
بقلم: زينب علي البحراني
بعد خمسة مواسِم ناجحة من المُسلسل العِراقي (قَط أحمر) الذي تم تقديم مواقفه الطريفة على صورة لوحات قصيرة تُذكرنا بلوحات تجارب عربيَّة أُخرى ناجحة مثل بدايات مُسلسل (مرايا) ومُسلسل (بُقعة ضوء) اللذان يُمثلان بصمة مُتميزة في تاريخ الكوميديا السوريَّة بوجهٍ خاص والعربيَّة بوجهٍ عام.
اختار النجم العراقي (أحمد وحيد) أن يُقدم هذا العام حكاية واحدة طويلة مُترابطة الأحداث على مدى 15 حلقة مُمتعة بعنوان: (عنتر وليلى)، ليخوض بهذا العمل تجربة جديدة مُختلفة عن تجاربه الكوميدية والدراميَّة السابقة.
ويؤكد قُدرته على اكتساب رِضا جمهوره برشاقة قلمه الموهوب في كتابة السيناريو للأعمال الترفيهية الخفيفة كما نجح من قبل مع أعمالٍ دراميَّة عميقة وتراجيديَّة مؤثرة إلى جانب تفوّقه في تأدية أي شخصيَّة يرتديها بإتقانٍ مُنقطع النظير.
كمؤلفٍ يمتاز بثقافة فنيَّة عالية؛ لم يتنازل الفنان أحمد وحيد عن أركان العمل الفني الكوميدي منذ بدء تأسيسه في أوروبا وانتعاشه بفضل مسرحيات (وليام شكسبير) في إنجلترا خلال عصر النهضة.
ففي (عنتر وليلى) يجد المُتلقي نفسه أمام حكاية حُب تمنع بعض العقبات بَطليها من تحقق حلمهما بالزواج فيجدان نفسيهما مُضطرّين لمواجهة التعقيدات وحلّها حلقة بعد الأخرى، لكن النهاية السعيدة تُرضي الجمهور بعد نجاح البطلين في الانتصار على عُنصر الصراع الشرير بنواياهما الخيّرة لتُختم الحلقة الأخيرة بمشهد حفل الزفاف.


باقة من الألغاز المُعقدة!
رغم مُحاولات (عنتر) المُستميتة للزواج من حبيبة طفولته (عبلة) إلا أن حوادث مُريعة تُعرقل عقد القران كُل مرَّة، ما جعل الشكوك تدور حول زوجة عمّه (عنكَوكَة) المشهورة بأعمال السحر ووقف الحال.
ولأن الغريق يتعلَّق بـ قشَّة يستسلم (عنتر) لتلك الفكرة ويُطالبها بالصورة التي استخدمتها لعقد السحر كي يتمكَّن من فكّه بالتقاط صورة على نفس الهيئة وفي نفس المكان، فيُصعق حين يعلم أنها اختارت صورته مع مجموعة كبيرة من زملائه وزميلاته حين كانوا أطفالاً في المدرسة الابتدائيَّة.
ومعهم المُعلّمة، وبائعٌ متجوّل، وشخصٌ مجهول يرتدي زي (ميكي ماوس)، ولا يمكن التخلُّص من تلك اللعنة إلا بجمعهم – أينما كانوا!- والذهاب بهم إلى ذات المدرسة والتقاط صورة جديدة بذات التفاصيل، عندها يجد نفسه أمام باقة من الألغاز المُعقدة التي لا بُد من حلّها واحدًا بعد الآخر للوصول إلى شخصيَّات الصورة.
فيُفاجأ بتغيُّر أحوالهم وتنوّع مهنِهم حين كبروا، لكنهم جميعًا متورطون بتبِعات السحر الذي أحاط بكُل فرد في تلك الصورة دون استثناء، ولا يمكنهم الزواج مهما بذلوا من جُهد.
وحتى الذينَ سبق لهم الزواج قبل عقد السحر على الصورة لم يعُد بوسعهم الزواج مُجددًا بعد أن تطلَّقوا أو ترمَّلوا! على الضفة الأخرى يعيش معه في منزل الأسرة شقيقه (شيبوب) الذي يحظى بتوفيقٍ مُنقطع النظير يُمكنه من الزواج أكثر من مرَّة كل شهر.
وشقيقته الصغرى (بَسوس) التي ترفض كُل خاطبيها لأسباب واهية مهما كانت مكانتهم المُجتمعيَّة راقية ومستواهم المادي عاليًا! بين هذه الشخصيَّات وشخصيَّات أُخرى تدور الأحداث مُمتعة مُشوّقة من حلقة حتى التالية خاطفةً اهتمام المُشاهدين بمواقف كوميديَّة خارج نطاق توقعاتهم.

ثلاثة أعوامٍ من الكِتابة!
(عنتر وليلى) الذي استغرقَت كتابتهُ ثلاثة أعوام من الحذَر والحِرص على الإتقان قدر الإمكان كما صرَّح مؤلّفه (أحمد وحيد)خشية ظهوره بصورة لا تُرضي الجمهور أو تُخيّب آماله لم ينجح في تقديم مُشكلة إنسانيَّة عامَّة وهي انعدام التوفيق في الزواج وحَسب.
بل حقق نجاحًا لافتًا في تسليط الضوء على تفاصيل مُحببة لوجدان المُجتمع العراقي كأسماء الأطعِمة والأماكِن والأغاني والفنَّانين، دونَ أن يُغفل مُشكلات مُجتمعيَّة أخرى كانقطاع الكهرباء، مُمارسة مِهَن لا علاقة لها بالاختصاص، جرائم الابتزاز الالكتروني، مُعاناة سائقي عربات التِكتوك، تفاهة بعض مشاهير السوشيال ميديا في سبيل جمع المال.. وغيرها.
تألُّق مُسلسل (عنتر وليلى) يصعد بالتوقعات نحو مُستقبلٍ أكثر تألقًا لأعمال (أحمد وحيد) على شاشات عربيَّة خارج نطاق الحدود العراقيَّة المحليَّة خلال الأعوام القادمة، لا سيما وأن اللهجة التي كُتِبَ بها السيناريو سهلة مفهومة لمُعظم الناطقين بالعربيَّة، وكثيرٌ من قضاياه العامَّة تنعكس على الواقع العام في كُل مُجتمعٍ عربي لا سيما بعد عصر العولَمَة.
ولا يُمكن إغفال حالة الانسجام البديع بين فريق العمل الذي رافق المؤلِّف خلال أعمالٍ سابقة، والنسيج الفُسيفِسائي الفريد الذي نجحَ في إبداعه المُخرِج (مصطفى حكمت).