

بقلم الكاتب الصحفي: محمد حبوشة
أثبت الشركة (المتحدة للخدمات الإعلامية) أنها المعادل الموضوعي للفشل في تجلياته المرعبة بخصوص (الدراما المصرية)، عندما رسخت له بكبرياء وعنجهية في موسم رمضان 2026، الذي كنا قد تفاءلنا بأنه سيتم فيه ضبط المعايير بناء على تعليمات الرئيس السيسي في هذا الصدد، ولكنها خالفت كل التوقعات وعمدت إلى لملمة أشلاء المسلسلات الغارقة في الرداءة ودفعت بها في هذا موسم رمضان 2026.
لقد أصبح إنتاج (المتحدة) متدنيا في المستوى الفني والإعلامي في مصر، حتى بات الفشل يلاحقها، وظني أنه كان يلزمها في موسم رمضان 2026 أن تثبت حقيقة أنها (رقم 1) في إنتاج (الدراما المصرية) التي ترسخ للهوية، باعتبارها صرفت عشرات المليارات منذ 10 سنوات دون (حساب) أو تحقيق إنجاز ملموس على أرض الواقع المعاش.
كنا نتمنى أي إنجاز يذكر في الدراما المصرية يشير إلى انحيازها الكامل للمواطن المصري، الذي كل ومل من دراما تفسد الذوق العام بمسلسلات تروج للعنف والعشوائية، فضلا عن إعلام هزيل يخاصم الواقع والتاريخ.
والدليل أنها لم تنجح في إنتاج درامي يليق بمكانة مصر سوى 7 مسلسلات في هذا الموسم من ضمن 22 مسلسلا هى (صحاب الأرض، رأس الأفعى، كلهم بيحبوا مودي، حد أقصى، فرصة أخيرة، عين سحرية، حكاية نرجس).
لقد تعب الجمهور المصري من قصص مكررة ومملة، حول رجل أعمال مرتشي ووصولي ومتسلط .. تزوج بأولى جوازة مصالح، وتزوج عليها بثانية في السر هى سكرتيرته الخاصة، ويخون الاثنين مع (الخدامة)، ويحب (الرقاصة) ويصرف عليها كل فلوسه، ويتزوج أخيرا بواحدة في سن عياله وهذه – بحسب الحتمية الدرامية العقيمة – سوف تأتي على كل ثروته في النهاية.


إنهم يخاصمون القيم والأخلاق
كما أصبح لايروق لنا ذلك البطل الشعبي الغارق في الميلودراما والمظلومية حتي يهب في لحظة غضب منتقما انتقاما مرعبا عبر أداء الجعير ويخاصم القيم والأخلاق، ولم نعد في حاجة إلى تاجر فاسد يتلاعب بالأسواق ويعبث بالوكالات التي لم يعد لها وجود على أرض الواقع بعدما أصبحت من ماض نتحسر عليه (علي كلاي، ودرش، والكينج) نموذجا.
فضلا عن اختلاط كل أعمال البلطجة بتجارة الآثار والمخدرات وغيرها من الموبيقات الدرامية الرجيمة مثل استدعاء تاريخ حي الباطنية في زمن تغيرت فيه ملامح التعاطي للعقارت القاتلة (مناعة) نموذجا.
وحتى لم يقوى الجمهور على ابتلاع كوميديا السماجة الزاعقة التي تبعث على التقزز بدلا من أن أن تبعث على الضحك النابع من القلب، فضلا عن الأكشن الرتيب القائم على الفبركة والاقتباس المخل الذي يبعد تماما عن أجواءنا المصرية التي لاتشجع على سرقة البنوك والشركات على طريقة (روبن هود).
بقراءة متأنية لموسم رمضان 2026 سوف نلحظ أن أفضل المسلسلات التي تحسب للمتحدة في هذا الموسم هى (فرصة أخيرة) فقط، ويضاف له (صحاب الأرض)، و(رأس الأفعى) – رغم بعض الملاحظات عليهما – أما (عين سحرية، وحكاية نرجس)، فينسب الفضل فيهما للمنتج الواعي (محمد مشيش)، وكذلك (كلهم بيحبوا مودي) لقناة (أبو ظبي)، وحد أقصى لـ (art).
وعند الحديث عن باقي الـ 17 مسلسلا، فلايوجد فيها أي تطور ملحوظ سواء على مستوى الفكرة أو الأداء الذي يبدو مكررا مثل (اتنين غيرنا، على قد الحب) والـ 15 الباقية فما تزال ترفل في ثوب الرداءة، خاصة ذات الـ 30 حلقة منها، فحدث ولا حرج في تكرار العنف والعشوائية والخيانة والمخدرات والآثار وإظهار جبروت المرأة وتحدي القانون فيما يتعلق رؤية الأطفال.
ومن خلال متابعتي لإنتاج (المتحدة)، في موسم 2026، أوقن أنها لا تعطى للوطن أهمية كبيرة في حياة الإنسان، رغم أنه رمز هويته وتاريخه وفخره وكرامته، فالوطن هو ذلك المكان الذي يوجد فيه حقوقه مثل حقه في الانتخاب، وحقه في الامتلاك وحقه في العيش الكريم، وحقه في ممارسة شعائره الدينية، وحقه في عاداته وموروثاته من أجداده، وهو مالم تعكسه (الدراما المصرية) في هذا الموسم.
علما بأنه ينبغي على هذه الشركة أن تعلم أننا شركاء جميعا في الفكر والإبداع من خلال التنوع بين الأفراد والشركات والمؤسات، وفتح المجال العام في الإنتاج الفني الذي من شأنه التنوع في إنتاج يليق بهذا الوطن، لكنها للأسف خلقت مناخا غير صحي بالمرة، ساهم بدور خطير في إفساد الذوق العام بالضرورة.

التنفير والإقصاء والاستفزاز
وظني أن الممارسات التي تقوم بها الشركة (المتحدة) من جانب (شلة) بعينها تعتمد القرابة والمصاهرة، وغيرها من أمور لاتشجع على الشعور بالانتماء الوطني، بقدر ما ترنو نحو التنفير والإقصاء والاستفزاز إلى حد الشعور بالقهر من جانب بعض الشركات الخاصة، والمؤلفين، والمخرجين والممثلين، خاصة في غياب الدولة بشكل رئيسي في أمور الفصل بالقانون بين حقوق هذه الشركة وواجباتها.
فضلا عن غض الطرف عن الممارسات التي تخالف المنطق والعقل والدين، ومن فوق ذلك كله تخالف الدستور الذي يؤكد في مواده وبنوده على حقوق المواطنة وتأكيد الهوية المدنية، رغم أنها مصونة بالحقوق التي تسبغها الدولة، وبالواجبات التي يؤديها المواطنون، وهو ماكان يلزم المتحدة بترجمة ذلك في إنتاج (الدراما المصرية) التي تليق بالوطن والمواطن.
لن أتحدث تفصيليا عن المسلسلات التي تتخذ موقفا عموميا في محطات الجنس، والتحرش، والبلطجة، والرشوة، والقتل، والتآمر، وتجارة وشرب المخدرات، وحالات الخيانة الزوجية، وسرقة وتجارة الآثار التي سادت موسم 2026 في معظم مسلسلات موسم السقوط، فهى أقل ما تتصف به هو القبح على مستوى الشكل والمضمون، فهى كثيرة يعجز القلم عن حصرها.
أضف إلى ذلك استمرار (الدراما المصرية) في مسارات (المتحدة) تلك بعيد عن دراما القدوة ورواد التنوير والنماذج المشرفة من شباب وفتيات وعلماء مصر، وبعيدا عن النماذج الشريفة من الأسر المصرية الكادحة المتحابة الطموحة المليئة بالبناء الدرامي الجاذب، أو النماذج الناجحه الشابة، أو نماذج القدوة المتميزة داخل مصر وخارجها. وكبيرة الأسافي أنها لم تقترب من تاريخنا القديم والمعاصر، أو من مآثر ديننا ورواده، أو مايدعم هويتنا وانتمائنا وقوانا الناعمة، وهو تاريخ زاخر بالنماذج التي تركت أثرا إيجابيا كبيرا على تغيير ملامح حياتنا.
ونتيجة لهذا المسار الخاطئ في محتواه، أصبح هناك خطورة تؤثر على صورة المجتمع وأهله من خلال إنتاج لا يواكب أفكار الشباب ومعتقداتهم في جيل الفتوة المصرية، بقدر ما تنال من مسخ الهوية وضرب القيم، بل وتحرج كثيرا أكثر من 8 مليون مصري خارج حدود الوطن.

إيحاءات لاأخلاقية، وكلمات نابية
وعلى الرغم من تدخل السيد الرئيس منذ عام كامل، موجها بضرورة إصلاح مسار الدراما، وانعقدت فعاليات كثيرة لتنفيذ هذا التوجيه، وانتظرنا (الدراما المصرية) المعدلة، في ظل تعليمات سيادته الأخيرة قبل بدء موسم رمضان بأيام، ولكن جاءت دراما (المتحدة) وكأنها تؤكد بأنه لا يقدر أحد على تعديل مسارها، وكأن لاحياة لمن تنادي.
أضف إلى ذلك تجاوزات (الدراما المصرية) في موسم رمضان 2026، في كثير منها بالإيحاءات اللاأخلاقية، والكلمات النابية التي تشوه مبادئ التربية والقيم والدين، واللبس الذي لا يلائم مبادئ الشهر الكريم، وقد يكون رد القائمين على (الدراما) إنه هذه نوعيات من بهارات المشاهدة والتسويق، أو أن الجمهور يقبل على هذه النوعيه من الأعمال، ولكن هيهات من تكرار هذه الجملة المقيتة؟
الغريب في الأمر أنه قد تشدق البعض بأنها قصص من الواقع، وسرح بخياله الواهي إلى القول بأننا سنرى الوجه الحقيقي لمصرنا الجميل هذا الموسم.. ربما نحن نعالج الواقع السيئ ونحذر منه ونضع نتائج رادعة لكل انحراف عن السلوك القويم، لا أن نبالغ في تقديم أسوأ ما في الواقع، وكأننا نجمله ونحبذه ونسوق له ونتعاطف معه!، لكن الأمر ليس إلى هذا الحد من الفوضى المنظمة بفعل شياطين (المتحدة).
كتبت هنا في (شهريار النجوم) منذ أكثر من سنتين صارخا، حول ما يتهدد صناعة الدراما المصرية، وفي حينه وردت إلينا ردود فعل كثيرة منها ماهو مبطن برسائل الغضب المكتوم، ومنها ماهو معلن يتضمن صرخة مدوية تطالب بتعديل المسار بعد أن انحرفت (المتحدة) عن الهدف الذي حدد لها منذ ما يقرب من حوالي 10 سنوات.
ولعله معلوم بالضرورة، أنه كان الهدف وقتها إنشاء (شركة واحدة وقناة واحدة وجريدة واحدة) عام 2016 تختلف في مضومنها عن السائد بإنتاج يعتمد الموضوعية، والتأكيد على الهوية الوطنية في المعالجة لكافة القضايا المصيرية في حياتنا، شريطة الاعتماد على الكفاءات المهنية في الفن والإعلام، وها هي اليوم توحشت أكثر، ورغم أنها تملك أكثر من 40 شركة شركة رائدة في الإنتاج الدرامي، التلفزيوني، المسموع، المطبوع، الرقمي، والإعلان، وأكثر من 8 آلاف موظف وكادر، لكنها لا تملك الكفاءات المهنية التي تمكنها من تعديل مسارها.
والسؤال الذي يطرح نفسه بقوة: إلي متى تعربد (الدراما المصرية) بفعل رجيم من جانب (المتحدة) في قيمنا وصورة مجتمعنا وعقول شبابنا الذي أصبح مشوها ومشوشا حول تاريخ بلاده العظيم؟، وإلى متي تصم آذانها عن كل توجيه مجتمعي، وإلى متى تظل نضرب عرض الحائط بكل ما ينفع الوطن والمواطن، وإلى متى ننتظر خارطة طريق (الدراما)؟
وفوق كل هذا وذاك: متي نضع خطة قوميه للإنتاج بالمحتوى والقيم والأهداف.. هل عندما تتدخل الدولة في الإنتاج من خلال هيئاتها الإنتاجية؟، أم متى ننتظر ذلك من رأس الدولة بتدخل جراجي يستأصل هذا الورم السرطاني الذي أنهك جسد (الدراما المصرية).

روح المنافسة تصنع الجودة
والحقيقة أن فكرة سيطرة (المتحدة) على المشهد الفني والإعلامي برمته على جناح (الاحتكار)، أحكم الخناق على الشركات الوطنية الأخرى التي أنتجت أعمالا كثيرة تعد علامات بارزة في صناعة الدراما المصرية على مدار عشرات السنين الماضية، بل إنها كانت ترصع لوحة الفن المصري بألماس الموهبة والإبداع، ومن ثم آن الأوان لتفكيها.
لقد كانت روح المنافسة هى التي تصنع الجودة، وكان هناك تعاون مشترك بين هذه الشركات ومدينة الإنتاج الإعلامي، ومن قبلها قطاع الإنتاج في التلفزيون (أيام المرحوم ممدوح الليثي)، رئيس قطاع الإنتاج بالتلفزيون المصري، حتى أنهم كانوا يستوعبون الشركات العربية بالتعاون في إنتاج أعمال مشتركة.
ذلك التعاون الذي كان من شأنه أن نضمن عرض مسلسلاتنا على القنوات العربية من ناحية وتوثيق الروابط الأخوية من ناحية أخرى على جناح القوى الناعمة، لكن حينما دست (المتحدة) أنفها في (احتكار) الإنتاج والإعلام فإنها ابتلعت الأخضر واليابس في أحشائها، وراحت تعبث بالإنتاج على هوى أشخاص بعينهم رغم معرفة قيادتها الرشيدة بفسادهم وجهلهم بأبسط قواعد الإنتاج الفني الذي يعلي من شأن المجتمع.
بل يمكنني القول براحة تامة: أنها سدت الأفق العام، وعرقلت القنوات الطبيعية في الإنتاج الجيد، دون مراعاة قواعد المنافسة والإطاحة بشركات عربية خارج حلبة المنافسة على الدراما المصرية.
كفانا عبثا واستهتارا بأن تظل تنفرد (المتحدة) وحدها بالسيطرة على عقول المصريين بإنتاج يخاصم القيم والأعراف وحتى الخروج على القانون من خلال عشوائية المسلسلات، وفوضى القنوات العابثة في اللامعقول من القضايا التي تعلي من شأن التفاهة والفجور.
السطور الماضية أعتبرها إنذار خطر جديد للانتباه للآثار السلبية التي نعاني منها طوال 10 سنوات عجاف، شهدت غياب التنافسية التي تهدد صناعة (الدراما المصرية)، في إطار التأكيد على أن المواطنون المصريون متساون في الحقوق كما هم متساون في الواجبات، وبالتالي لابد من أن تتساوى حقوق شركات الإنتاج الخاصة مع المتحدة.
وبعد ما مضى أرى أنه لابد من وقف إنتاج (المتحدة) الحالي الذي يرسخ للإسفاف وعدم مراعاة أن (الدراما تكتب التاريخ حاليا)، لذا أنبه إلى خطورة الموقف الحالي، حتى لا يأتي ذلك اليوم الذي نسكب فيه الدمع على (الدراما المصرية) التي لاتعنى بالوطن والموطن ولاتعكس هموم الإنسان المصري، بل تسعى لإفساد القيم والأخلاق والاجتراء على القانون.

ورش الكتابة الساذجة
فضلا عن أنها لا تستعرض تاريخيا بشفافية مطلقة بعيدة عن الهوى الشخصي وضيق الأفق، والجنوح نحو أفكار تدعي عصريتها بإنتاج لايرقى إلى المستوى الذي يليق بالفن المصري الذي كان شامخا عاليا تنظر له الأمم بسمو وفخر الصناعة المصرية التي تصب في خانة بناء الإنسان وليس هدمه كما هو كائن حاليا.
وهى أقل ما توصف به أنها محاوللات (خزعبلاية) تنطق بها ورش للكتابة الساذجة، بينما هنالك كتاب مشهود لهم بالكفاءة على مستوى الخيال الخصب الرشيق الذي يذهب إلى مناطق غير مؤهلة، ومع ذلك يجلسون في بيوتهم دون أن يطرق أبوبهم عاقل رشيد يخاف على مصلحة هذا البلد، ويغار على فنه الذي هوى أمام عوصف تكنولوجية جديدة لن تكن في الحسبان.
دعونا نستقدم من الواقع قضايا حقيقية تنتمي لهذا الوطن بدلا من سرقة أفكار مسلسلات (تركية، أسبانية، أمريكية، إنجليزية، وكورية)، والأخيرة هى من رسخت للعنف والقتل بأعصاب باردة، كما ساهمت في انحطاط القيم عبر علاقات مفتوحة تخاصم ديننا وأخلاقنا، وللأسف سادت هذه الظاهرة (الدراما المصرية) خلال السنوات القليلة الماضية، وأصبحت طوفانا هادرا على جناح التراخي بدعوى الحريات المفتوحة.
.. وبعد لقد آن الأوان لتفكيك (المتحدة)، تلك الشركة التي أصبحت عبئا ثقيلا على الوطن، وفتح المجال لشركات وطنية مشهود لها بالكفاءة في الإنتاج الواعي الذي يعلي من هذا البلد الذي أصبح أبناؤه يتساءلون في حيرة: المتحدة تلك من تكون؟، ولماذا تصر على العبث والجنون؟