رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

مدحت الكاشف يكتب: (دولة الفنون والإبداع): مبادرة الرئيس السيسي

مدحت الكاشف يكتب: (دولة الفنون والإبداع): مبادرة الرئيس السيسي
تأتي المبادرة نحو استعادة الوعي الجمالي وبناء الإنسان المصري

بقلم الدكتور: مدحت الكاشف*

إن مبادرة (دولة الفنون والإبداع) التي طرحها فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي تُعد فكرة مضيئة، جاءت ضمن رؤية أوسع لبناء الإنسان المصري ثقافيًا وفكريًا، حيث تؤكدعلى دور الفن والإعلام في تشكيل الوعي والقيم المجتمعية،واستعادة القوة الناعمة المصرية، واستعادة الريادة الثقافية لمصر إقليميًا ودوليًا في المسرح، والموسيقى، والسينما، والفنون التشكيلية

وذلك برعاية المبدعين مؤسسيًا، واستثمار المواهب، وتحويلها إلى مشروع وطني وليس اجتهادًا فرديًا، وذلك على اعتبار أن بناء الوعي المجتمعي باستخدام الفن كأداة لتشكيل القيم والهوية، وربط الفن بالتنمية، يتفق مع ضمن رؤية مصر 2030 وبناء الإنسان المصري.

(دولة الفنون والإبداع).. لماذا هي مبادرة مهمة؟: لأنها تنقل الفن من: حالة  الاجتهاد الفردي إلى منظومة دولة ترعى الإبداع، وهذا يفتح الباب أمام: اكتشاف طاقات إبداعية مهمشة في الأقاليم، ودعم مؤسسي للفنون (بدل الاعتماد على السوق فقط)، وإعادة تعريف دور الفن كقوة معرفية وليس ترفًا، إن التحدي الحقيقي ليس في إطلاق المبادرة، بل في:آليات التنفيذ، واستقلالية الإبداع.

تأتي المبادرة نحو استعادة الوعي الجمالي وبناء الإنسان المصري، وذلك في لحظة فارقة من تاريخ التحولات الثقافية، تبرز مبادرة فخامة الرئيس عبد الفتاح السيسي لإطلاق برنامج (دولة الفنون والإبداع) بوصفها إشارة عميقة إلى إدراك الدولة أن معركة المستقبل لم تعد اقتصادية أو سياسية فقط، بل هي- في جوهرها- معركة وعي.

إن هذه مبادرة (دولة الفنون والإبداع) لا ينبغي قراءتها باعتبارها مشروعًا لرعاية المواهب فحسب، بل كإعلان ضمني عن انتقال الدولة من مفهوم (إدارة الثقافة) إلى (صناعة الثقافة)، ومن دعم الفن كترف إلى اعتباره ضرورة وجودية لبناء الإنسان.

ولطالما ارتبطت النهضة الحضارية في التاريخ الإنساني بازدهار الفنون، فالفن ليس انعكاسًا للواقع فقط، بل هو أداة لإعادة تشكيله، وعليه فإن مبادرة  (دولة الفنون والإبداع) يمكن أن تصبح – إذا أُحسن بناؤها – مشروعًا لإعادة صياغة الحس الجمالي المصري، الذي تعرض خلال العقود الأخيرة لتآكلات حادة بفعل العشوائية، وهيمنة السوق، وتراجع المؤسسات الثقافية.

مدحت الكاشف يكتب: (دولة الفنون والإبداع): مبادرة الرئيس السيسي
هذه المبادرة لا يكمن في اكتشاف المواهب، بل في تحويل الموهبة إلى وعي

بناء هوية فنية معاصرة

إن أخطر ما يواجه المجتمعات ليس الفقر المادي، بل الفقر الجمالي، لأنه ينتج إنسانًا غير قادر على التمييز، ولا على التذوق، ولا على الحلم، والتحدي الحقيقي في هذه المبادرة لا يكمن في اكتشاف المواهب، بل في تحويل الموهبة إلى وعي، والموهوب إلى مشروع فني متكامل، وهنا يبرز الفرق بين برامج المسابقات التي تكتفي بإبراز النجوم، والمشروع الثقافي،الذي يبني الإنسان الفنان.

فالموهبة الخام، إذا لم تُصقل بمنهج علمي وثقافي، تتحول إلى طاقة مهدرة، أو – في أسوأ الأحوال – إلى أداة لإعادة إنتاج الرداءة، ولعل واحدة من أهم الفرص التي تتيحها هذه المبادرة هي كسر مركزية الثقافة، التي ظلت لعقود حبيسة العاصمة، وفتح المجال، أمام الأقاليم لتكون شريكًا في إنتاج الإبداع لا مجرد متلقٍ له.

إن مصر الحقيقية لا تسكن فقط في المدن الكبرى، بل في قرى الصعيد وقرى الدلتا، بل وفي أطراف الصحراء، فهناك، في الهامش، تكمن طاقات خام لم تُكتشف بعد، تنتظر فقط منظومة عادلة للرؤية والاحتضان.

إن هذه المبادرة تفتح الباب لسؤال مهم: ما هو شكل الفن المصري الذي نريد أن نقدمه للعالم؟، هل نعيد إنتاج قوالب قديمة؟، أم نؤسس لرؤي جديدة تنطلق من خصوصية نسيج الجسد المصري المتعدد الثقافات، ومن الذاكرة الشعبية، ومن التحولات المعاصرة، ومن ثم، فإن بناء هوية فنية معاصرة لا يعني الانغلاق، بل القدرة على الحوار مع العالم من موقع الندّية.

وفي في زمن تتسارع فيه وسائل التأثير، يصبح الفن أحد أخطر أدوات تشكيل الوعي، ومن هنا، فإن مبادرة (دولة الفنون والإبداع) يمكن أن تتحول إلى خط دفاع ثقافي ضد: التسطيح ،والعنف الرمزي، وتآكل القيم، ليس عبر الوعظ، بل عبر الجمال، الذي يملك قدرة ناعمة على التغيير تفوق أي خطاب مباشر.

إن (دولة الفنون والإبداع) ليست مجرد برنامج، بل يمكن أن تكون بذرة مشروع حضاري جديد، يعيد الاعتبار للفن بوصفه أحد أعمدة بناء الإنسان، لكن ذلك لن يتحقق إلا إذا تحولت المبادرة من فكرة سياسية إلى رؤية ثقافية شاملة تستند إلى العلم، وتحترم  حرية الإبداع.. حينها فقط، يمكن أن نستعيد السؤال الذي كدنا ننساه: كيف نصنع إنسانًا يرى الجمال… فيصنعه؟

* أستاذ بأكاديمية الفنون

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.