


بقلم الكاتب الصحفي: أحمد السماحي
من الأعمال المهمة التى عرضت طوال الماراثون الرمضاني، والتى تعتبر درة الأعمال السورية، مسلسل (الخروج إلى البئر) الذي كتب بحروف من ذهب، وثيقة خلود لفريق عمله.
بداية من مبدع العمل المؤلف (سامر رضوان)، والمخرج الرائع (محمد لطفي)، مرورا بنجوم العمل (جمال سليمان، عبدالحكيم قطيفان، كارمن لبس، مازن الناطور، خالد شباط، طلال مارديني، واحة الراهب، جفرا يونس، روعة ياسين، نضال نجم، باسم قهار، يوسف حداد، قاسم ملحو) وغيرهم.
ورغم أن شيئا مما يرويه مسلسل (الخروج من البئر) لم يحدث لي شخصيا، ولكنني أحسست في بعض مشاهد المسلسل خاصة مشاهد سجن (صيدنايا) وتعذيب (فهد) وإذلاله، وتعذيب شقيقه (فراس)، بالقشعريرة تهز جسدي، حيث أحسست بأن كل ما يحدث حقيقيا.
وأصابني الرعب بالفعل مما يمكن أن يحدث للناس عندما يكون لهم موقف، أو وجهة نظر تعارض النظام الحاكم.
ونجح المسلسل أن يرسم صورة سوداء واقعية للنظام السوري البائد، الذي كانت زعاماته لا تحمل فكرا واضحا ولا خطا، ولا تعرف ماذا تريد أن تصنع بالناس سوى أن تحكمهم وأن يصمتوا.
وأن تذهب بهم من اليمين إلى اليسار، والعكس، ثم أن تحاول أن تبقى بين هذا وذاك وتلعب لعبة التوازن على كل الحبال، فيما تصورته عبقرية مبتكرة يمكن أن تستمر إلى الأبد، ما دامت تعطيها القوة العمياء.
وكان طبيعيا أن ينهار كل هذا، وأن تجيئ كل الهزائم والكوارث على كل المستويات، ومن أجل أن يداري الجلادون هزائمهم وخواءهم الفكري والمبدئ، وفسادهم الذي ليس له مثيل، كان لابد أن يدفع الموجودين في سجن (صيدنايا) وغيرهم من المواطنيين البسطاء الغلابة الذين لا ناقة لهم فيها ولا جمل، الثمن!.


نظام إرهابي فاسد
مسلسل (الخروج إلى البئر) كشف جزءا من نظام إرهابي فاسد حكم سوريا لسنوات طويلة بالحديد والنار، وكشف أن أجهزته كانت فاسدة، ومهترئة، ومهزومة، وخالية، من الفكر والمبدأ والهدف الواضح.
ورأينا من خلال المسلسل ماذا كانت تفعل الأجهزة التى كان يستخدمها النظام أي شيئ في الناس، الذين ألغيت حريتهم وآدميتهم في غيبة أية ضوابط إلا حماية الرجل الواحد وهو (بشار الأسد)
أحد النقط المضيئة في (الخروج إلى البئر) أن القضية التى يثيرها المسلسل والرسائل التى يبثها وديكتاتورية النظام الحاكم يجعلنا نفكر فيما شاهدناه ونجري إلى كتب التاريخ.
ومواقع الإنترنت لنقرأ عن الجرائم التى يتكلم عنها المسلسل مثل الاستعصاءات الشهيرة التي شهدها السجن في عام 2008، عندما كان النظام البائد يحكم سوريا.

محمد لطفي المتمكن
في مسلسل (الخروج إلى البئر) أثبت مخرج العمل (محمد لطفي) أنه متمكن جدا من أدواته الفنية، وأن قدراته أكبر بالتأكيد من الفرص التى قدمها حتى الآن، وقد نجح في تناول موضوع بالغ الصعوبة.
وما بهرني فيه قدرته على خلق (الجو) الخانق المتوتر المشحون بالرعب والكأبة، وعرف كيف يتلاعب بكاميراه، وكيف يوزع زواياه، وكيف يرسم كدراته، وهو ما لا يقدر عليه إلا مخرج كبير ومبدع.
واستطاع (محمد لطفي) من بداية الحلقات أن ينومنا تنويما مغناطيسيا، ويجعلنا لا نبرح أماكنا في انتظار الحلقة الجديدة، خاصة أنه أستخلص من نجومه أفضل مستوياتهم التمثيلية، وكأن كل منهم عازف على آلة موسيقية في اوركسترا تعزف مقطوعة عالمية عذبة رفيعة المستوى.

ثورة جمال سليمان العالمية
فمثلا النجم الكبير (جمال سليمان) كان في مشاهده التى يعبر فيها عن أساه، أو عن ألمه، أو عن إستسلامه، أو عن ثورته، أو عن مواجهة الواقع القاسي، ممثلا وشاعرا وفيلسوفا معا.
وقدم بداية من الحلقة 20 مشاهد كثيرة تعتبر (مستر سين) منها مشهد لقائه باللواء (ناصيف بدران) في الحلقة (22)، واللواء يضغط على (سلطان الغالب)، ويضعه أمام خيار صعب، إما أن يعود إلى سجن (صيدنايا) للتفاوض مع السجناء، وحماية ابنه من الموت، وإما مواجهة فقدانه إذا رفض التدخل.
في هذا المشهد العبقري، كان وجه (جمال سليمان) شعلة من نار، ينتفض، ويثور، ويتوجع، ويصرخ، ويتألم، من شدة القهر الذي يُمارس عليه، وقدم أداءا يؤكد أنه واحدا من عباقرة التمثيل العربي.
ولم يكن هذا هو المشهد الوحيد، فلا أحد ينسى مشهده مع الفنانة (كارمن لبس) في الحلقة (24)، وهو يتكلم معها عن معرفته بسفالة النظام الحاكم وعهره.
ولن يضيع من الذاكرة ثورته العارمة في الحلقة (28) على اللواء (ناصيف بدران)، عندما شعر أنه تعرض للخداع، هنا كان وحشا يمثل بكل جوارحه، لدرجة أنني تخيلت أن (جمال سليمان) نفسه تماهى مع شخصية (سلطان الغالب) وذاب فيها وفي تفاصيلها.
وأن الذي يتحدث ويثور هو (جمال سليمان) نفسه، وليس (سلطان الغالب)، خاصة بعد أن أحب اللواء (ناصيف بدران) إذلاله بأن يجعل ابنه (فهد) خادم لكل الحضور.
كانت أقوى لحظة إنفجار داخلي، لم نشاهد مثلها منذ سنوات، كما قدم مشاهد لا تنسى مع ابنه (فهد) في سجن (صيدنايا) ومشاهده في الحلقة الأخيرة والدموع في عينيه، وهو يشعر بالقهر والذل، وان النظام السوري (ضحك عليه) وقهره، وأضاع أسرته، في كل هذه المشاهد رأينا ممثلا عالميا وليس عربيا.
وأعتقد بحكم متابعتي لأعمال (جمال سليمان) في العشرين سنة الأخيرة، أنه لم يمثل بقوة وانصهار مع الشخصية كما مثل في (الخروج إلى البئر).

ديكتاتورية عبدالحكيم قطيفان
أما مفاجأة المسلسل فكان الفنان المبدع (عبدالحكيم قطيفان) الذي قدم لنا شخصية اللواء (ناصيف بدران) بمزاج فني عالي جدا، كان في حالة (سلطنة فنية)، وأقنعنا وسيطر علينا بظلمه وجبروته.
وقدم مشاهد عالمية مع (جمال سليمان) من خلال أداء محسوب دقيق، ومن خلال جزئيات مذهلة تكشف وتبرهن على مدى الحرفية العالية التى أصبح يتمتع بها نجمنا (عبدالحكيم قطيفان) الذي غُيب خلال السنوات الماضية، لكن جاء مسلسل (الخروج إلى البئر) ليضعه في مقدمة الصفوف الأولى لنجومنا العرب الذين نفتخر بوجودهم في حياتنا الفنية.

غضب الناطورغير المبرر
أحد عيوب سيناريو (الخروج إلى البئر) رسمه لشخصية (أبوالحارث) رجل الأعمال العصامي، فقد ظهر في بداية الحلقات والشرر يتطاير من عينيه، وأعتقدنا أنه شرير بالفطرة على غرار نجوم الشر في أفلامنا المصرية الأبيض والأسود.
وظل طوال الحلقات التى ظهر فيها (أبوالحارث) وهو يمثل (الشر المطلق) دون أن يحاول المؤلف أن يشرح لنا سر هذا الشر، ولو في مشهد تتحدث فيه زوجته أنه مثلا تغير بعد أن اختفت ابنته (خلود).
ولكن (سامر رضوان) تركنا طوال الحلقات، ونحن لا نعرف سر الشر الكامن عند (أبوالحارث) وما زاد من غموض الشخصية تفكير زوجة (أبوالحارث) وبناته في سرقته والهرب من البيت! هنا أيقنا بالدليل القاطع أنه شرير مطلق بدون سبب!.
لكن سبحان مغير الأحوال، فجأة تغير (أبوالحارث) مع ظهور ابنته، وأصبح كالحمل الوديع، حنون، وعاطفي، وصاحب حكمة، يستشيره، خطيب ابنته، والمشكلة أن ابنته (خلود) في رحلة هروبها ثارت عليه ثورة عارمة.
وعندما ظهرت براءتها من الشائعة التى أطلقها طليقها عليها، ذهبت إليه وارتمت في أحضانه دون أن تعتذر، ودون أن تقدم سببا واحدا لسر ثورتها على والدها، ودون أن يعاتبها والدها.
والغريب والعجيب أن المسلسل بدأ وانتهى ولم تبرر في مشهد واحد قسوة (أبوالحارث) في الحلقات؟!
ورغم هذا الخلل الموجود في شخصية (أبوالحارث) لكن (مازن الناطور) أستطاع أن ينسينا هذا الخلل، من خلال طاقته الفنية المتفجرة، وإحساسه العفوي الصادق، وغموض شخصيته، وذكاء نظراته، وكل الإمكانات الباهرة التى تشع منه.
وهنا يجب أن اسجل إعجابي العميق بـ (مازن الناطور) الذي بهرنا بمشهد صامت لم يتحدث فيه كلمة واحدة، وابنته (خلود) تتحدث معه في التليفون الأرضي لشركته.
في هذا المشهد ركز (محمد لطفي) بذكاء على شفايف (مازن الناطور) فقط، والذي استطاع أن يقدم المشهد بكثير من الصدق، والأقتصاد في الحركة والتعبير، مما جعله بالغ التأثير، شديد الوقع على نفوسنا، وهذا المشهد ذكرنا بالمشهد الصامت للعملاق (محمود المليجي) عندما تم (حلق شاربه) في فيلم (الأرض).


كارمن لبس، وخالد شباط
أجمل ما في سيناريو (سامر رضوان) أنه أعطى لكثير من نجوم العمل فرصة حقيقية لإبراز موهبتهم، فصال وجال كلا منهم في الشخصية التى يقدمها.
فظهرت (كارمن لبس) وكأننا نشاهدها لأول مرة، من خلال دور (سمية) زوجة (سلطان الغالب) وأم أولاده، وهي إمرأة قوية تواجه العواصف بقوة، حتى لو دفعت حياتها ثمنا لها، أو حتى سجنت ابنها الذي كان سببا في جلدها!.
وقدم (خالد شباط) من خلال شخصية (فهد الغالب) الذي لم يكمل دراسة الشريعة، الكاره للنظام السوري، والذي يقع بجهله في يد عصابة تتاجر بالدين، واحدا من أهم أدواره، بل هو أهم أدواره، ويشهد على ذلك مشهده في الحلقة الـ (12) التى يعلم فيها بزواج والدته.

العقيد موفق سلامة
(طلال مارديني) جوكر الدراما السورية هذا العام في رمضان، قدم واحدا من أفضل أدواره، وكان رائعا في دور العقيد (موفق سلامة) المندفع، المتهور، الذي يمثل السلطة الحاكمة الظالمة، الذي سيطر بشخصيته الأخاذة على كل شيئ.
وكان بموهبته وقوة حضوره، يكفي أن يظهر لنكره النظام السوري الظالم، وندعو عليه ونقول (الله لا يوفقه موفق)!، وبإختفائه من المسلسل فقد سجن (صيدنايا) عقيد شرس، لا يرحم، حتى أن العقيد (طلال) الذي جاء بعده لم يملأ الفراغ الذي تركه العقيد (موفق).


تحية خاصة لهؤلاء النجوم
أما سجناء سجن (صيدنايا) فكلهم نجوم كبار، وكانوا مواهب تضيئ بقوة وتشع نورها بظهورها خاصة (نضال نجم، ويوسف حداد، وقاسم ملحو، غطفان غنوم، وشادي الصفدي) وقدم كل واحدا من هؤلاء مشاهد لا تنسى.
وهنا لابد أن نرسل تحية خاصة إلى كلا من الفنان (باسل حيدر) الذي جسد شخصية (الشيخ حاتم) بحرفنة شديدة، وكذلك (روعة ياسين، وجفرا يونس، ومصطفى سعد الدين) أما (واحة الراهب) فلم يساعدها السيناريوعلى تقديم أي شيئ غير الظهور الباهت.
سينار ماهر مضيئ
في النهاية استطاع (سامر رضوان) أن يرسم بقدرة يحسد عليها كل بقع النور والظلام التى تحيط بهذا الهبوط إلى القاع، واستطاع أن يحتفظ بنفسه اللاهث من البداية، حتى النهاية.
وجعلنا نعايش شخصياته كافة، ونحس بأحاسيسها وننفعل معها، وأن نخدع كما خدعت، وأن نحاصر كما حوصرت، وأن نشعر بالجدران المقفلة وبالمنطق المغلق.
وفي النهاية لا يمكن إلا أن نرفع قبعة عالية لسيناريو ماهر مضيئ عكس ظله على المسلسل كله.