والفيلم نجح في نقل هذا الإحساس إلى الشاشة بأمانة نادرة، دون مبالغة أو افتعال. لذلك ظل العمل حيًا، يتكرر في الذاكرة، لا على الشاشة فقط، بل في كل بيت يشبهه.

(أم العروسة).. ليست مجرد امرأة.. بل فكرة كاملة: امرأة تدرك ثقل الحياة، وتفهم معنى المسؤولية، ومع ذلك تختار أن تضع سعادة ابنتها في المقدمة.. مستعدة أن تنكسر هى، وأن يتحمل الأب فوق طاقته، فقط كي تمر لحظة الفرح كاملة.. بلا كسر.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.