رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والابداع الشعبي (13).. أداء (الممثل)

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والابداع الشعبي (13).. أداء (الممثل)
يعتمد شاعر السيرة في وجود  المنظر المسرحي علي ذهن المتلقي والمتذوق لفنه

بقلم الباحث المسرحي الدكتور: كمال زغلول

المنظر المسرحي مكمل للأداء التمثيلي لشاعر السيرة (الممثل)، وقد يتخيل البعض أن عروض السيرة خالية من المنظر المسرحي ،ولكن مسرح السيرة به جميع إمكانات المنظر المسرحي، بل هي تفوق جميع المناظر المسرحية الأخرى في كيفية عرضها، فعرض المنظر المسرحي بكل تفاصيله هي محصلة ما أمتصه الأفراد من ثقافتهم الشعبية داخل أذهانهم سواء كانوا متلقين أو مبدعين .

وقد يتوهم البعض أن المنظر المسرحي غير موجود ولكنه موجود بطريقة معقدة للغاية، فكما سبق القول بأن الجمهور هو جزء من الأداء التمثيلي لشاعر السيرة (الممثل)، وأن بينهما علاقة تأثير وتأثر تتضح من خلال مشاركة الاثنين داخل مسرح السيرة وهما الاثنان خارجان من رحم ثقافة شعبية واحدة، فكلهما يعرف جميع المظاهر الطبيعية داخل بيئتهم الثقافية.

ولذلك يعتمد شاعر السيرة في وجود  المنظر المسرحي علي ذهن المتلقي والمتذوق لفنه وما به من صور ذهنية حول طبيعة الأماكن التي تدور فيها الأحداث، وكل ما علي الشاعر عند تمثيله للسيرة أن يثير ذهن المتلقي ليتصور المكان والمنظر المسرحي .

ولكي نوضح ذلك ننظر علي سبيل المثال إلي ذلك المنظر المسرحي من خلال  بعض النماذج من النص، الذي يعتمد على ذهن المشاهد في تخيل المنظر المسرحي:

منظر يبرز طبيعة المكان كطريق للسفر ودخول بعض حيوانات الركوب داخل المنظر المسرحي ليجسد الأبعاد الثلاثة للمنظر:

طلعت خضره يومها من النجع

باكيه ولها دمع نازل

الأدب بيغلب الطبع

فرقت أهل والمنازل

ركبوا التنين فوق الجمال

والمال ساير وراهم

فهذا المنظر المسرحي يدل علي طريق الخروج من النجع الذي كانت تعيش فيه خضرة، وهو يوضح الجغرافيا المكانية للمنظر المسرحي، فأي فرد من أبناء الثقافة الشعبية سوف يتذكر طبيعة ذلك المكان ويعرف أنه طريق صحراوي في نهاية النجع الذي تعيش فيه قبيلة بني هلال من خلال ذاكرته الذهنية للاماكن التي عرفها في بيئته.

وبالطبع يبرز هذا المنظر حيوانات الركوب (الجمال) التي حملت خضرة في رحلتها هي وسعيدة خادمتها ، وهي معروفه ذهنيا لدي الجمهور، ومن خلال تعبير المال ساير وراهم ، دلالة علي طبيعة هذا المال وهو مجموعة من الحيوانات  كالجمال والخيل والأغنام وما تحمله الجمال من أمتعه وأشياء ثمينة ، كل هذا يتم في علاقة تبادليه ذهنية جميله بين الشاعر وجمهوره .

ونأخذ مثال أخر يوضح  طبيعة المنظر المسرحي المناخية واستغلالها فنيا عن طريق (الممثل):

(عندما طلعت الشريفة وسعيدة معاها خارج النجع ومسكوا وسع الجبل فجت ملتفته الشريفة علي النجع والعرب):

وجالت الشريفة

أمانه يا نسوم الهوي تروح لبني هلال

واحكي لهم علي الحكاية

وانظر مني واسمع للاقوال

علي ما جري للصبايا

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والابداع الشعبي (13).. أداء (الممثل)
تحمل ذلك النسيم الذاهب لمنطقه نجد رسالة إلي من ظلموها

فالمنظر المسرحي هنا  مكان صحراوي جبلي علي مشارف منطقه نجد، وهذا المكان مرتفع – فقد يكون تل أو هضبة –  بحيث تستطيع خضرة رؤية نجد بكاملها ، وارتفاعه يمكن خضرة من الإحساس بنسيم الهواء، وهنا يستغل الشاعر المكان بمناخه في التعبير عن ما بداخل خضرة.

فهي تحمل ذلك النسيم الذاهب لمنطقه نجد رسالة إلي من ظلموها، وهى علاقة تقابلية فهي خارجة من نجد والنسيم داخل إلي نجد، وهذا المنظر لا يثير الصورة الذهنية فقط للمتلقي بل يثير مشاعره وحسه الداخلي، فلا أحد يستطيع رؤية النسيم ولكن كل إنسان يستطيع الشعور به فقط ، فعند إثارة المتلقي بهذا التعبير فأنه يوقظ فيه ذاكرة المشاعر والحس.

لذلك نري في مسرح السيرة استغلال جميع عناصر المنظر المسرحي بكل تفاصيله الجغرافية والمناخية و(الممثل)، وهذا ما نلاحظه في المنظر التالي:

جربوا علي وادي اسمه بني عقيل

(وادي اسمه وادي بني عقيل)

جربوا علي وادي بني عقيل

يحاول الشاعر (الممثل) هنا استغلال الطبيعة الجغرافية للمكان التي اقتربت منه خضرة في رحلتها، وهو وادي بني عقيل، فطبيعة ذلك المنظر تبرز تضاريس المكان وجغرافيته، وهنا المنظر عبارة عن وادي وسط الجبال أي منحدر وتعلوه الجبال، وهكذا نري جمال المنظر المسرحي داخل مسرح السيرة الشعبية، فالمتلقي هنا يستطيع بسهولة تامة تخيل طبيعة المكان ذهنيا .

ولا يغيب عن مسرح السيرة الشعبية ظهور مظاهر ثقافتها المادية داخل المنظر المسرحي  في التعبير والأداء فنشاهد الأتي:

فنادت خضر

يا سعيده هنا دلي بينا

سيرنا بالليل  ده غير معقول

رب العرش ينظر علينا

وفي جبال دلوا رحيلهم

خضرة دي عاقلة وفهيمه

مع دول شرد ورحيلهم

بين الجبل نصبولي خيمة

نصبت خيمة بعمدان

من الخيش أو صوف حاضر

سوق الجول والمعني يا خوان

خضرة باكية بدمع ساير

في الخيمة وجعدوا لاتنين

وسابوا المال في وسع الجبالي

كمال زغلول يكتب: البنية الثقافية والابداع الشعبي (13).. أداء (الممثل)
اعتبرت خضرة مسيرتهم في هذا الليل غير معقول، فلا أحد يضمن ما سوف يلاقيه

ففي وسط الطبيعة الجبلية التي تسير فيها خضرة وسعيدة أتي الليل، واعتبرت خضرة مسيرتهم في هذا الليل غير معقول، فلا أحد يضمن ما سوف يلاقيه، وهنا يتم إبراز أحد عناصر الثقافة المادية الملائم لطبيعة السفر، وهو نصب خيمة بين الجبال للمبيت بداخلها.

وحول طبيعة نصب الخيمة نجد أنه  لا يغيب عن مبدع السيرة وصف نصب الخيمة فهي بعمدان وقد تكون من الخيش أو الصوف فكلاهما يؤدي الغرض، وللنظر إلي تفاصيل مادة الخيمة فهي أحيانا تكون من الصوف أو الخيش وهنا يجلب الشاعر المادتين لسبب هو إبراز الحالة النفسية لخضرة فهي لا يهمها نوع المادة التي سوف تبني منها الخيمة فهي تحمل الاثنين الصوف والخيش.

وبالطبع الصوف ارقي من الخيش فهي غنية بما فيه الكفاية مما تحمله من أموال رزق، ولكن هي لا يعنيها ذلك فليس هذا وقت إبراز معاني الغني فأي شئ يلبي  الغرض وهكذا.

وتصور لنا مناظر السيرة المسرحية أيضا طبيعة تربة المنطقة التي تدور فيها الأحداث فهل هي رملية أو صخرية أو غير ذلك ونلاحظ هذا من خلال ذلك المنظر:

شوف جابوها من شعر راسها

وكروا الشريفة علي الاراضي

فجت هايجة عليها فرسها

والجلب حامل ما راضي

لما جروها من شعر راسها

حيرفعوا عنها الخلايج

جت هايجة عليها فرسها

جدامها ما خلت خلايج

يا ليل

جت الفرس دي حايمة حوم

( الفرس اللي مع الشريفة الصغيرة دي )

جت الفرس حايمة حوم

حاجة نادرة من العجايب

علي الناس تصرخ وتغوم

فجالت الرجال يا العجايب

تضرب الفرس حافر في الارض

تنطر حصي مالاراضي

وتحادي  علي نظيفة العرض

قلبي تحمل مراضي

خدت للناس دي علي طول

بغبار يا رجال وافر

هذا الحدث يصور محاولة عطوان اغتصاب خضرة، ويدور داخل منظر مسرحي بين الجبال في الصحراء، وطبيعة تربتها رملية مليئة بالحصى، وهذا المنظر يعكس ما  فعلته الفرسة الخاصة بخضرة والتي تأثرت بمشهد الاعتداء عليها فقد سلكت سلوك معادي لعطوان ورجاله، وقامت بمحاوله للدفاع عن خضرة..

فاستخدمت أرجلها في قذف عطوان ورجاله بالرمال والحصى ، وقذفتهم لدرجة حدوث غبار كثيف وهذه طبيعة تلك التربة الصحراوية ، وهكذا نري إبداعية السيرة في استغلال طبيعة المنظر من جبال وتضاريس وجغرافية.. إلخ.

كذلك لا يغيب عن مسرح السيرة مكملات المنظر المسرحي من أنواع الأسلحة المستخدمة داخل الثقافة الشعبية المستخدمة في تلك الحقب الزمنية التي تدور بها أحداث السيرة، وهى بالطبع تخص الثقافة المادية.. وهذا باختصار شديد تنويه عن المنظر المسرحي في عروض السيرة الهلالية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.