

بقلم الإعلامية الدكتورة: شيماء سعيد
تستحضر شخصية طبيب الأطفال (مصطفى) التي يجسّدها ماجد الكدواني في مسلسل (كان ياما كان)، شخصية (سليمان الصايغ) التي قدّمها الفنان (أحمد كمال) في فيلم (الكيت كات) للمخرج داود عبد السيد.
فكلاهما ينتمي إلى نمط واحد: الرجل الروتيني الذي يظن أن الاستقرار وحده يكفي، بينما العلاقة تنطفئ بصمت.. في (الكيت كات) يكتشف (سليمان) فجأة أن زوجته (روايح) غادرت المنزل دون رجعة، نتيجة تراكم طويل من الصمت والرتابة. المفاجأة لم تكن في الفعل ذاته، بل في الإدراك المتأخر أن ما لم يحدث داخل العلاقة كان كافيًا لإنهائها.
هذا المعنى نفسه يتجدد في مسلسل (كان ياما كان)، لكن بصورة أكثر امتدادًا ووضوحًا.. هنا، لا تُروى الحكاية كذكرى عابرة، بل نعيشها لحظة بلحظة من خلال (مصطفى) في عمل من إخراج (كريم العدل) والكاتبة (شيرين دياب)، حيث تتحول الأزمة من مشهد مكثف إلى دراما تفصيلية تكشف كيف يتسلل الروتين إلى العلاقات، وكيف يمكن للصمت أن يصبح اللغة الوحيدة بين طرفين.
وكما رحلت (روايح) دون عتاب، تختار (داليا) الشخصية التي تقدمها يسرا اللوزي، الطريق نفسه فتطلب الطلاق بهدوء، مدفوعة بإحساس عميق بأن المواجهة لم تعد مجدية، وأن ما انكسر لا يمكن إصلاحه.

ندم بعد فوات الأوان
في مشهد مؤثر من فيلم (الكيت كات) كان (سليمان الصايغ) يجلس وسط الحانة، يروي حكايته مع زوجته الهاربة “روايح” لأحد رواد المكان، وكأنها قصة شخص آخر، محاولةً للتخفيف من إحساسه بالخجل ومن مواجهة الواقع بنفسه:
(صاحبي متجوز من عشره خمسة تاشر سنة، عمره ما كان بيتكلم مع مراته، بس مكنش واخد باله.. كل يوم صباح الخير، ترجع من الشغل مساء الخير، وبعد كده التلفزيون، والليل يعني لو عايز.. لغاية ما قالتله: (أنا طهقت.. حسيبلك البيت).
وفي مسلسل (كان ياما كان) يقول (مصطفى) لـ (سيف زوج شقيقته تعليقا على انفصاله عن زوجته (هترجعلي.. أصلّي عمري ما زعلتها ولا ضربتها).
(مصطفى) على عكس (سليمان)، لا يشعر بالخطأ بنفس العمق، هو لا يدرك أن غياب التفاعل والمشاركة الفعلية يقتل الحب تدريجيًا.. ثقته بأن (عدم الأذى) يكفي لحفظ الزواج تجعله يعيش في وهم، بينما الصمت الروتيني يقتل العلاقة ببطء.
هنا تتلاقى الشخصيتان: الأول (سليمان) اكتشف فشله بعد فوات الأوان وندم، والثاني (مصطفى) لا يزال غير مدرك، يعيش وهم الاستقرار بينما العلاقة تنهار من الداخل، النتيجة واحدة في النهاية: انهيار العلاقة بسبب غياب الفعل الحقيقي والمواجهة الصادقة، لكن التجربة الإنسانية مختلفة.

الهروب من الروتين الزوجي
لم تحصر (شيرين دياب) فكرة الهروب في قرار الزوجة فقط، بل قدمت وجهًا آخر أكثر إرباكًا: هروب الرجل بالخيانة، يظهر ذلك في شخصية (سيف) الفنان الشاب (يوسف عمر)، الذي يخون زوجته (نورا/ جلا هشام) شقيقة مصطفى، لا لأنه لا يحبها، بل لأنه يختنق من رتابة العلاقة.
يعيش مع أخرى حالة من (الجنون) المفقود: ركوب دراجات، مغامرات، حياة خارج النمط. في المقابل، تبقى (نورا) نموذجًا للزوجة المثالية التقليدية، موظفة بنك مخلصة، تبذل جهدًا حقيقيًا لإنجاح العلاقة.. هنا يطرح العمل سؤالًا: هل الإخلاص والحب وحده يكفي، أم أن الروتين قادر على قتل حتى العلاقات المستقرة؟

حين يصبح الزواج عدوًا للحب
بعد الطلاق، تظن (داليا) أنها وجدت ما فقدته، في علاقتها مع معتز/ هاني عادل)، الذي يمنحها الاهتمام والحيوية، لكنه يضع شرطًا واضحًا: هذه العلاقة لا يجب أن تتحول إلى زواج، لأن الزواج – من وجهة نظره – ينهي هذا الشغف.
هذه الفكرة تعكس رؤية قاسية لكنها واقعية داخل العمل: أن المؤسسة نفسها قد تتحول إلى قيد، وأن ما يبدأ بحب قد ينتهي بروتين إذا لم يُجدد باستمرار.
ويمتد هذا التخوف ليصل إلى الجيل الأصغر، من خلال شخصية (سمر)، التي تقدمها الفنانة الشابة (تميمة حافظ)، ابنة خالة داليا، والتي تختار مسارًا مختلفًا تمامًا. لا تؤمن “سمر” بفكرة الزواج التقليدي من الأساس، وتفضّل المساكنة مع (زين/ يوسف حشيش)، غير عابئة بنظرة المجتمع أو أحكامه القاسية.
هذا القرار لا يأتي من تمرد سطحي، بل من قناعة تشكلت عبر مشاهدتها المستمرة لعلاقات فاشلة من حولها، بدءًا من زواج والديها، مرورًا بنماذج أخرى انتهت إما بالانفصال أو الخيانة أو الفراغ العاطفي.

تشظي العلاقات: لا أحد ناجٍ
كل العلاقات الزوجية في مسلسل (كان يام كان) تبدو متصدعة؛ لا أحد ينجو، فإما خلافات مستمرة أو انفصال وشيك، وكأن العمل يرسم خريطة كاملة لانهيار العلاقات بمختلف أشكالها.
الاستثناء الوحيد يظهر في علاقة (عايدة) موظفة الاستقبال في عيادة د. مصطفى، التي تجسدها الفنانة القديرة (عارفة عبد الرسول)، مع زوجها (زيزو)، تُقدَّم هذه العلاقة كنموذج نادر للحب البسيط والمستقر، قائم على المشاركة والاهتمام وكسر الروتين، حتى في التفاصيل الصغيرة مثل احتفالهما المستمر وخروجهما معًا رغم تقدمهما في العمر.
لكن اللافت أن هذه العلاقة نفسها لا تمر مرورًا عاديًا داخل العمل، بل تُقابل بدهشة من المحيطين بها؛ إذ يبدو هذا النموذج غريبًا وسط واقع مثقل بالخلافات، تتجلى هذه الدهشة في نظرة (مصطفى)، الذي يستهجن طلب عايدة الحصول على إجازة للاحتفال بعيد زواجها.
كما تستغربها الطبيبة (مها/ نهى عابدين)، حين تراها تهتم بنفسها وتضع مستحضرات التجميل لزوجها، في تصرف بسيط لكنه يكشف الفجوة بين نموذجين: علاقة لا تزال حية، وأخرى فقدت أبسط ملامح الاهتمام.
المفارقة أن حتى هذا الاستثناء لا يدوم، تنتهي العلاقة بوفاة (زيزو)، وكأن المسلسل يلمّح إلى أن هذا النموذج، رغم صدقه وبساطته، لم يعد قابلًا للبقاء في الواقع المعاصر.
(كان ياما كان) مسلسل لا يحصر أزمات الزواج في سبب واحد، بل يكشف شبكة معقدة من الخلافات: صمت يتراكم، احتياجات لا تُفهم، محاولات تفشل، ورغبات في الهروب تظهر بأشكال مختلفة، حتى يصبح هذا التفكك هو الصورة الأقرب لواقع أغلب العلاقات.