رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

محمود عطية يكتب: العسل الأسود في (الإعلام)!

محمود عطية يكتب: العسل الأسود في (الإعلام)!
وزير (الإعلام) يتحدث عن أسعار الخبز ويقرر بكل هدوء أن يقارنها بفرنسا

بقلم المستشار: محمود عطية *

في بلد يبدو أن المنطق فيه أخذ إجازة مفتوحة وترك الميكروفون لمن لا تربطه به أي علاقة أصبح (الإعلام) أشبه بمسرح عبثي لا يحتاج إلى كاتب كوميدي، لأن أبطاله يقومون بالمهمة على أكمل وجه دون أي مساعدة خارجية، كل ما عليك كمشاهد هو أن تجلس وتحاول أن تستوعب هل ما تسمعه حقيقي أم أنك دخلت في حلم ثقيل بعد وجبة عشاء دسمة؟

عندما يظهر (ضياء رشوان) وزير (الإعلام) ليتحدث عن أسعار الخبز ويقرر بكل هدوء أن يقارنها بفرنسا فأنت لا تكون أمام تصريح، بل أمام مغامرة عقلية جريئة جدا مغامرة من نوع القفز الحر بدون مظلة من سطح الواقع إلى قاع الخيال.

الرجل لم يكتف بتجاهل فرق الدخل ولا اختلاف الظروف الاقتصادية ولا حتى الفارق بين عملة بالكاد تصمد وعملة أخرى تقف بثقة عالمية، بل قرر أن يتجاوز كل ذلك دفعة واحدة وكأن هذه التفاصيل مجرد كماليات يمكن حذفها من المعادلة دون أن يتأثر الناتج

المنطق هنا بسيط إلى حد الإبهار!، إذا كان الخبز في فرنسا أغلى إذن أنتم بخير، وإذا كنتم لا تشعرون بأنكم بخير فالمشكلة في شعوركم لا في الأسعار ولا في الرواتب ولا في أي شيء آخر، إنها عبقرية من نوع خاص تلك التي تقنع الجائع بأنه شبعان فقط لأنه شاهد قائمة طعام في مطعم فاخر

ثم ننتقل بسلاسة إلى الفصل الثاني من هذا العرض، حيث يظهر (أحمد موسى) ليقدم الحل السحري الذي كان ينقص الاقتصاد المصري منذ عقود!، استبدل السكر بالعسل الأسود في الشاي، فجأة تتحول الأزمة من تضخم وغلاء وتآكل دخل إلى مجرد خطأ بسيط في اختيار المحليات.. يا لها من لحظة تاريخية في (الإعلام) كان يمكن اختصار سنوات من السياسات الاقتصادية المعقدة في ملعقة عسل أسود لو فقط انتبهنا من البداية.

محمود عطية يكتب: العسل الأسود في (الإعلام)!
ظهور المليونير (عمرو أديب) في دور الحكيم الذي يوزع النصائح من ارتفاع شاهق

(عمرو أديب) في دور الحكيم

الفكرة ليست مضحكة فقط بل كريمة أيضا لأنها تعطيك إحساسا بأن الحل في يدك أنت لا تحتاج إلى إصلاح اقتصادي ولا سياسات ولا أي شيء، فقط افتح المطبخ وعدل كوب الشاي وستنتهي الأزمة، ربما في المرحلة القادمة يتم اقتراح تقليل عدد الوجبات إلى وجبة واحدة يوميا ليس كأزمة بل كـ أسلوب حياة صحي يوفر المال ويحسن المزاج

ولا يكتمل هذا السيرك المنصوب في سرادق (الإعلام) دون ظهور المليونير (عمرو أديب) في دور الحكيم الذي يوزع النصائح من ارتفاع شاهق، حيث تبدو معاناة الناس تفاصيل صغيرة بالكاد ترى بالعين المجردة حديث طويل عن الصبر والتحمل وإعادة ترتيب الأولويات.

وكأن المواطن يمتلك بالفعل رفاهية الاختيار، وكأن هناك مساحة للمناورة بين الكماليات بينما الحقيقة أن معظم الناس لم يعد لديها ما تعيد ترتيبه أصلا، لأن القائمة اختصرت نفسها بنفسها إلى الأساسيات ثم بدأت هذه الأساسيات تختفي واحدة تلو الأخرى.

السخرية الحقيقية هنا أنك تستمع في (الإعلام) إلى دروس في التقشف من أشخاص لم يجربوا يوما أن يحسبوا تكلفة يومهم بالجنيه قبل أن يبدأ أو أن يؤجلوا شراء شيء ضروري، لأن الميزانية لا تحتمل المفارقة ليست خفية بل صارخة لدرجة أنك تتساءل هل يدرك من يتحدث حجم التناقض أم أن الأمر تحول إلى أداء تلقائي لا يحتاج حتى إلى تفكير.

هذا النوع من الخطاب لا يكتفي بأنه بعيد عن الواقع بل يتعامل مع الواقع وكأنه إشاعة يجب تصحيحها المواطن، بالنسبة لهؤلاء ليس إنسانا يعيش أزمة بل مشروع سوء فهم يحتاج إلى إعادة ضبط الفكرة، ليست أن الأسعار مرتفعة بل أن إدراك الناس لها مبالغ فيه ليست أن الدخل لا يكفي، بل أن التوقعات عالية أكثر من اللازم باختصار المشكلة ليست في الحياة بل في من يعيشها

ومع كل تصريح جديد يتحول المشهد إلى مادة خام للسخرية الشعبية الناس لم تعد تناقش هذه التصريحات بجدية لأنها ببساطة فقدت القدرة على أخذها بجدية أصلا حين يقول لك أحدهم إن الحل في تغيير نوع السكر فأنت لا ترد بالأرقام بل بالنكتة.

وحين تتم مقارنة حياتك بحياة شخص في دولة أخرى دون أي سياق فأنت لا تجادل بل تضحك، لأن الضحك هنا ليس ترفا بل وسيلة دفاع أخيرة ضد هذا الكم من العبث،

المؤسف في الأمر أن هذا الخطاب لا يبدو عابرا أو فرديا بل متكررا ومنظما بنفس الروح ونفس النبرة.

محمود عطية يكتب: العسل الأسود في (الإعلام)!
نحن لا نتحدث عن زلات لسان ولا عن سوء تعبير عابر بل عن نمط كامل من التفكير

الواقع بشكل مقلوب تماما

وكأن هناك إصرارا على تقديم الواقع بشكل مقلوب تماما من يعاني يتم إقناعه بأنه لا يعاني ومن يشتكي يتم التعامل معه، وكأنه لا يفهم ومن يحاول تفسير ما يحدث يجد نفسه أمام جدار من التصريحات التي لا تفسر شيئا بقدر ما تلغي الحاجة إلى التفسير من الأساس.

ومع تراكم هذه اللحظات الصغيرة من الاستفزاز يصبح الغضب أمرا طبيعيا ليس فقط بسبب الظروف، بل بسبب الطريقة التي يتم بها الحديث عنها لأن الإنسان يمكن أن يتحمل الضيق، لكنه لا يتحمل أن يتم التعامل مع ضيقه وكأنه سوء تقدير أو رفاهية زائدة أو حتى فرصة لإلقاء نصيحة خفيفة الظل.

في النهاية نحن لا نتحدث عن زلات لسان ولا عن سوء تعبير عابر بل عن نمط كامل من التفكير يرى في المواطن مشكلة يجب توجيهها لا واقعا يجب فهمه يرى في (الإعلام) منصة للشرح من أعلى لا مساحة للاستماع من الداخل وهذا هو جوهر الأزمة الحقيقي لأن الفجوة هنا لم تعد فقط في الأرقام بل في الإدراك ذاته بين من يعيش ومن يتحدث

وربما أعظم إنجاز حققه هذا النوع من (الإعلام) أنه وحد الناس على شيء نادر جدا السخرية الجماعية، لم يعد هناك خلاف كبير على أن ما يقال لا يشبه ما يحدث، وأن هذا الانفصال وصل إلى درجة تجعله أقرب إلى الكوميديا منه إلى أي شيء آخر.

كوميديا بلا نكتة مكتوبة وبلا ممثلين محترفين لكنها تنجح كل يوم في إضحاك الناس رغم عنهم لأن البديل ببساطة أكثر إيلاما بكثير!

* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.