رئيس مجلس الادارة : محمد حبوشة
رئيس التحرير : أحمد السماحي

بين (شادية) في (المرأة المجهولة)، و(ريهام عبد الغفور) في (حكاية نرجس)

بين (شادية) في (المرأة المجهولة)، و(ريهام عبد الغفور) في (حكاية نرجس)
في هذا الفيلم، لم تكتفِ (شادية) بالأداء، بل عاشت الشخصية بكل تفاصيلها
بين (شادية) في (المرأة المجهولة)، و(ريهام عبد الغفور) في (حكاية نرجس)
أحمد صبحي

بقلم الكاتب والسيناريست: أحمد صبحي

يظل فيلم المرأة المجهولة واحدًا من أهم الأعمال السينمائية التي حفرت مكانها في وجدان المشاهد العربي، ليس فقط بسبب قصته المؤثرة، ولكن لما يحمله من صدق إنساني وأداء تمثيلي استثنائي من جانب الفنانة الراحلة العظيمة (شادية).

ولا أعلم لماذا استحضر هذا الفيلم بكل تفاصيله الآن وأنا أشاهد الحلقات الأخيرة من (حكاية نرجس)، حين تمكن منها المرض وتقدّم بها العمر، وقدّمت (ريهام عبد الغفور) أداءً شديد الإتقان، جعلني أعود بذاكرتي إلى واحدة من أعظم نجمات السينما المصرية، شادية.

(شادية)، التي اعتدنا رؤيتها في أدوار خفيفة مليئة بالبهجة والرقة، وفي أفلام يغلب عليها الطابع الرومانسي والغنائي، كانت دائمًا قادرة على أن تحرّك بداخلنا مشاعر الفرح والحب.

أغانيها كانت تدخل القلب بسهولة، تحمل بساطة صادقة ودفئًا إنسانيًا نادرًا، لكن ما قدّمته (شادية) في فيلم (المرأة المجهولة) كان مختلفًا تمامًا؛ كان انتقالًا حقيقيًا من نجمة خفيفة الظل إلى ممثلة تمتلك أدوات درامية عميقة وقادرة على الوصول إلى أقصى درجات التأثير.

في هذا الفيلم، لم تكتفِ (شادية) بالأداء، بل عاشت الشخصية بكل تفاصيلها.. استطاعت أن تجعلنا نصدق حكاية امرأة تدفعها الظروف القاسية إلى اتخاذ قرارات مصيرية، حتى لو كان الثمن ارتكاب جريمة.. ورغم قسوة الفعل، فإنها نجحت ببراعة في أن تجعل المشاهد يتعاطف معها، بل ويتمنى لها النجاة، ويأمل في أن تلتقي بابنها الذي فُرض عليها أن تبتعد عنه، كما حدث مع (ريهام عبد الغفور) في (حكاية نرجس).

ومن أكثر اللحظات تأثيرًا في الفيلم، تلك التي انطلق فيها صوتها في أغنية (سيدى الحبايب يا ضنايا)، التي تُعد واحدة من أجمل وأصدق ما قُدِّم في التعبير عن مشاعر الأمومة.

بين (شادية) في (المرأة المجهولة)، و(ريهام عبد الغفور) في (حكاية نرجس)

بين (شادية) في (المرأة المجهولة)، و(ريهام عبد الغفور) في (حكاية نرجس)
(المرأة المجهولة) لم يكن مجرد فيلم يُعرض ويُنسى، بل تجربة إنسانية متكاملة

قدرة فائقة على التقمص والتجسيد

لم تكن مجرد أغنية داخل سياق درامي، بل كانت صرخة قلب، واعترافًا صادقًا بالألم والحنين، جسّدت من خلالها (شادية) معنى التضحية بكل ما تملك من أجل ابنها، حتى وإن كان الثمن حياتها أو حريتها.

واللافت في هذا العمل أيضًا أن (شادية) نجحت في تغيير صورة العلاقات التي اعتدنا عليها في السينما.. فقد اعتدنا رؤيتها إلى جانب (شكري سرحان) في أدوار العاشقين، لكن في هذا الفيلم أقنعتنا تمامًا بعلاقة مختلفة، حيث صدقنا أنها أم، وهو ابنها، دون أي افتعال.. وهذا التحول لم يكن سهلًا، لكنه يعكس قدرتها الفائقة على التقمص والتجسيد.

ولم يكن النجاح فرديًا، بل شاركها في هذا الإنجاز كوكبة من النجوم الذين أسهموا في رفع قيمة العمل، مثل (كمال الشناوي وزهرة العلا)، حيث قدم كل منهم أداءً مميزًا أضاف إلى قوة الفيلم وعمقه.. لقد كان هذا العمل بمثابة نقلة حقيقية في مسيرة هؤلاء الفنانين، وأثبت أن السينما يمكن أن تكون وسيلة للتعبير عن قضايا إنسانية معقدة دون أن تفقد قدرتها على التأثير.

(المرأة المجهولة) لم يكن مجرد فيلم يُعرض ويُنسى، بل تجربة إنسانية متكاملة، استطاعت أن تمس مشاعر الجمهور عبر الأجيال.. هو عمل يذكّرنا بأن الفن الحقيقي لا يعتمد فقط على القصة، بل على صدق الأداء، وقدرة الفنان على أن يجعلنا نعيش معه لحظاته، ونشاركه ألمه وأمله.

وربما لهذا السبب تحديدًا، يظل هذا الفيلم حاضرًا في ذاكرتنا، نستدعيه كلما رأينا عملًا صادقًا يمس الروح، أو أداءً مخلصًا يقترب من الحقيقة.. إنه نموذج للفن الذي يبقى، وللفنانة التي لم تكن مجرد نجمة، بل كانت حالة فنية وإنسانية نادرة اسمها شادية.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.