رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

أحمد صبحي يكتب: (النظارة السوداء).. حين نختار ألا نرى!

أحمد صبحي يكتب: (النظارة السوداء).. حين نختار ألا نرى!

أحمد صبحي يكتب: (النظارة السوداء).. حين نختار ألا نرى!
(النظارة السوداء) تمنحنا ميزة خطيرة: تجعلنا لا نرى عيوبنا، لا لأن الآخرين لا يرونها
أحمد صبحي يكتب: (النظارة السوداء).. حين نختار ألا نرى!
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

ليست (النظارة السوداء) مجرد قطعة زجاج داكنة تخفي الضوء، بل هى اختيار داخلي، قرار صامت بأن نخفف وطأة الحقيقة على أعيننا.. نرتديها لا لأن الشمس قاسية، بل لأن الرؤية مؤلمة.. لأن مواجهة الذات أصعب كثيرًا من مواجهة العالم.

في فيلم (النظارة السوداء) تتحول النظارة إلى رمز بالغ الدلالة؛ رمز لإنسان قرر ألا يرى نفسه كما هي، وأن يتقبل حياة يعرف في أعماقه أنها ناقصة، وربما فاسدة، لكنه اعتادها حتى صارت أكثر راحة من التغيير.

نحن نفعل ذلك كل يوم.. نُسمي الاعتياد رضا، ونسمي الهروب حكمة، ونقنع أنفسنا أن ما نعيشه هو أقصى ما يمكن احتماله، مع أن التغيير أقرب مما نتصور.. لكن (النظارة السوداء) تمنحنا ميزة خطيرة: تجعلنا لا نرى عيوبنا، لا لأن الآخرين لا يرونها، بل لأننا نحن قررنا إخفاءها عن أنفسنا.

حين نضع النظارة، نصبح قابلين للاستغلال بسهولة. لا لأن الآخرين أقوى، بل لأننا اخترنا الضعف المقنّع. بطلة الفيلم لم تكن مجرد ضحية للظروف، بل كانت ـ في لحظة ما ـ شريكة في غيابها عن ذاتها.. عاشت مغيَّبة خلف أفكار مغلوطة: أن الحياة بلا هدف هي الحرية، وأن غياب المسؤولية هو السعادة، وأن الانفلات من القرار قمة الوجود.

وهنا يتدخل المجتمع، لا بوصفه خلفية محايدة، بل بوصفه صانعًا ماهرًا للنماذج المشوهة.. مجتمع يُربي أبناءه على طرفين متناقضين في الشكل، متشابهين في الجوهر: إما مثالية مستحيلة، أو انحراف مبرر.

المثالي يرى نفسه بلا خطأ، يضع نظارة سوداء تحجب عنه ضعفه الإنساني، ويعيش صراعًا داخليًا قاسيًا؛ يتمنى أن يخطئ، أن يجرب، أن ينطلق، لكنه يخشى السقوط في نظر الآخرين.. أما المنحرف، فيرتدي نظارة أخرى، يرى بها نفسه حيًّا مكتملًا، ويرى غيره محرومًا من متع الحياة، ويقنع ذاته أن الخطأ حق مشروع.

كلاهما مغيَّب، وكلاهما بعيد عن جوهر الإنسان.. فالحياة لا تُعاش بالكمال ولا بالفوضى، بل بالوعي.

أحمد صبحي يكتب: (النظارة السوداء).. حين نختار ألا نرى!

أحمد صبحي يكتب: (النظارة السوداء).. حين نختار ألا نرى!
لم يكن مشهد النهاية عابرًا أو عاطفيًا فحسب، بل بالغ الدلالة

تظهر الحقيقة عارية

لهذا لا يكون السقوط مفاجئًا.. السقوط نتيجة حتمية لإنسان عاش طويلًا وهو لا يرى. البطل والبطلة يلتقيان عند هذه النقطة: لحظة الانكشاف، حين تسقط النظارة فجأة، وتظهر الحقيقة عارية، قاسية، لكنها صادقة.

والمأساة الحقيقية لا تكمن في السقوط ذاته، بل في مجتمع لا يغفره، ولا يفهمه، ولا يمنح فرصة للبدء من جديد. مجتمع يطالب بالكمال، ويقسو على الخطأ، فيدفع أفراده إلى ارتداء نظارات أكثر قتامة.

المجتمعات التي لا تساعد أبناءها على الرؤية، ولا تمنحهم حق التعثر، ولا تؤمن بأن الإنسان يتعلم بالخطأ.. هي مجتمعات فقدت روحها، مهما ادعت الحياة.

فالحياة الحقيقية تبدأ فقط، عندما نخلع (النظارة السوداء)، ونقرر ـ بشجاعة ـ أن نرى   

لهذا لم يكن مشهد النهاية عابرًا أو عاطفيًا فحسب، بل بالغ الدلالة.

حين قرر أبطال الفيلم التخلّص من (النظارة السوداء)، لم يكونوا يتخلّصون من زجاجٍ فحسب، بل يزيحون وهمًا طويلًا. كانوا ينزعون تلك الطبقة التي شوّهت الرؤية، ليواجهوا الحقيقة كما هى بلا أقنعة ولا خداع.

هكذا يعلن فيلم (النظارة السوداء)، في صمته الأخير، أن الخلاص لا يأتي من تغيير العالم، بل من تغيير زاوية النظر إليه.. وأن الإنسان لا يستعيد إنسانيته إلا حين يقبل ضعفه، ويواجهه، ثم يمضي أبعد.. بعينين مفتوحتين.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.