
بقلم المستشار: محمود عطية *
لم تعد أزمة السوشيال ميديا في مصر مجرد ظاهرة مقلقة يمكن احتواؤها بمرور الوقت، بل تحولت إلى كارثة مكتملة الأركان تضرب في صميم المجتمع، وتعيد تشكيل وعيه على أسس هشة وخطيرة، حيث أصبح (الفضاء الرقمي) مرتعا للفوضى ومنصة مفتوحة لكل أشكال الانحدار الأخلاقي والفكري دون أي اعتبار لما يترتب على ذلك من آثار مدمرة على الأجيال الحالية والقادمة
لقد صار واضحا أن ما يحدث في (الفضاء الرقمي) ليس مجرد خلل عابر بل هو انهيار تدريجي لمنظومة القيم، حيث تتصدر مشاهد العبث والابتذال واجهة المشهد اليومي وتفرض نفسها على المستخدم فرضا، حتى أصبح من الصعب على أي فرد أن يتجنب هذا السيل الجارف من المحتوى الذي لا يحمل سوى التفاهة والانحدار والتسطيح
الأخطر من ذلك أن هذه الفوضى لم تعد مقتصرة على أفراد يسعون للشهرة بأي وسيلة بل امتدت لتشمل كيانات يفترض أنها إعلامية، حيث تحولت بعض المنصات الإخبارية خاصة على إنستجرام إلى أدوات ترويج مدفوعة لا علاقة لها بالمهنية أو الرسالة الإعلامية، فأصبح الخبر سلعة رخيصة تباع لمن يدفع وتوجه بحسب المصالح وليس بحسب الحقيقة وهو ما يمثل جريمة حقيقية في حق وعي المجتمع.
وفي هذا المناخ المسموم تم فرض نماذج بشرية فارغة على الجمهور بشكل فج ومستفز، حيث يتم تضخيم أشخاص لا يمتلكون أي موهبة أو قيمة حقيقية فقط لأنهم قادرون على إثارة الجدل أو لأنهم ينتمون لعائلات معروفة، وهو ما خلق حالة من التزييف الكامل لمفهوم النجاح حيث لم يعد الجهد أو العلم أو الإبداع معيارا بل أصبح الصخب والظهور الفارغ هو الطريق الأسرع للانتشار.
هذا العبث في (الفضاء الرقمي) لم يكن ليصل إلى هذا الحد لولا حالة التراخي الواضحة في إدارة هذا الملف حيث بدت المؤسسات المعنية وكأنها غائبة أو عاجزة عن مواجهة هذا السيل من الانحرافات، وهو ما سمح بترسيخ واقع مشوه أصبحت فيه الرداءة هي القاعدة والاستثناء هو الجدية والاحترام.

محاولة لاحتواء الغضب
وعندما تحركت الدولة أخيرا كان تحركها أقرب إلى رد الفعل المتأخر منه إلى خطة مدروسة، حيث تم القبض على بعض صناع المحتوى من الذكور والإناث في مشهد بدا استعراضيا أكثر منه إصلاحيا، خاصة أن الأعداد التي تم التعامل معها لا تمثل سوى نسبة ضئيلة للغاية من الحجم الحقيقي للظاهرة وهو ما يجعل هذه الإجراءات تبدو وكأنها محاولة لاحتواء الغضب لا لمعالجة المشكلة.
إن الانتقائية في تطبيق القانون تفرغ أي جهد من مضمونه وتفتح الباب أمام تساؤلات مشروعة حول المعايير المستخدمة في تحديد من يتم محاسبته ومن يظل خارج دائرة المساءلة، وهو ما يضعف الثقة في جدية المواجهة ويجعلها تبدو أقرب إلى حملات موسمية سرعان ما تخبو دون أثر حقيقي.
النتيجة الطبيعية لكل ذلك كانت حالة غير مسبوقة من الانهيار الأخلاقي حيث تم كسر العديد من الخطوط الحمراء التي كانت تشكل في الماضي جزءا من هوية المجتمع، وأصبح ما كان يعد انحرافا صريحا يقدم اليوم في صورة عادية بل وجذابة أحيانا، وهو ما يعكس خللا عميقا في ميزان القيم.
ولا يمكن تجاهل الدور الكارثي لهذا الواقع في تراجع منظومة التربية بشكل مخيف، حيث لم تعد الأسرة قادرة على المنافسة أمام هذا التأثير الطاغي للسوشيال ميديا، ولم تعد المدرسة تملك الأدوات الكافية لتحصين الطلاب ضد هذا السيل من الرسائل المشوهة، فأصبح النشء يتلقى قيمه من مصادر عشوائية لا تخضع لأي رقابة أو توجيه
إن استمرار هذا الوضع يعني ببساطة إنتاج أجيال تعاني من فراغ أخلاقي وفكري حاد، وتفتقر إلى أبسط معايير المسؤولية والانضباط، وهو ما يشكل تهديدا مباشرا لاستقرار المجتمع على المدى البعيد.

تسليم عقول الشباب
وما يزيد من خطورة المشهد في (الفضاء الرقمي) هو غياب رؤية واضحة وشاملة للتعامل مع هذه الأزمة، حيث يتم الاكتفاء بحلول سطحية لا تمس جوهر المشكلة، فلا توجد سياسات إعلامية جادة تعيد ضبط المشهد ولا برامج تعليمية فعالة تعزز الوعي النقدي، ولا مبادرات حقيقية لدعم المحتوى الهادف الذي يمكن أن يشكل بديلا لهذا الانحدار.
إن ترك الساحة بهذا الشكل يعني عمليا تسليم عقول الشباب إلى خوارزميات لا تهتم إلا بالانتشار والأرباح دون أي اعتبار للقيم أو الأخلاق وهو ما يمثل تفريطا خطيرا في مسؤولية الدولة تجاه مواطنيها.
النقد هنا لا يهدف إلى الهجوم بقدر ما يسعى إلى كشف حجم الخلل الذي لم يعد يمكن التستر عليه أو التقليل من شأنه، فالمشكلة أكبر بكثير من مجرد بعض الفيديوهات المسيئة أو الحسابات المثيرة للجدل، بل نحن أمام بيئة كاملة تعيد إنتاج الرداءة بشكل يومي وتمنحها شرعية زائفة
إن إنقاذ هذا الوضع يتطلب تحركا جذريا لا يكتفي بالمظاهر بل يواجه الأسباب الحقيقية للأزمة، بدءا من إصلاح المنظومة الإعلامية ووضع ضوابط صارمة للمحتوى الممول، مرورا بإعادة الاعتبار للتعليم كأداة لبناء الوعي وانتهاء بدعم الأسرة وتمكينها من أداء دورها التربوي في ظل هذه التحديات.
كما يتطلب الأمر شفافية حقيقية في التعامل مع الملف، بحيث يتم تطبيق القوانين بشكل عادل ومتسق دون انتقائية أو ازدواجية، لأن أي خلل في هذا الجانب سيقوض الثقة ويحول الجهود إلى مجرد إجراءات شكلية بلا تأثير.
في النهاية: لا يمكن إنكار أن السوشيال ميديا أداة يمكن أن تكون مفيدة إذا أحسن استخدامها، لكنها في الوضع الحالي أصبحت سلاحا موجها ضد المجتمع يستخدم في نشر التفاهة وتزييف الوعي وإضعاف القيم، وإذا لم يتم التعامل مع هذا الخطر بجدية وحسم فإن الثمن سيكون باهظا ولن يقتصر على جيل واحد بل سيمتد تأثيره لسنوات طويلة قادمة.
إن ما يحدث الآن في (الفضاء الرقمي) ليس مجرد انحراف بل هو مسار خطير إذا استمر دون تصحيح حقيقي، فقد يؤدي إلى تآكل تدريجي في هوية المجتمع يصعب إصلاحه لاحقا وحينها لن ينفع الندم بعد أن تكون الخسارة قد وقعت بالفعل.
* المحامي بالنقض – منسق ائتلاف مصر فوق الجميع