

بقلم الناقد المسرحي السوري: أنور محمد
من أوَّلِ مَشهدٍ في مُسلسل (صحاب الأرض) سيناريو وحوار عمار صبري وتطوير محمد هشام عبية، تأليف موسيقي أمين أبو حافة، تمثيل: إياد نصار في دور الرجل الفلسطيني (ناصر)، منة شلبي في دور الطبيبة المصرية (سلمى) المُتطوِّعة ضمن قافلة إغاثة طبية، إلى المستشفيات الميدانية داخل قطاع غزَّة..
كامل الباشا (العم إبراهيم)، تارا عبود (كرمة)، عصام السقا، آدم بكري، سارة يوسف، إياد حوراني، إخراج: بيتر ميمي. والصراعُ يتنامى بتسلسلٍ واقعي، صورة ٌواقعيةٌ مُتحقِّقة، صورةٌ كامنةٌ – ممكنةٌ.
وتَكْمُنُ بِنا كمُشاهِدين وهى تنشرُ إشاراتها البصرية، شظاياها، رغم (كُمْدَتِها) ألوانها الكامدة حدَّ الشحوب، لِما تحملُ، أو لِما فيها من تراجيديا مُتطابقة؛ وواقعية وأحياناً أعلى من الواقع.
ف (ناصر) الممثِّل إياد نصَّار، الذي يُقْتَلُ إخوته إثرِ قصفٍ من الطيران الإسرائيلي استهدفَ منزل عائلته وانهدمت على رؤوس سكَّانها، فيتولىَّ رعاية ابن شقيقه الطفل يونس المُصاب والناجي من المذبحة، وبقية الممثلين، والمؤلِّف عمار صبري، والمُخرج بيتر ميمي.
لم يذهبوا إلى تصوير وتمثيل البطولة الخالصة، والبطولة الخالصة الخارقة (سوبرمانات) كما شفنا في مُعظم المسلسلات الرمضانية السورية والمصرية 2026.
في (صحاب الأرض) كلا الطرفين الفلسطيني والإسرائيلي لا يكرهان الحياة، ولكنَّهما يخوضان الحرب- الصهيوني كُرْهاً؛ هذا ما نلاحظه، وهو حقيقة إِنْ في الواقع أو كما جاء في المُسلسل، والجنود يتجولون في غزَّة في دبَّاباتهم ومُصفَّحاتهم وأيديهم على الزناد.
بينما الغزاويون يواجهون الموت، وهم بكامل عشقهم للحياة، في العراء وقد سُوِّيت بيوتهم بالأرض.. دمَّرتها إسرائيل بغاراتها الجوية وهي تطاردهم.


(بيتر ميمي) يفرجينا الوجهَ الأخلاقي
المُخرج (بيتر ميمي) راح يفرجينا الوجهَ الأخلاقي لشخصيات (صحاب الأرض) فنرى الشجاعة، الشرف، الإخلاص، المروءة، الأمانة، النخوة في تعاملهم مع مُصابي الحرب.
الدكتورة (سلمى) وهى تداوي جراحهم في بقايا المشافي التي دمرتها إسرائيل، أو في سيارات الإسعاف التي تحوَّلت إلى عيادات ومشافي متنقِّلة، أو تحت أسقف جدران البيوت والمحال، وكأنَّها مُؤتمنة على أرواح الناس.
بَدَتْ (سلمى) التي تلتقي بناصر خلال سعيه لعلاج (يونس)، وتقوم بينهما علاقة إنسانية؛ علاقة حب – مُحَارِبَةً حقيقيةٌ وإنْ لم تحمل سلاحاً حربياً في أداءٍ؛ في سردٍ تمثيلي واقعي مُقْنِع؛ حتى ناصر والعم إبراهيم والآخرين.
هنا يُحْسَب للمؤلِّف والمُخرج أنَّهما لم يطرحا ذاك البطل (الرامبوي).. فكلا المتصارعان في غزَّة: الغزاويون والصهاينة كانا؛ أوْ؛ صَوَّرَهم المُخرج بعينِ الكاميرا وبعين الشخصية/ الشخصيات – فَكُنَّا نرى أحداثاً حقيقية وليست تخييلية، أو خيالية، لصالح واقعٍ مُفترَض أو لصالح عقيدة (إيديولوجيا).
بل إنَّ المُخرج حافظ على ذاك الخيط الرفيع بين المشهد الواقعي وذاك المُباشر، فَشُفْنا مشاهِدَ حقيقية واقعية لا تعظيم فيها ولا تشويه للحق والحقيقة.
حتى في تلك الجملة المُغنَّاة على لسان والد علي: (يا ويل الِّلي نْحاربو بالسيف نقطع شاربو) والتي كان فيها تخييل لكنَّه التخييل الذي عَبَّر عن قوَّة الحقيقة في أعماق الشخصية، وعن إنَّها شخصية/ شخصيات – خاصَّةً العم إبراهيم (كامل الباشا) في اندفاعاتها الحيوية، وحبُّها للحق/ الجمال وَطَنُها فلسطين.

هى حربٌ عدوانية
في التحضير لزواج (علي) يقول له والده: بُكرا الحرب تِخلَصْ وتخلِّف، والولَد يجري ورانا. ويسأل علي بإحساسٍ بالعدمية: (ليش ضَلّْ بكرا؟!)، فيُجيبُه والده: (ضَلّْ- وكلُّ زواج جديد، كل بيت بينبنى هو وعد إنُّو بكرا موجود؛ افرح يا علي وفَرِّحنا).
لحظةُ يأسٍ وبؤس، لحظةٌ عدمية يعيشها علي، لكنَّ والده يُبدِّدُها، فالحرب التي تُقيمُها إسرائيل بالتأكيد هي حربٌ عدوانية.
ف (القتل) وحربُ الإبادة من الجو والبر والبحر الذي تعرَّض له الغزاويون بعد 7 تشرين الأوَّل/أكتوبر 2023 رداً على الهجوم الذي قامت به “حماس” على إسرائيل، خلطَ المُقدَّس بالمُدنَّس، وصار حلالاً ومُحلَّلاً لكلا الطرفين.
بل صار حقَّاً مُقدَّساً ومُستحباً، وهذا ما حاول المُخرج أن يصوِّره، ثمَّة صديق وثمَّة عدوُّ، وثمَّة (ضحايا).. فالحروب في الماضي أغلبُها “دينية” وهي حروبٌ تتطلَّبُ التضحية، والتضحية الجماعية- كأنَّها اليوم عادت، وتَمَّ بعثُها من القبور – إسرائيل دولة دينية منذ أوَّل حربٍ معها في عام 1948.
ولكنَّها دولة تخاف من الموت؛ أن يموت رأسمالها البشري، لكنَّها توفِّر الموت، والموت العنيف، والقتل المُمَنهَج للفلسطينيين.. وهذا ما طرحه مسلسل (صحاب الأرض)، وهو ما أغضب اليهود الصهاينة.
فإسرائيل كما يبدو في هذا العمل ترى غزَّة غابة، وما جرائمها التي تُنفِّذُها من قتلٍ وتخريبٍ وتجويعٍ وحصارات، وحصارات ما هو إلاَّ نزهة صيد – والعربُ العاربةُ والمُستعربةُ تتفرَّجْ.
نُلاحظ؛ وهو خيطٌ درامي قويٌ في (صحاب الأرض)، استهدافُ إسرائيلَ للأطفال، وكأنَّه حقٌّ مُقدَّس للصهاينة إنْ بالرصاص أو في منع وصول الأدوية,. بل هناك تصعيدٌ في الحرب على الأطفال. (نتنياهو) في هذه الحرب على غزَّة وعلى أطفال غزَّة نراه صار طاغيةً يقوم بأدوار سمسارِ وتاجرِ وعارضِ أزياء للحروب.
بل الحرب عنده صارت (وظيفة) هو الغالبُ والمُستفيدُ منها، في حين أنَّ الغزاويين لا يملكون للدفاع عن غزَّة سوى أرواحهم ومنازلهم التي دمَّرها نتنياهو – في مشهدٍ يتمُّ خطف الدكتورة سلمى لمداواة مريضة/ مُصابةٌ يهودية (ناديا).


سترجعين إلى بيتٍ ليس بيتُكِ
فتسأل (سلمى): (لو كنتِ تُفكِّرين أو تَعرفين أنَّني إسرائيلية لَمَا داوايتيني، أنا تصَوَبت لأنَّ جيش الدفاع الإسرائيلي قصفَ المكان الذي كنتُ فيه بالخطأ، والطبيب الذي كان معي مات).. فتردُّ عليها (سلمى) بعد أن عالجتها وخفَّفت عنها الألم: (سترجعين إلى بيتٍ ليس بيتُكِ ومبنيٌّ على أرضٍ ليست أرضُك)ِ.
المُخرج (بيتر ميمي) في هذا المشهَد يكشفُ عن نشوة (ناديا) بالقوَّة والسلطة الإسرائيلية في غياب القوَّة العسكرية الغزاوية التي تمَّ تدميرها؛ ذلك في سردٍ مباشر بدا صادقاً وواضحاً يُخفي صراعاً/ نِزالاً بين طرفين.. المُخرج لم يُفجِّره بين (سلمى وناديا)؛ تركَ فَتيلَهُ عند المُشاهِد فينزعه أو لا ينزعه.
فشفنا صورة من حربٍ بينهما؛ مواجهة بسيكولوجية وليس مواجهة جسدية- ردُّ فعلٍ (بيتٌ على أرضٍ ليست أرضك) ما يُعطي أو يُولِّدُ إحساساً عميقاً بالذات وبالوجود، أمام آخرٍ يريد اغتصابَ؛ أو يغتصبُ وجودك.
بل إنَّ مسلسل (صحاب الأرض) في تصعيدٍ لهذه المواجهة يؤكِّد على ضرورة حَمْل (حوَّاء) الفلسطينية؛ فكلُّ عشرة ولادات أو عشرين تأكلُهم إسرائيل في حربها على الفلسطينيين، فحوَّاء تَلِدْ وإسرائيلُ تَئِدْ.
وكأنَّ الغزاويون يحاربون بالسيف والسكاكين والحجارة بينما الإسرائيليون بالصواريخ والقنابل والمُسيرات – لنتذكَّر كيف قَتَلَتْ المُسيَّرة (يحيى السنوار) ورماها بالعصا.. هكذا يُقاوِمُ الغزاويون في عودةٍ إلى زمن الحرب بالأقواس والسِهام والرماح.
وهكذا بدا العم إبراهيم (كامل الباشا)، الذي كان يُجسِّد ضمير المُعذبين في هذه الجلجلة الفلسطينية: (أنا مِشْ رقم، أنا الأستاذ إبراهيم.. إبراهيم الذي ما عاد يُحصي عدد الشهداء لكثرتهم في هذه الحرب/ المجزرة الإسرائيلية النتنياهاوية.
إبراهيم كما ناصر وكما سلمى و.. لم يتحوَّلوا إلى فريسة، بل وقفوا ضدَّ المذبحة، فَكَبَحوا خوفَهم أمام صيرورة انحطاط اليهودي الصهيوني، ولم يُخفوا قوَّتهم – ليسوا مازوخيين، ولكنَّهم فرجونا.
وعلى طول الزمن السردي قوَّةً وعنفاً فاعلاً؛ عنفاً خاصَّاً، عنفاً ملجوماً بكثيرٍ من الغِنى الجمالي- نلاحظ التشنجات والاندفاعات على كاهل أعضاء وأجزاء أجسادهِم، وهم يتصدون ويُقاومون (زعرنة) وصلف وغرور جيش الدفاع الإسرائيلي وهو يتبختر ويتمختر بقوته بين أنقاض غزَّة.
عائلة (صحاب الأرض) مؤلِّفاً وممثلين وفنيين ومُخرجاً قدَّموا سرداً درامياً تلفزيونياً بكثيرٍ من التجريد والصفاء الغنائي، ما يُقوِّي العزيمة الروحية عندنا كمُشاهِدين.
فسجَّلوا هدفاً كهدف الطفل يونس وهو يلعبُ بكرة القدم وقد تماثل للشفاء بعد أن كلَّمَ ب “الجوال” الذي كان هو الأخر إحدى الشخصيات- كلَّم سلمى وهو يقول لها: (وحشتينا؛ كوووول).