


بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
جاءت حلقات مسلسل (اللون الأزرق) تأليف مريم نعوم، وإخراج سعد هنداوي، وبطولة (جومانا مراد، أحمد رزق، كمال أبورية، أحمد بدير، حنان سليمان، ونجلاء بدر، نور محمود)، لتؤكد أن الفن الذي يهتم بهموم الناس، ويحاول مساعدتهم على تخطي هذه الهموم والخلاص منها، لا بالهرب منها أو بالقفز فوقها، بل بالصراع مع أسبابها ومواجهة هذه الأسباب، هو الفن الباقي، والذي يتسلل فورا إلى الوجدان.
بنعومة شديدة وذكاء وهدوء عالج مسلسل (اللون الأزرق) الذي عرض في النصف الثاني من شهر رمضان، مشكلة يعاني منها حوالي 15 مليون مواطن مصرى، طبقا لأحصائيات حديثة، أى ما يقارب من 15% من إجمالى عدد السكان.
ونظرًا لأن وجود شخص من ذوى الاحتياجات الخاصة فى العائلة يؤثر على العائلة بأكملها، فإن عدد الأشخاص المتأثرين بالإعاقات بطريقة أو بأخرى يبلغ 45 مليون شخص تقريبًا، أى ما يعادل 35% من إجمالى عدد السكان تقريبًا.
وطوال حلقات مسلسل (اللون الأزرق) تحدث عن عدة عوامل تصنع معاناة ذوي الاحتياجات الخاصة في عالمنا العربي، من جهل فئة كبيرة من العائلات في كيفية التعامل معهم، وتنمّر المجتمع عليهم.
وحرمانهم من أبسط حقوق التعلم والتنقل والعمل، وصولاً إلى القوانين المثالية التي تبقى حبراً على ورق، ولا يطبّق من موادها إلا القليل.

التعلم ومراكمة الخبرات
البعض من ذوي الاحتياجات الخاصة، وأسرهم يستسلم لواقعه، في حين تعمد فئة بمساعدة ذويها إلى الانطلاق صوب الحياة والتعلم ومراكمة الخبرات، وبرهنة أن الإعاقة الجسدية لا تقف أمام تطوّر العقل وتنميته بالعلم والكفاح والإرادة الصلبة.
من الفئة الأخيرة (آمنة) بطلة (اللون الأزرق) التى رفضت أن تستلم للواقع، وأن تخوض التحدي، وتقف وتساند وتدعم طفلها (حمزه) بكل ما تملك، حتى تصله لشاطئ الأمان.
ومرورا بالوصول لهذا الشاطئ شاهدنا الصعوبات والمشاكل التى يعاني منها أصحاب (ذوي الاحتياجات الخاصة) خاصة في التعليم ورفض كثير من المدارس قبولهم بين طلابها، ودمجهم مع الأطفال الذين يتمتعون بكامل طاقتهم الصحية.
رغم أن الدولة المصرية تحرص في السنوات القليلة الأخيرة، وتحت قيادة الرئيس (عبد الفتاح السيسى) على الاهتمام الدائم بالأشخاص ذوى الهمم، وسط توجيهات مستمرة لكافة مؤسسات الدولة بضرورة العمل على وضع تمكينهم وتدريبهم ودمجهم فى المجتمع فى صدارة الأولويات.
واتخذت الدولة فى ظل الجمهورية الجديدة خطوات فاعلة ومهمة انحيازًا للأشخاص ذوى الهمم سعيًا نحو تأمين السبل التى تسهم فى دمجهم بالمجتمع، ومنها قانون صندوق قادرون باختلاف وتعديلاته والتى تهدف إلى حصول الأشخاص ذوى الإعاقة على حقوقهم والمزايا القانونية التى يتمتعون بها فى ظل الإرادة السياسية المتوفرة.

مريم نعوم.. ذكاء السيناريو
لفت نظري من بداية الحلقات ذكاء سيناريو (مريم نعوم)، الذي تمثل في عدة أمور أولها اختيار إسم (اللون الأزرق) الذي يرمز للتوحد، ويرتبط بالهدوء والسكينة، ويساعد في تهدئة أطفال التوحد ويمنح شعورا بالراحة النفسية.
كما أن (اللون الأزرق) يدل على الذكور، فنسبة إصابة الذكور بالتوحد أعلى من الإناث، لهذا اختارت مؤلفة العمل (مريم نعوم) لمسلسلها طفل، وليس طفلة.
النقطة الأخرى التى تدل على ذكاء السيناريو اختيار أسماء الشخصيات، التى تحمل مدلولات خاصة، فحملت بطلة المسلسل إسم (آمنة/ جومانا مراد) لإيمانها بقضية ابنها، ورغم الضغوط الشديدة التى تعاني منها في حياتها الشخصية والعملية لكنها ظلت مؤمنة بقضية ابنها، وسخرت نفسه له.
وحمل بطل الحلقات اسم (أدهم) وهو اسم عربي أصيل، ويغلب الاسم على الخيل الدُّهم، كما وُصف به الليل الشديد السواد، أوالقيد لسواده، وهكذا كان (أدهم) بطل الحلقات فارس شجاع في رحلة مشواره مع ابنه الذي يعاني من مشكلة التوحد.
أما اسم (حمزة) فهو أيضا أسم عربي، يشير إلى الشيء الحامض اللاذع الذي يقرص اللسان، ويرمز إلى القوة والشدة أيضا، وهكذا شاهدنا الطفل (حمزة) الذي كان بالفعل بمثابة الحامض اللاذع في حياة أسرته.
والنقطة الأخرى المتمثلة في ذكاء سيناريو(مريم نعوم) هو الحنان المتدفق، والحزم، في رسم شخصية بطلة المسلسل (آمنة)، والتفاصيل الكثيرة جدا في الشخصية، منمنمات دقيقة لكنها أبرزت الشخصية وقدمتها بقوة للجمهور، بحكم أن الأم تحديدا دائما هي التى تحمل هم أسرتها والعبء الأكبر يكون عليها.
في النهاية كتبت (مريم ناعوم) وأبدعت سيناريو متماسك، شديد الحساسية، شديد العذوبة، وشديد التأثير أيضا.
جومانا مراد.. لم تكن تمثل
على مدى حلقات مسلسل (اللون الأزرق) لم نشاهد (جومانا مراد) الممثلة، اختفت طوال الحلقات، وشاهدنا أم حقيقية نشاهدها يوميا في الشقة التى أمامنا، وفي الشارع الذي نسكن فيه، اسم هذه الأم (آمنة).
حيث جسدت (جومانا) دور الأم المصابة في ابنها بكل ذرة في كيانها وجسدها، وحملت على أكتافها وسواعدها مسئولية بطولة المسلسل، وأظهرت طوال الأحداث عواطف متباينة.
وغاصت بمشاعرها بقوة في معاناة هذه الأم، والأزمات والمشاكل التى تمر بها يوميا مع ابنها أو حتى في حياتها الخاصة مع زوجها ومع عملها، ومع والدها.
وكانت (جومانا مراد) هى (آمنة) بكل كبرياءها، وضعفها، وأنوثتها، ومعاناتها وآلامها، وعذابها، كانت في حالة ضياع هادئ، وحزن واضح، ولم تكن في حالة بكاء يريح، بل كانت في حالة وجع داخلي مستمر.
وتحولت الكلمات بين شفاهها إلى نغم هامس ونحن نشاهدها تتابع ابنها وتتلصص على المربية الجديدة القادمة، وتراقب كيف تعامل ابنها (حمزة)، أو وهي يكاد قلبها ينخلع من بين ضلوعها وهي تراقب إجاباته على اسئلة إختبار المدرسة حتى تقبله بين تلاميذها.
وتحولت الكلمات أيضا بين شفاه (جومانا مراد) إلى صرخة طافحة بالغضب، والحزن، والآلم، عندما يفشل (حمزه) في اختبار، أو ترى كابوسا مزعجا، أو عندما شاهدت رسائل زميلة زوجها (أدهم) على (الواتس) وهى تتحدث معه عن (المساج)، أو في حالة مواجهتها مع والدها.
كانت (جومانا مراد) في دور (آمنة) تذوب حبا وحنانا ورقة مع ابنها، وأعطت لعينيها الرائعتين أمواجا من الحزن والشجن، كما جعلت من حوارها أنغاما موسيقية تنشدها أكثر مما تنطقها، وقدمت في دور (آمنة) دليلا جديدا ومدهشا على تمكنها وقدراتها التمثيلية الفائقة، وأنها بالفعل تستحق البطولات المطلقة.

أحمد رزق.. أدهم
جسد (أحمد رزق) دور (أدهم) الأب، والزوج، بشكل حساس، ومقنع، وحاول بكل طاقته المتفجرة، وحيويته التى لا تبارى أن يمتعنا بأدائه السلس البسيط الهادئ البعيد عن التشنج أو الصراخ والعويل، فأجاد واستمتعنا من خلال عفوية أدائه وتنوعه، وكون ثنائيا ناجحا مع (جومانه مراد).

على السكري.. حمزه
قدم الطفل (علي السكري) أدائا متميزا للغاية، وأثبت أنه بالفعل موهوبا بقوة، حيث قدم بوجهه وعينيه، مشاهد تؤكد أنه من أصحاب (ذوي الإحتياجات الخاصة) حتى أنني وغيري من الجمهور كنا نعتقد أنه واحدا من هؤلاء.
ولكن اتضح أن سحر الموهبة، هو السبب في أنه قدم هذا الأداء، الذي ظهر بقوة على وجهه، وعينيه، وحركة جسده.



بدير وأبو راية وحنان
سيناريو (اللون الأزرق) لم يساعد نجوم كبار من المبدعين في التمثيل لدينا مثل (أحمد بدير، وكمال أبوريه، وحنان سليمان) أن يقدموا أجمل ما لديهم، فكانوا نجوما بعيده في السماء تبرق وتضيئ عندما يظهرون على فترات متباعدة.
لكن يبدو أن إيمانهم بالرسالة الإنسانية التى يقدمها المسلسل جعلهم يخدموه بصمت وأمانه وإقتناع في إطار الأدوار المرسومة لهم بدون عمق.
أما (نور محمود) فلم يضيف جديدا في الدور الذي قام به، وشعرنا من خلال المشاهد التى ظهر فيها أنه يمثل من الخارج، ونفس الأمر ينطبق على (نجلاء بدر) فكان ظهورها بشكل عام لطيف، ومريح، وهذا في حد ذاته شيئا جميلا.


سعد هندوي.. مبدع حقيقي
(سعد هنداوي) مخرج (اللون الأزرق) أحس بأهمية الموضوع الذي يناقشه السيناريو، فأكتفى بأن يخدمه بإخلاص، وأن يضع نفسه في الظل، مؤمنا أنه في مثل هذه الموضوعات الإنسانية، يجب أن يحتل الموضوع المقام الأول.
ورغم هذا استطاع أن يعطي الأجواء التى رسمتها (مريم ناعوم) حياة ونبضا وحساسية وبرع في تكثيفها ودمجها في إطار درامي مقنع، ونجح في تحقيق قيمة جمالية وإنسانية هامة، وأكد أنه يملك في أنامله نورا واشعاعا، وأنه يعرف كيف يستغلهما إذا أراد.