

بقلم المخرج المسرحي الكبير: عصام السيد
شهر رمضان المعظم في مصر ليس مجرد شهر للصيام والعبادة،، بل هو موسم اقتصادي ضخم تتداخل فيه الطقوس الاجتماعية مع الاقتصاد، والفن مع التجارة، والدراما مع (الإعلانات).
حيث يمثل هذا الشهر ذروة النشاط التجاري في بعض القطاعات وعلى رأسها قطاع الأغذية، الذى يتضاعف حجم التداول فيه مقارنة ببقية العام، ففي شهر الصوم ينفق المصريون على الطعام ما بين 60 إلى 100 مليار جنيه، وهو ما يعادل نحو ثلث الاستهلاك السنوي تقريبًا، أي أن رمضان وحده يمثل قفزة كبيرة مقارنة ببقية شهور السنة حيث يتراوح الإنفاق الشهري عادة بين 10 و12 مليار جنيه فقط.
وهذا يعني أن رمضان وحده يعادل 5 إلى 8 أضعاف الإنفاق الشهري المعتاد، و أحد أسباب زيادة الانفاق هى (الإعلانات) في رمضان التى تزيد الطلب على منتجات معينة !!
فكما ارتبط الشهر بالطعام ارتبط أيضا بـ (الإعلانات) التى تغذى ثقافة الاستهلاك، ففيه تتحول الشاشات إلى ساحات مزدحمة بالمسلسلات والبرامج، وتتحول الإعلانات إلى لغة يومية تخاطب ملايين المشاهدين، وتكشف عن حجم السوق والاقتصاد.
فالشهر الكريم يمثل الموسم الذهبي للتلفزيون في مصر، حيث ترتفع نسب المشاهدة إلى مستويات غير مسبوقة – مقارنة ببقية العام – حيث تشير الدراسات إلى أن نحو 35% من المصريين يتابعون المسلسلات الرمضانية بانتظام، بينما تصل نسب المشاهدة لبعض البرامج والمسلسلات إلى صدارة القنوات بنسبة تتجاوز 50 أو 60% من الجمهور في الأيام الأولى من الشهر.
لذا تتركز (الإعلانات) في فترة ما بعد الإفطار وحتى منتصف الليل حيث تجتمع الأسر لمتابعة التلفزيون، مما يمثل فرصة للشركات لتعزيز المبيعات والحصة السوقية، و ترسيخ صورة العلامات التجارية في الوعي الجمعي، ويجعلها جزءاً من حديث الناس اليومي.


حجم الإنفاق الإعلاني
وبسبب إرتفاع نسب المشاهدة في رمضان ترتفع أسعار الإعلانات بشكل كبير، حيث تُباع الفواصل الإعلانية بأضعاف أسعارها في بقية العام، وتشير التقديرات إلى أن حجم الإنفاق الإعلاني في مصر خلال رمضان يتراوح بين 500 و600 مليون دولار، وهو رقم يعكس ضخامة السوق وقوة المنافسة ، و يؤكد على أن السوق المحلي قادر على الاستثمار رغم الأزمات، وأن الشركات لا تزال تبحث عن النمو والانتشار.
و فيما مضى كان التليفزيون يستحوذ على كعكة (الإعلانات) كاملة، ولكن بدخولنا عصر الإعلانات الرقمية عبر منصات التواصل الاجتماعي واليوتيوب بدأ التلفزيون يفقد بعضاً من هيمنته – برغم أنه الأكثر جماهيرية – فقد انخفضت نسبة استحواذ التليفزيون الى حوالى 60 % من هذا الانفاق لأنه أكثر تكلفة لاعتماده على النجوم في (الإعلانات).
أما (الإعلانات) على وسائل التواصل فهو أقل تكلفة، و يتميز بالاستمرار طوال العام، ويتيح استهدافاً دقيقاً وقياساً للعائد عبر أدوات تحليلية متقدمة، لكن رمضان يعيد للتليفزيون الصدارة في سوق (الإعلانات) كل عام، ولذا حاولت بعض الشركات الدمج بين الوسيلتين: الإعلان التلفزيوني لبناء صورة جماهيرية قوية، والرقمي لتعزيز التفاعل وقياس النتائج بدقة.
أي أن يظل التلفزيون هو المسرح الأكبر في رمضان ، بينما الرقمي هو الكواليس التي تضمن استمرار التأثير بعد انتهاء الشهر.
والإعلان في رمضان لا يعيش في فراغ، بل يرتبط ارتباطاً وثيقاً بالدراما والبرامج الجماهيرية، فالشركات تبحث دائماً عن المسلسلات الأكثر مشاهدة لتضع إعلاناتها خلالها، لأن نجاح الإعلان مرهون بمدى حضور العمل الفني في الوعي الجمعي.
فحين يحقق مسلسل نسب مشاهدة مرتفعة، يصبح الإعلان فيه بمثابة استثمار مضمون، حيث يضمن وصول الرسالة إلى ملايين المشاهدين في لحظة واحد، و لذا تسعى كل قناة لاحتكار (العمل الأكثر مشاهدة)، مما يرفع نسب المتابعة في الأيام الأولى، والمنافسة على (الأكثر مشاهدة) تحدد خريطة سوق (الإعلانات) والدراما، وتؤثر على استراتيجيات الإنتاج في السنوات التالية.
وفي المقابل، بعض البرامج لا تستطيع الاستمرار أو تحقيق النجاح إلا بفضل الإعلانات التي تمول إنتاجها وتمنحها زخماً جماهيرياً مثل برامج المقالب أو (التوك شو) الرمضاني التي تتحول إلى منصات دعائية ضخمة، حيث تتنافس الشركات على الظهور فيها، مما يزيد من شعبيتها ويضمن استمرارها عاماً بعد عام.

التبرعات وحملات الخير
وهكذا، يصبح الإعلان والدراما وجهين لعملة واحدة: الإعلان يبحث عن الدراما الناجحة ليظهر من خلالها، والدراما تحتاج إلى الإعلان لتستمر وتحقق الانتشار.
أما الإعلان نفسه فتتنافس الشركات على النجوم و تحشد اكبر قدر منهم لجذب المشاهد و في نفس الوقت تحاول تقديم (الإعلانات) تتحول إلى أعمال فنية قائمة بذاتها، باستخدام أغنيات أو مشاهد تعلق في الذاكرة مثل المسلسلات و تظل تستعاد طوال السنة او كلما حل رمضان.
والحقيقة أن تغير نوعية السلع المطروحة في الإعلانات يعبر عن تغير السوق، ففي السنوات السابقة كانت الأغلبية لإعلانات (السمن و الصابون) و إعلانات المياه الغازية، ولكن بتغير السوق ومع مقاطعة بعض السلع بسبب حرب غزة تغيرت خريطة (الإعلانات).
إلى جانب انسحاب جميع الشركات و المؤسسات الحكومية من سوق (الإعلانات) نتاج لقرارات رئيس الوزراء بالتقشف والتي تتجدد كل عام منذ سنوات الجائحة وحتى الآن، و التي تم تطبيقها على كل الوزارات حتى وزارة الثقافة التي يعتمد نشاطها الفني على (الإعلانات)، و لم يبق من (الإعلانات) الحكومية سوى إعلان مصلحة الضرائب !!!
وفي عامنا هذا – أو منذ عامين تقريبا – لاحظنا أن القطاعات التي تتصدر (الإعلانات) هى قطاع الاتصالات الذى يتصدر السباق بحملات ضخمة تعتمد على نجوم كبار وأغنيات جماهيرية، يليه قطاع البنوك التي تستغل الشهر لتعزيز الثقة وجذب عملاء جدد.
وقطاع العقارات: الذى يعرض مشاريعه باعتبارها استثماراً طويل الأجل، والقطاع الرابع هو الجمعيات الخيرية التى تجد في رمضان موسماً للتبرعات وحملات الخير، حيث يتضاعف العطاء، فتكثف من إعلاناتها التي تستدر الدموع و الجيوب.
الغريب أن رد فعل الجمهور ليس دائما هو المرجو من تلك الإعلانات ، فكثير من التعليقات على مواقع التواصل الاجتماعى تنتقد إعلانات شركات المحمول وتطالب تلك الشركات بتحسين الخدمة بدلا من الملايين التي تهدر في الإعلانات، أو طرح تخفيضات حقيقية على أسعار الاشتراكات.
وكذلك كان الحال مع بعض البنوك التي تفتقر بعض فروعها لأبسط وسائل الراحة و السرعة ، ويفتقد موظفيها لأبسط قواعد التعامل السلس مع الجمهور، أما الانتقادات الأكبر فقد طالت – ككل عام – قطاع العقارات بسبب أسعاره المغالى فيها والتي لا تتناسب مع الدخل في مصر، أما الإعلان الذى صار (تريند) هذا العام بسبب السخرية والتعجب هو علبة الكحك التي تفتح ببصمة اليد وسعرها 39 ألف جنيه!!
السؤال الذى يشغل بالى كل عام: لماذا لا تتبرع شركات العقارات والبنوك بقيمة الإعلانات للجمعيات الخيرية وتقوم شركات المحمول بتحسين الخدمة وتريحنا من تلك الإعلانات كلها؟
وفي النهاية، يظل الإعلان في رمضان أكثر من مجرد صورة على الشاشة؛ إنه انعكاس لاقتصاد يصرّ على الحياة، ولشعب يجد في هذا الشهر مساحة للأمل والبهجة، مهما كانت التحديات.